العراق يسترد «زليكان»: خطوة تنهي الوجود الأجنبي وتسقط ذرائع السلاح المنفلت

يدخل الوجود العسكري التركي في نينوى مرحلة مختلفة مع الاتفاق على تسليم معسكر زليكان تدريجياً إلى الحكومة الاتحادية، في خطوة لا تبدو منفصلة عن ترتيبات أمنية أوسع في شمال العراق.

ميدل ايست نيوز: بعد أكثر من عقد على تحول معسكر زليكان في بعشيقة إلى واحدة من أبرز نقاط الخلاف بين بغداد وأنقرة، يدخل الوجود العسكري التركي في نينوى مرحلة مختلفة مع الاتفاق على تسليم المعسكر تدريجياً إلى الحكومة الاتحادية، في خطوة لا تبدو منفصلة عن ترتيبات أمنية أوسع في شمال العراق، تمتد من سنجار إلى بقية مناطق الانتشار التركي، وتضع بغداد أمام اختبار إدارة الفراغ الذي سيتركه الانسحاب وإعادة توزيع القوات العراقية، بالتوازي مع مسار حصر السلاح وإنهاء مبررات وجود التشكيلات المسلحة خارج المؤسسات الرسمية.

مطلب وطني

ويقول النائب السابق عن محافظة نينوى محما خليل، إن “إنهاء الوجود العسكري الأجنبي في العراق بصورة عامة يمثل مطلباً وطنياً أصيلاً، والتحولات التي شهدتها المنطقة خلال المرحلة الأخيرة فرضت تفعيل هذا الملف وتسريعه، بالتزامن مع متطلبات إقليمية ودولية تدفع باتجاه تمكين الدولة العراقية من إدارة أراضيها وملفها الأمني بصورة كاملة”.

ويضيف، أن “المرحلة التي ستعقب الانسحاب تحتاج إلى ترتيبات أمنية دقيقة وعدم تكرار التجارب السابقة، من خلال تعزيز العمل الاستخباري وضبط المناطق التي ستخليها القوات الأجنبية، خصوصاً أن قوات البيشمركة شهدت توحيد قوات السبعين والثمانين، وهي جاهزة لتولي المهام التي تقع ضمن مسؤولياتها في مناطق شيخان وغيرها، بالتنسيق مع القوات الاتحادية وبما يمنع ظهور أي فراغ أمني”.

وجاء الاتفاق بشأن معسكر زليكان خلال لقاء رئيس الوزراء علي الزيدي والرئيس التركي رجب طيب أردوغان في نيويورك، إذ نص البيان المشترك على تسليم القوات التركية معسكر بعشيقة – زليكان إلى الحكومة الاتحادية تدريجياً وفق آلية وجدول زمني متفق عليهما، من دون الكشف رسمياً حتى الآن عن تفاصيل المراحل أو الموعد النهائي لخروج القوات الموجودة فيه.

ملف حساس

وتكتسب الخطوة أهمية إضافية لكون المعسكر ظل منذ عام 2015 أحد أكثر ملفات العلاقة العراقية التركية حساسية، إذ سبق لبغداد أن تقدمت بشكوى إلى مجلس الأمن بشأن دخول القوات التركية، قبل أن يتسع الخلاف لاحقاً ليشمل مجمل الانتشار العسكري التركي في شمال العراق والعمليات التي تنفذها أنقرة ضد حزب العمال الكردستاني

وتعود جذور الوجود العسكري التركي في بعشيقة إلى مرحلة الحرب ضد تنظيم داعش، حين استخدمت أنقرة المعسكر لتدريب مقاتلين من “حرس نينوى”، وهي قوة محلية شُكلت من أبناء المحافظة وارتبطت بمحافظ نينوى السابق أثيل النجيفي، استعداداً للمشاركة في معركة استعادة الموصل، قبل أن يستمر الوجود التركي في المعسكر بعد انتهاء الحرب على التنظيم وتتغير طبيعة مهمته وأهميته الأمنية بالنسبة إلى أنقرة

من زليكان إلى سنجار

ولا يقف التفاهم الجديد عند حدود معسكر زليكان، إذ تزامن الاتفاق على تسليمه مع إعلان عراقي تركي بشأن بسط سلطة الحكومة الاتحادية بالكامل في سنجار وإنهاء وجود العناصر الأجنبية المسلحة المحظورة فيها، بما يكشف عن ارتباط المسارين ضمن ترتيبات أمنية أوسع يجري العمل عليها في شمال البلاد.

