من التجارة الحدودية إلى «حقل ألغام رقابي».. كيف تهدد الضغوط الأمريكية علاقات إيران والعراق؟

تتمثل رسالة التحذير الصادرة عن مركز المعلومات المالية في أن التجارة مع العراق تخرج بسرعة من نمط «التعاملات بين دول الجوار» وتهبط في «حقل ألغام رقابي».

ميدل ايست نيوز: أدى التصاعد الملحوظ في الضغوط الأمريكية على العراق إلى تغيير جوهري في تعاملات إيران مع جارتها الغربية.

ففي يوليو/تموز الماضي، أعلن عبد الناصر همتي، محافظ البنك المركزي الإيراني، أن نحو 10 إلى 11 مليار دولار من مستحقات وموارد إيران موجودة في العراق، مشيرًا إلى أن جزءًا من هذه الموارد لا يمكن تحويله مباشرة بسبب القيود الناجمة عن العقوبات الأمريكية.

وعلى الرغم من استمرار التجارة بين إيران والعراق وعدم توقفها، فإن تغيير مسارها يُعد احتمالًا لا يستبعده محللون. وحذر مركز المعلومات المالية الإيراني من أن التجارة مع العراق تخرج بسرعة من نمط «التعاملات بين دول الجوار» وتهبط في «حقل ألغام رقابي». وفي الوقت نفسه، تعمل بغداد، بالتزامن مع الضغوط الأمريكية، على تطوير الإطار القانوني والرقابي لتطبيق متطلبات مجموعة العمل المالي (FATF) في تعاملاتها مع الدول عالية المخاطر.

وحذر المركز من أن استمرار هذا النهج سيحوّل إيران في النظام المالي الإقليمي إلى «جزيرة عالية المخاطر»، وهو وضع قد يؤدي، حتى في حال عدم فرض عقوبات جديدة، إلى وصول التدفقات التجارية مع دول الجوار إلى طريق مسدود، بسبب الالتزامات الناجمة عن الوثائق والتقارير الدولية، فضلًا عن الحذر الهيكلي الذي تبديه البنوك.

ما القصة؟

تقف التجارة الإيرانية-العراقية، البالغة قيمتها 10 مليارات دولار والتي تُعد رمزًا للتعاون الاستراتيجي بين البلدين الجارين، أمام وضع بدأت فيه مساراتها تتغير، ليس بناءً على إرادة بغداد ورغبتها، وإنما تحت التأثير المباشر للضغوط الأمريكية المستمرة والالتزامات الناجمة عن وجود اسم إيران على القائمة السوداء لمجموعة العمل المالي (FATF)، والمعروفة بإجراءاتها المضادة.

وتضطر بغداد، للحفاظ على موقعها في النظام المالي الدولي وتجنب انتقال العقوبات الثانوية إليها، إلى تشديد بروتوكولاتها الرقابية بصورة كبيرة؛ وهو مسار، وإن كان ناتجًا عن ضغوط خارجية وإكراهات جيوسياسية، فإنه يضع شرايين التجارة والتمويل مع إيران أمام تحديات جدية.

تشديد الرقابة على الشرايين الدولارية وشبكة الصرافة

بلغت الضغوط الأمريكية على بغداد خلال الأشهر الأخيرة ذروتها بهدف الحد من التدفقات المالية المرتبطة بإيران، ومتابعة سياسة «حصر السلاح بيد الدولة». وفي هذا السياق، أفاد مصدر عراقي مطلع على ملف الرقابة المالية، في حديث إلى موقع «إرم نيوز»، بإحالة قائمة محددة بأسماء أشخاص وشركات خاضعة للعقوبات الأمريكية إلى البنك المركزي العراقي والجهات المعنية بمكافحة غسل الأموال، لإخضاعها لتدقيق مكثف.

وبحسب المصدر، تخضع العلاقات المصرفية لشركات تحويل الأموال ومكاتب الصرافة التي تعاملت مع الأطراف المذكورة للمراجعة، كما وُضعت الحسابات التي نفذت خلال الأشهر الأخيرة تحويلات وحوالات متكررة إلى شركات تجارية خارج العراق تحت رقابة خاصة.

وتشمل الإجراءات قيد الدراسة تقييد وصول هذه الشبكات إلى الأوراق النقدية بالدولار، وإلزام البنوك ومؤسسات الدفع بوقف التعاون فورًا في حال إثبات وجود ارتباط مالي مباشر، وذلك خشية بغداد من امتداد العقوبات المالية الأمريكية إلى مجمل المؤسسات الائتمانية والمصرفية العراقية.

وفي ظل هذه الأجواء، تتجه البنوك وشركات التأمين والنقل وحتى المؤسسات الحكومية العراقية، لتجنب الغرامات الدولية، نحو «إزالة المخاطر طوعًا» والحد بصورة استباقية من تعاملاتها مع الأطراف الإيرانية.

وتتمثل إحدى أخطر تداعيات هذا المسار في احتمال تجميد عائدات صادرات الطاقة الإيرانية داخل الشبكة المصرفية العراقية، وهي أموال كانت تُستخدم في السابق لشراء السلع المسموح بها أو تأمين الاحتياجات الأساسية المستوردة.

وثيقة التقييم المتبادل للعراق وتشكّل «تصور عالي المخاطر» تجاه إيران

لا تمثل الضغوط الأمريكية سوى أحد جانبي المسألة؛ أما الجانب الآخر فيتمثل في تضافرها مع المتطلبات الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، الناجمة عن وجود إيران على القائمة السوداء لمجموعة العمل المالي (FATF)، الأمر الذي يدفع بغداد إلى تبني إجراءات امتثال أكثر تشددًا.

وحذر مركز المعلومات المالية التابع لوزارة الشؤون الاقتصادية والمالية الإيرانية، في تقرير تحليلي صدر في ديسمبر/كانون الأول 2025، من تشكّل «تصور دولي عالي المخاطر» تجاه إيران، بعد تحليله «وثيقة التقييم المتبادل للعراق» التي نشرتها مجموعة العمل المالي (FATF) ومجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENAFATF) عام 2024.

وأكد التقرير أن تكرار اسم إيران نحو 50 مرة في وثيقة التقييم الرسمية للعراق، ضمن محاور تشمل المعاملات المالية والضوابط الجمركية وتجارة الطاقة ونقل الأموال النقدية من قبل المسافرين والمخاطر المرتبطة بانتشار الأسلحة والعقوبات الأممية، لا يمثل مجرد انعكاس فني أو إحصائي، بل يمكن أن يمهد لتشكيل صورة سلبية عن إيران باعتبارها دولة ذات معاملات عالية المخاطر، وهو ما قد يفرض مستقبلًا تكاليف باهظة على مكانة البلاد الائتمانية والمالية وقدرتها على التفاوض.

وأشارت الوثيقة إلى أن الحدود المشتركة البالغ طولها نحو 1500 كيلومتر، وحركة المواطنين الكثيفة، ومعاملات قطاع الطاقة، حُددت رسميًا باعتبارها من بؤر مواجهة العراق لمخاطر الانتشار والسلع ذات الاستخدام المزدوج.

كما وُصفت الكميات الكبيرة من السيولة النقدية والعائدات الناجمة عن السياحة الدينية بأنها تحديات تجعل رصد التدفقات المالية وتطبيق الضوابط المتعلقة بالعقوبات أكثر صعوبة بالنسبة إلى المؤسسات العراقية.

وضرب مركز المعلومات المالية مثالًا بحالة صودرت فيها 84 مليون تومان نقدًا من مسافر إيراني عند أحد المنافذ الحدودية العراقية. وعلى الرغم من أن البنك أكد صحة الأوراق النقدية، فُرضت كفالة مالية ضخمة بلغت 229 ألفًا و200 دولار للإفراج عن المتهم.

وفي نهاية المطاف، وبعد إجراء الجهات العراقية استعلامات من أنظمة الإبلاغ عن المعاملات المشبوهة (STR)، ومراقبة حركة الأموال النقدية عبر الحدود، والتحقق من مصدر الأموال، تبين أن المبلغ، الذي يعادل نحو 2016 دولارًا، كان حتى أقل من الحد المسموح به لحمل النقد، ولم تكن هناك أي أدلة على ارتكاب جريمة.

ومع ذلك، أُدرجت هذه الواقعة في «تقرير التقييم المتبادل للعراق» كدراسة حالة مستقلة تحت عنوان «مصادرة التومان الإيراني»، وسُلّط الضوء عليها، وهو ما اعتبره المركز مؤشرًا على كيفية إدراج قضايا لا تستند إلى أساس جنائي في وثائق رقابية دولية، بما يمهد، وفقًا للتقرير الإيراني، لتكوين صورة عن المخاطر المحيطة بالتدفقات المالية الإيرانية.

خطر تحول إيران إلى «جزيرة عالية المخاطر» في المنطقة

تتمثل رسالة التحذير الصادرة عن مركز المعلومات المالية في أن التجارة مع العراق تخرج بسرعة من نمط «التعاملات بين دول الجوار» وتهبط في «حقل ألغام رقابي».

وبالتزامن مع الضغوط الأمريكية، تعمل بغداد على تطوير الإطار القانوني والرقابي لتطبيق متطلبات مجموعة العمل المالي (FATF) في تعاملاتها مع الدول عالية المخاطر.

وحذر المركز من أن استمرار هذا النهج سيحوّل إيران في النظام المالي الإقليمي إلى «جزيرة عالية المخاطر»، وهو وضع قد يؤدي، حتى في حال عدم فرض عقوبات جديدة، إلى وصول التدفقات التجارية مع دول الجوار إلى طريق مسدود، بسبب الالتزامات الناجمة عن الوثائق والتقارير الدولية، فضلًا عن الحذر الهيكلي الذي تبديه البنوك.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واحد + 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى