بوابة كينيا ورواندا: العراق يفتح آفاق الاستثمار والزراعة في العمق الأفريقي

يتجه العراق إلى توسيع حضوره الاقتصادي في القارة الأفريقية، مستفيداً من تجارب كينيا ورواندا في الزراعة وإدارة المياه وتنمية الموارد البشرية

ميدل ايست نيوز: يتجه العراق إلى توسيع حضوره الاقتصادي في القارة الأفريقية، مستفيداً من تجارب كينيا ورواندا في الزراعة وإدارة المياه وتنمية الموارد البشرية، بالتوازي مع بحث فتح خط جوي مباشر بين بغداد ونيروبي وتوسيع فرص الاستثمار والتبادل التجاري، في تحرك يسعى إلى نقل العلاقات مع أفريقيا من الإطار الدبلوماسي إلى شراكات اقتصادية أوسع.

تجربة كينيا

ويقول المحلل السياسي رمضان البدران، أن “زيارة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي ولقاءه الرئيس الكيني وليام روتو في نيويورك تضمنا بحث فتح الرحلات الجوية المباشرة، وافتتاح سفارة كينية في بغداد، والاستفادة من تجربة كينيا في الزراعة وإدارة المياه، فضلاً عن توسيع التعاون الاقتصادي وتعزيز تواصل العراق مع بقية الدول الأفريقية والسوق الأفريقية المشتركة”.

ويضيف، أن “مجالي الزراعة والغذاء يتيحان للبلدين تبادل الخبرات في سلاسل التسويق والإرشاد الزراعي والتخزين والتبريد وتصنيع المنتجات وربط المزارعين بالأسواق”، مشيراً إلى “إمكانية بحث شراكات في التمور والمنتجات الغذائية العراقية، إلى جانب استيراد بعض المنتجات الكينية، مع مراعاة فحص الجودة والجدوى التجارية”.

وفي ملف المياه، يشير البدران إلى “إمكانية دراسة العراق لأساليب كينيا في إدارة الأحواض المائية والري والتخطيط لمواجهة الجفاف، ومن ثم تكييف ما يتناسب منها مع الظروف والمناخ العراقيين، لأن التجارب لا تنقل حرفيا بين بلدين يختلفان في المناخ والموارد”.

الطاقة والبنية التحتية

وعلى صعيد التجارة والاستثمار، يبين البدران، أن “الشركات العراقية يمكنها بحث فرص في قطاعات الطاقة والوقود والبنية التحتية، فيما تستطيع بغداد الاستفادة من الخبرات الكينية في مجالات الزراعة والخدمات والاتصالات”.

ويرى، أن “فتح الرحلات الجوية المباشرة، في حال ثبوت جدواها، من شأنه تسهيل حركة رجال الأعمال والوفود والبضائع بين البلدين”.

الانفتاح على أفريقيا

في 22 أيلول سبتمبر 2026، التقى رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي، في نيويورك، رئيس رواندا جاستن نسينغيوما، على هامش مشاركته في اجتماعات الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، في لقاء ركز على توسيع التعاون الثنائي، ولا سيما في القطاعات الاقتصادية والتجارية وتعظيم فرص الاستثمار بما يحقق المنفعة المتبادلة للبلدين.

وخلال اللقاء، طرح الزيدي إمكانية الاستفادة من التجربة الرواندية في تنمية الموارد البشرية، فيما أشار الجانب الرواندي إلى أهمية تعزيز العلاقات مع العراق واستعداد بلاده للتعاون في قطاعات التنمية الاقتصادية والموارد البشرية والاستثمار والبنى التحتية، في خطوة تعكس توجهاً عراقياً نحو توسيع دائرة الشراكات مع الدول الأفريقية.

وبعد يوم واحد، انتقل الحراك العراقي في نيويورك إلى كينيا، إذ التقى الزيدي، في 23 أيلول سبتمبر 2026، الرئيس الكيني وليام ساموي روتو، بحسب بيان للمكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء لبحث تعزيز العلاقات الثنائية وتوسيع آفاق التعاون في مجالات متعددة.