وأكد رئيس هيئة الإعلام الأمني الفريق سعد معن في تصريح صحفي، أن “هناك ترابطاً بين مسار انسحاب القوات التركية والإجراءات الأمنية في شمال العراق، ولا سيما فرض سلطة القانون في سنجار وإنهاء وجود الجماعات المسلحة الأجنبية فيها”، معتبراً أن “تسليم زليكان يفتح المجال أمام إعادة تنظيم الوضع الأمني في نينوى والمناطق المحيطة بالموصل”.

المعسكرات الأخرى

وفي هذا السياق، يقول الخبير العسكري صفاء الأعسم إن “الاتفاق العراقي التركي يأتي ضمن مسار عراقي أوسع لإنهاء وجود القوات الأجنبية على الأراضي العراقية، ولا يقتصر الأمر على معسكر زليكان وحده، فتركيا لديها مواقع عسكرية أخرى في شمال البلاد، وبالتالي فإن أهمية الاتفاق ستتحدد أيضاً بما إذا كان سيتحول إلى مسار لمعالجة بقية نقاط الانتشار”.

ويضيف، أن “تسليم زليكان إلى الحكومة العراقية يمثل تحولاً مهماً باعتباره أحد أبرز مواقع الوجود التركي في نينوى، كما أن إنهاء الوجود العسكري الأجنبي سيعزز قدرة الدولة على فرض قرارها الأمني وإدارة أراضيها، ويعيد إلى القوات المسلحة العراقية مسؤولية القرار المتعلق بالأمن والحرب والسلم”.

لكن الاتفاق المعلن لا يتضمن حتى الآن انسحاب جميع القوات التركية من العراق، إذ تتركز الصيغة الرسمية على معسكر زليكان، في وقت تنتشر فيه قوات تركية في مواقع أخرى داخل إقليم كردستان، ما يجعل الخطوة – وفق خبراء – اختباراً أولياً لإمكانية انتقال بغداد وأنقرة من معالجة قاعدة بعينها إلى تفاهم أشمل بشأن مستقبل الوجود العسكري التركي.

ذرائع السلاح

ويذهب الأعسم، إلى أن “إنهاء وجود القوات الأجنبية يسقط جزءاً أساسياً من المبررات التي استندت إليها الفصائل المسلحة للاحتفاظ بسلاحها، وهو ما يمكن أن يدعم مسار حصر السلاح بيد الدولة، بحيث تصبح القوات المسلحة العراقية الجهة المسؤولة عن حماية البلاد ويكون قرار الحرب والسلم بيد المؤسسات الرسمية”.

ويرى خبراء، أن ملف زليكان يتجاوز حدود قاعدة عسكرية في أطراف الموصل ليصبح مرتبطاً بثلاثة مسارات تتحرك في وقت متزامن، هي إعادة تنظيم الأمن في نينوى وسنجار، ومستقبل الوجود العسكري التركي في بقية مناطق شمال العراق، ومسار حصر السلاح الذي تحاول الحكومة دفعه بالتوازي مع إنهاء وجود القوات الأجنبية.

تعاون إقليمي

ويأتي اتفاق زليكان وسط تحسن واضح في مسار العلاقات العراقية التركية خلال السنوات الأخيرة، وانتقال ملفات الخلاف التقليدية تدريجياً إلى طاولة التفاوض والتعاون، مع توسع المصالح المشتركة في الأمن والتجارة والمياه وطريق التنمية، الأمر الذي يمنح التفاهم الأمني بعداً يتجاوز عملية تسليم المعسكر نفسها.

من جهته، يقول المحلل السياسي حيدر الأسدي، إن “التقارب العراقي التركي يمكن أن يتحول خلال المرحلة المقبلة إلى جزء من شبكة تعاون إقليمي أوسع، ولا يُستبعد أن تدخل دول خليجية في بعض مسارات هذا التعاون، الذي ليس بالضرورة أن يأخذ شكلاً عسكرياً، وإنما يمكن أن يقوم على التنسيق الأمني والاستخباري والاقتصادي”.

ويضيف، أن “التحولات التي تشهدها المنطقة تدفع دولاً عدة إلى إعادة ترتيب علاقاتها وتفاهماتها الإقليمية، وهو ما ظهر أيضاً في تقارب عدد من المواقف التي طُرحت خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن تطورات المنطقة والسياسات الإسرائيلية”.

ويضع تسليم زليكان بغداد أمام المرحلة الأصعب من الاتفاق، المتمثلة في ترجمة التفاهم السياسي إلى ترتيبات ميدانية تمنع تشكل فراغ أمني في نينوى، وتحدد مستقبل بقية نقاط الانتشار التركي، وتعيد ضبط المشهد في سنجار، فيما سيكشف الجدول الزمني وآلية التنفيذ ما إذا كانت الخطوة ستبقى محصورة بمعسكر بعشيقة أم ستكون بداية لإغلاق ملف الوجود العسكري التركي في العراق بصورة أوسع.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العالم الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى