الصحافة الإيرانية: إيران بين التصعيد والاحتواء.. هل تكفي «دبلوماسية التهديد» لمواجهة الحصار؟

يرى محللون اقتصاديون أن تشابك الاقتصاد العالمي بلغ درجة تجعل أي ضرر يلحق بالبنية التحتية الإقليمية يؤدي فوراً إلى صدمات تضخمية هائلة داخل إيران وإلى انهيار مسارات إمداد السلع.

ميدل ايست نيوز: في وقت تتأثر فيه الأجواء الدولية بالضغوط المتزايدة التي تمارسها الولايات المتحدة وحلفاؤها الإقليميون على الشرايين الاقتصادية ووسائل النقل الإيرانية، تشهد الساحة السياسية الداخلية في إيران مواجهة جدية بين نهجين مختلفين في التعامل مع هذه الأزمات. فمن جهة، يرفع جزء من مؤسسات الحكم والنواب في البرلمان شعار «دبلوماسية التهديد» والرد الصارم في المجالين البحري والجوي، ومن جهة أخرى، تؤكد الحكومة ووزارة الخارجية ضرورة الحفاظ على الاستقرار، وتتابع الحلول القانونية والتفاوضية للخروج من حالات الجمود القائمة.

مضيق هرمز؛ أداة ضغط أم حقل ألغام دبلوماسي؟

يقول طهمورث كيلاني، الخبير في الشؤون السياسية، في مقال لصحیفة توسعه إيراني، إن مسألة السيادة على مضيق هرمز والتهديد بإغلاق هذا الممر المائي الحيوي عادت إلى صدارة تصريحات المسؤولين البرلمانيين.

وقال حميد حاجي بابايي، نائب رئيس مجلس الشورى الإسلامي، أمس في كلمته قبل بدء جدول أعمال البرلمان: «مضيق هرمز هو البحر نفسه والنهر نفسه الذي غرق فيه فرعون. فهل لن تغرق أميركا في المنطقة وفي مضيق هرمز وهي تخوض معركة مع شعب يفكر بمنطق إلهي وتوحيدي؟ إن الدبلوماسية تصبح ممكنة بالقوة، وعلينا أن نتحدث من موقع القوة والاقتدار. يجب على الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن تغلق الطاقة أمام الجميع بقوة وحزم، فإما الجميع أو لا أحد؛ هذا هو الموقف الأساسي للشعب الإيراني العظيم، والتقصير في القيام بذلك سيُلحق بالتأكيد خسائر بشعبنا».

ويستند هذا الطرح، المتجذر في استراتيجية «الحصار مقابل الحصار»، إلى الاعتقاد بأن الولايات المتحدة تسعى، من خلال استخدام سفن تعمل من دون إشارات ضوئية، وتهريب النفط، وإنشاء خطوط أنابيب جديدة، إلى تقليص أهمية مضيق هرمز.

وشدد حاجي بابايي، في جانب آخر من تصريحاته، على أن تعاون أي دولة مع الولايات المتحدة في هذا المسار يعني الحرب مع إيران. وفي الوقت نفسه، أعلن حسن قشقاوي، المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، إقرار مشروع ينص على إخضاع النظام الحاكم لمضيق هرمز بالكامل للقوانين الداخلية الإيرانية. وأوضح قشقاوي أن تطبيق هذا القانون سيُلغي جميع اللوائح الدولية المتعارضة معه، وسيكون أساس العمل هو السيادة المطلقة لإيران.

من التهديد العسكري إلى الحقائق القانونية

أوجدت القيود الجوية التي فرضتها دول المنطقة والعالم على الطيران الإيراني طبقة جديدة من التوتر. وحذر محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، دول الجوار بشدة من عواقب التعاون مع واشنطن. ونقلت شبكة خبر عنه قوله: «إن تعاون الدول مع الولايات المتحدة لمنع تحليق الطائرات الإيرانية يمكن أن يؤثر أيضاً على نشاط المطارات في تلك الدول».

وسرعان ما لاقت هذه التصريحات ترحيباً من وسائل الإعلام المحسوبة على التيار المحافظ. واقترحت صحيفة قدس، في مقال، أن تعمل إيران على جعل ممراتها الجوية غير آمنة، وأن ترفع بشكل متكرر إشعارات «نوتام» وتُجري مناورات مفاجئة، بهدف زيادة مخاطر الطيران في المنطقة على شركاء العقوبات.

إلا أن هذا النهج يواجه تحديات قانونية وتنفيذية جدية، إلى حد دفع أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي إلى محاولة خفض حدة التوتر في بيان رسمي.

وجاء في البيان: «ننفي الادعاء بأن إيران ستلجأ إلى الرد العسكري على القيود الجوية الأخيرة. وتجري المفاوضات بين إيران والدول المعنية بجدية من أجل رفع القيود، وهناك العديد من الحلول غير العسكرية للرد». ويحذر خبراء قانونيون أيضاً من أن حق الدفاع المشروع، بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، لا ينطبق إلا في مواجهة هجوم مسلح، وأن جعل المطارات المدنية غير آمنة عسكرياً قد يضع إيران في موقف قانوني ضعيف.

البنية التحتية للطاقة وعقيدة «الرد المؤلم»

وفي جانب آخر من هذه المواجهة، امتدت التهديدات إلى البنية التحتية الحيوية. وقال عباس علي آبادي، وزير الطاقة، في مقابلة مع وكالة إيلنا، مخاطباً الأطراف الأجنبية: «إذا اندلعت الحرب، فعلى الجميع أن يشعر بالقلق، لأننا لن نتحلى بعد الآن بضبط النفس، وسنفعل الشيء نفسه الذي فعلوه بنا. وفي أي مكان في العالم يمكن القيام بذلك عندما يكون التهديد ضرورياً. ليس من الصعب استهداف محطات توليد الكهرباء؛ فحتى بعبوة بنزين أو رباط حذاء جندي يمكن القيام بذلك».

في المقابل، يرى محللون اقتصاديون أن تشابك الاقتصاد العالمي بلغ درجة تجعل أي ضرر يلحق بالبنية التحتية الإقليمية يؤدي فوراً إلى صدمات تضخمية هائلة داخل إيران وإلى انهيار مسارات إمداد السلع. ويكتب الصحفي محمد طاهري في هذا الصدد أن الإصرار على الحظر والتهديدات خلال العقود الماضية لم يؤدِ سوى إلى إهدار سنوات من عمر جيل كامل وفرض تكاليف باهظة على المواطنين.

ويكشف هذا التضارب في المصالح أن سوق الطاقة تحول إلى ساحة صراع، حيث يمكن لأي تحرك غير محسوب أن يؤدي إلى استبدال النفط الإيراني بإنتاج دول أخرى وإقصاء البلاد بشكل دائم من السوق العالمية. ولذلك، فإن الحل العلمي في هذا المجال لا يتمثل فقط في التهديد بالإغلاق، بل في التسويق الذكي والاستفادة من الثغرات القائمة داخل «أوبك بلاس» للحفاظ على حصة إيران في السوق.

منطق «الحرب والتفاوض معاً»

وبين هذين التيارين، ظهر تيار يؤمن بالجمع بين القوة العسكرية والعقلانية الدبلوماسية. ويقوم هذا الطرح، الذي يظهر في تصريحات بعض المقربين من فريق التفاوض، على عدم الخوف من الحرب إلى حد مد يد الاستسلام، وعدم الخوف من التفاوض إلى حد فقدان البلاد لعناصر قوتها.

ونقلت «خبر أونلاين» عن مصدر مطلع مقرب من فريق التفاوض قوله: «إيران لن تتنازل عن مصالحها تحت الضغط، ومقترحنا الأخير يتضمن مجموعة من الإجراءات المتبادلة والمتدرجة». وأكد أن أي تصعيد للتوتر ستكون له تداعيات ستطال الولايات المتحدة وحلفاءها أيضاً.

وتشير مجمل المواقف إلى أن «دبلوماسية التهديد»، رغم أنها قد تلبي الشعور بالفخر الوطني على المدى القصير، فإنها من دون سند اقتصادي وتوافق دولي قد تفرض على معيشة المواطنين تكاليف لا يمكن تعويضها على المدى الطويل.

وشدد الرئيس مسعود بزشكيان، في مقابلة مع قناة الجزيرة، على مسار الحوار، واعتبر أن قضية مضيق هرمز قابلة للحل عبر التفاوض. ويعكس ذلك توجه الحكومة نحو تجاوز الأزمة باستخدام الأدوات العلمية والدبلوماسية.

ولكسر الحصار الجوي والبحري، تحتاج إيران، أكثر من حاجتها إلى التهديدات العسكرية ضد جيرانها، إلى تعزيز الروابط الاقتصادية والاستفادة من الابتكارات الحديثة في القانون الدولي.

ويتمثل الحل العلمي في تفعيل الممرات البديلة، وخفض التوتر مع دول الجوار لإبطال فاعلية الضغوط الأميركية، وفي نهاية المطاف التفاوض من موقع قوة حقيقية، لا مجرد قوة كلامية.

وكما أظهر التاريخ، فإن الانتصار المستدام يكون من نصيب من يضع القوة العسكرية في خدمة الدبلوماسية الذكية، لا من يضحي بالدبلوماسية لصالح انفعالات الميدان العابرة. ولا يمكن تجاوز هذه الظروف الصعبة إلا بالعودة إلى مسار العقلانية وتجنب القرارات التي تفرض تكاليف باهظة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

5 × 1 =

زر الذهاب إلى الأعلى