وتناولت المباحثات إمكانية فتح خط طيران مباشر بين بغداد ونيروبي بهدف تعزيز حركة التبادل التجاري والاستثماري والسياحي، إلى جانب العمل على تعزيز حضور العراق في السوق الأفريقية المشتركة وتوسيع مجالات التعاون مع دول القارة، فضلا عن تعزيز العلاقات الدبلوماسية عبر افتتاح السفارة الكينية في بغداد.

المناطق الاقتصادية

بدوره، يقول الخبير الاقتصادي منار العبيدي، إن “أبرز ما يمكن للعراق الاستفادة منه في التجربة الكينية يتمثل في كيفية تحويل بعض القطاعات التقليدية إلى قطاعات قادرة على جذب الاستثمار وخلق فرص العمل، ولا سيما في الزراعة وسلاسل القيمة والاقتصاد الرقمي وتنمية المهارات وربطها باحتياجات السوق”.

ويوضح، أن “كينيا تركز استثماراتها على الزراعة والتصنيع وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والطاقة والخدمات، فضلاً عن امتلاكها تجربة مهمة في المناطق الاقتصادية الخاصة، مثل الزراعة والتصنيع الزراعي والخدمات الرقمية وتنمية الموارد البشرية تعد من أكثر القطاعات العراقية قابلية للاستفادة من هذه التجربة، من دون الحاجة إلى نسخها حرفياً”.

وعن أهمية فتح خط مباشر بين بغداد ونيروبي، يبين العبيدي، أن “الخط، في حال تحوله إلى واقع، ينبغي ألا ينظر إليه باعتباره وسيلة لنقل المسافرين فقط، وإنما جزءاً من فتح سوق جديدة أمام العراق”.

فرصة مهمة

ويشير إلى أن “كينيا لا تمثل سوقاً بحد ذاتها فحسب، بل تعد مركزاً تجارياً مهماً في شرق أفريقيا وعضواً في كل من مجموعة شرق أفريقيا “EAC” والكوميسا “COMESA”، ما يجعل تأسيس حضور عراقي فيها فرصة للوصول إلى أسواق أوسع في شرق ووسط أفريقيا”.

ويلفت الخبير الاقتصادي إلى أن “الفرص المحتملة تشمل المنتجات الزراعية والغذائية والأسمدة والبتروكيمياويات والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا والاستثمار الزراعي والتصنيع الغذائي”، معتبراً أن “كينيا يمكن أن تكون منصة مهمة للوجود الاقتصادي العراقي في أفريقيا، شريطة وجود حضور تجاري واستثماري حقيقي، لا أن يقتصر الأمر على تبادل تجاري محدود”.

مجلس عراقي كيني

وفي ما يتعلق بتحويل التقارب السياسي إلى شراكة اقتصادية فعلية، يؤكد العبيدي أن “المشكلة غالباً لا تكمن في توقيع مذكرات التفاهم، وإنما في تحويلها إلى مشاريع وأرقام”.

وينبه إلى “الحاجة لتأسيس مجلس أعمال عراقي كيني فعال، وتحديد قائمة واضحة بالمشاريع والفرص، وتسهيل التحويلات والتمويل، ومعالجة الإجراءات الكمركية والاستثمارية، إلى جانب تشجيع شركات البلدين على تأسيس شراكات مباشرة”.

ويخلص العبيدي إلى أن “الدور الأكبر ينبغي أن يكون للقطاع الخاص، والحكومة تستطيع فتح الأبواب وتوفير البيئة والاتفاقيات، لكن القطاع الخاص هو الذي يحول هذه العلاقات إلى تجارة واستثمارات وفرص عمل”.

وفي الجانب الاقتصادي، أكد الزيدي أهمية الاستفادة من التجربة الكينية في قطاعي الزراعة وإدارة الموارد المائية، إلى جانب تطوير التعاون في الاقتصاد والاستثمار والاستفادة من الشراكات التي تربط كينيا بعدد من الدول والأسواق الدولية. وفي المقابل، وجه الرئيس الكيني دعوة إلى الزيدي لزيارة كينيا وتعزيز العمل المشترك وتطوير العلاقات في مختلف المجالات.

آفاق جديدة

إلى ذلك، يقول خبير المياه جمعة الدراجي، إن “العراق يمتلك مساحات واسعة وفرصاً استثمارية كبيرة وقدرة على الزراعة، فضلاً عن إمكانات وموارد مائية واردة من دول التشارك المائي، إلى جانب حصاد المياه المحلية والأودية والجريانات المحلية والمياه الجوفية، ما يتيح له الاستفادة من النموذج الكيني في تطوير القطاع الزراعي”.

ويضيف، أن “هناك حراكاً ونقاشات دبلوماسية يجريها رئيس الوزراء علي الزيدي مع الجانب الكيني لفتح آفاق جديدة وواسعة للاستفادة التقنية وتطوير الحلول المشتركة بين البلدين في مجال التطبيقات الزراعية ونماذج الري”.

أنظمة ري متطورة

ويشير الدراجي إلى أن “كينيا تميزت خلال العقود الأخيرة بتبني استراتيجيات متطورة للتكيف مع الجفاف وإدارة الموارد المائية الشحيحة، وأبرز ما يمكن للعراق تطبيقه يتمثل في أنظمة الري بالتنقيط الذكية والمصغرة، وتجميع مياه الأمطار والسيول، فضلاً عن الزراعة العمودية والمحمية والتوسع في تقنيات البيوت البلاستيكية والزراعة المائية والعمودية التي بدأت كينيا بالتوسع فيها، وتسهم في تقليص استهلاك المياه بنسبة كبيرة”.

ويشدد على “أهمية هذه التقنيات تكمن في مدى إسهامها في تقليل الهدر والفاقد الناتج عن التبخر ورفع كفاءة استخدام المياه، والعراق يحتاج إلى نموذج معدل يتناسب مع ظروفه، إذ يمكنه الاستفادة من السيناريو الكيني وليس بالضرورة من تقنياته، في ظل وجود دول تمتلك تجارب أكثر تقدماً”.

وفي المقارنة بين البلدين، يبين الدراجي، أن “النموذج العراقي يحتاج حالياً إلى التعديل وفقاً لشح المياه وتحديات المناخ وتراجع الإطلاقات المائية من دول التشارك المائي”، مشيراً إلى أن”كينيا تتمتع بمناخ مداري معتدل نسبياً ومعدلات تبخر منخفضة إلى متوسطة، بينما يمتلك العراق مناخاً شبه قاري جافاً، وتتجاوز درجات الحرارة فيه 50 درجة مئوية صيفاً، ما يؤدي إلى معدلات تبخر عالية وقياسية”.

ويتابع، أن “العراق يعتمد في موارده المائية على الأمطار والأنهار الواسعة ودجلة الخاضع لسياسات دول المنبع، بينما تعتمد كينيا على الأمطار والمياه المتجددة والجوفية وحصاد المياه”، لافتاً إلى “اختلاف طبيعة التربة أيضاً، إذ تمتلك كينيا ترباً بركانية وطينية جيدة وقابلة للنفاذ ومنخفضة الملوحة أساساً، في مقابل ارتفاع تحديات الملوحة في العراق، ولا سيما في الأراضي الجنوبية التي تحتاج إلى عمليات غسل وإطلاقات مائية”.

دبلوماسية نشطة

ويخلص الدراجي إلى أن “العلاقات الدولية باتت تتيح إمكانات اقتصادية وتبادلاً تجارياً وفنياً ومعلوماتياً بصورة أسهل بفضل تطور وسائل الاتصال، والدبلوماسية العراقية تشهد حالياً تحركاً جيداً في علاقاتها مع الدول الأوروبية”.

وبذلك، تكشف لقاءات نيويورك عن توجه عراقي لفتح مسار أوسع نحو القارة الأفريقية، يبدأ بتبادل الخبرات والاستثمار وتنمية الموارد البشرية، ويمتد إلى المياه والزراعة والنقل الجوي والأسواق المشتركة، فيما يبقى تحويل هذه المباحثات إلى خطوط طيران ومشاريع واستثمارات فعلية هو الاختبار الحقيقي لنتائج هذا الانفتاح.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العالم الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة + 20 =

زر الذهاب إلى الأعلى