الصحافة الإيرانية: صراع الممرات يمتد إلى القوقاز وآسيا الوسطى.. وإيران أمام تحدي «الاتصال»

ينبغي أن تتمثل الاستراتيجية الواقعية لإيران في منع تحولها إلى «الحلقة المستبعدة» من بنية الاتصال الجديدة في أوراسيا.

ميدل ايست نيوز: غيّرت التحولات الأمنية في أرمينيا وجمهورية أذربيجان، إلى جانب التراجع النسبي في الدور الروسي عقب الحرب في أوكرانيا، البيئة الجيوسياسية المحيطة بإيران. ففي البرنامج الخماسي لأرمينيا للفترة 2026–2031، لم تعد العلاقات مع روسيا توصف بأنها «تحالف استراتيجي»، كما جاءت روسيا في ترتيب أولويات السياسة الخارجية الأرمينية بعد جمهورية أذربيجان وتركيا وإيران وجورجيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وفرنسا. وفي الوقت نفسه، بات مستقبل القاعدة العسكرية الروسية في غيومري يواجه بعض الشكوك. ولا تعني هذه التطورات خروج روسيا الفوري من القوقاز، لكنها تشير إلى تراجع احتكار موسكو التقليدي للبيئة الأمنية في المنطقة.

يقول سينا رايمند، الخبير في الشؤون الدولية، في مقال لموقع المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، إنه بالنسبة إلى إيران، يرتبط أي تغيير في التوازن الأمني في القوقاز بشكل مباشر بجغرافية اتصال البلاد. فمن جهة، قد يتيح تراجع الاحتكار الروسي مجالاً أكبر أمام طهران، لكن من جهة أخرى، فإن تنامي دور تركيا وجمهورية أذربيجان في شبكات النقل قد يعزز مسارات لا تتوافق بالضرورة مع المصالح الإيرانية.

ممر زنغزور المزعوم والممر الأوسط؛ المنافسة على «قابلية الاتصال»

لا تقتصر المنافسة بين ممر الشمال–الجنوب الإيراني والممر الأوسط على خطَّي سكك حديدية. فالممر الأوسط، الذي يمر عبر الصين وآسيا الوسطى وبحر قزوين وجمهورية أذربيجان وجورجيا وتركيا، يتحول إلى شبكة متعددة الطبقات للنقل والطاقة والاتصالات الرقمية والاستثمار.

وفي عام 2025، انضمت جمهورية أذربيجان إلى المشاركة الكاملة في الاجتماعات التشاورية لقادة دول آسيا الوسطى، كما وسعت في صيف 2026 علاقاتها مع أوزبكستان وقيرغيزستان وتركمانستان وغيرها من دول آسيا الوسطى. ويشير هذا المسار إلى أن باكو تسعى للتحول من دولة عبور في القوقاز إلى حلقة وصل بين القوقاز وبحر قزوين وآسيا الوسطى.

وفي هذا الإطار، ينبغي النظر إلى المشاريع المرتبطة بما يسمى ممر زنغزور باعتبارها جزءاً من بنية أوسع للاتصال الإقليمي. فإذا نُفذ ربط أراضي جمهورية أذربيجان الرئيسية بإقليم نخجوان عبر جنوب أرمينيا، فقد يؤدي ذلك إلى إنشاء اتصال مباشر بين جمهورية أذربيجان وتركيا وشبكة الممر الأوسط؛ وبالتالي، فإن القضية لا تتعلق فقط بمرور خط للسكك الحديدية، بل باحتمال تشكل شبكة قد تقلص حصة إيران في ربط القوقاز بآسيا الوسطى وأوروبا.

وفي المقابل، اتبعت إيران استراتيجية «تنويع المسارات» لمنع حدوث مثل هذا السيناريو. ويرى تحليل صادر عن المجلس الروسي للشؤون الدولية بشأن سياسة إيران في مجال النقل، أن المسارات العابرة لجمهورية أذربيجان، وكذلك مسار إيران–أرمينيا–جورجيا، يمكن أن تكمل بعضها بعضاً، مؤكداً أهمية تطوير خط سكة حديد رشت–آستارا وربط الممرات الشمالية بالموانئ وشبكات النقل الجنوبية في إيران.

تركيا؛ تطوير القدرات الجيوسياسية بما يتجاوز سياسة الموازنة

لا يمكن تفسير تنامي الدور التركي فقط من خلال مفهوم «الموازنة بين الشرق والغرب». إذ تؤكد دراسة حديثة لمعهد «SWP» الألماني أن المسألة الأهم تتمثل في قدرة أنقرة على الاستخدام العملي لعلاقاتها المتنوعة، أي كيفية استفادة تركيا من قدراتها المختلفة لتعزيز دورها في محيطها الإقليمي.

وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر في القوقاز وآسيا الوسطى. فالعلاقات الثقافية واللغوية بين تركيا وما يسمى الجمهوريات الناطقة بالتركية، إلى جانب الاستثمارات والتعاون الدفاعي والطاقة والنقل، تتيح لأنقرة تعزيز نفوذها من خلال شبكة من الروابط والاتصالات. ومن وجهة نظر منتقدي السياسة التركية، قد يرتبط هذا المسار أيضاً بقراءات ذات طابع «بان-تركي»، لكن من الناحية التحليلية، من الأفضل النظر إليه باعتباره مجموعة من الأدوات الجيوسياسية والاقتصادية والهوياتية.

وفي الوقت نفسه، يمكن للتغيرات الداخلية في تركيا والمسار الجديد المرتبط بنزع سلاح حزب العمال الكردستاني «PKK» أن يزيدا هامش المناورة الإقليمية أمام أنقرة. ويرى المجلس الروسي للشؤون الدولية أن لهذا المسار تداعيات على العراق وسوريا والمحيط الإقليمي لإيران.

الصين؛ رأس المال والشبكات وإعادة إنتاج الاعتماد

تلعب الصين دوراً في هذه المنافسة، ليس بقدر ما تفعل من خلال إنشاء ممر واحد، بل عبر ربط الشبكات القائمة باقتصادها. ومن الأمثلة الواضحة على ذلك تفعيل خط السكك الحديدية بين الصين وآسيا الوسطى وإيران؛ إذ دخل أول قطار، المؤلف من 55 عربة، من شينجيانغ إلى كازاخستان، ومن المقرر أن يصل إلى إيران عبر كازاخستان وأوزبكستان وتركمانستان. ويمكن لاستمرار هذا المسار أن يزيد قدرة إيران على الاتصال بشبكة النقل البري الصينية، كما يجعل آسيا الوسطى حلقة مهمة في التجارة بين إيران والصين.

ومن جهة أخرى، تعمل كازاخستان على ترسيخ مكانتها بوصفها «قوة وسطى» وحلقة وصل بين الصين وروسيا وأوروبا وتركيا وغيرها من مراكز القوة. ولا يمثل مسار النقل عبر بحر قزوين بالنسبة إلى أستانا مجرد طريق للنقل، بل يرتبط أيضاً بالخدمات اللوجستية ورقمنة الجمارك والصناعات المحيطة به.

ويشير هذا الوضع إلى أن الصين ودول آسيا الوسطى لا تسعى بالضرورة إلى الاختيار بين الممرات المتنافسة، بل تحاول الاستفادة من تداخل هذه المسارات لزيادة قدرتها على المساومة.

العقوبات؛ عامل حاسم في المنافسة على طرق النقل

تُعد العقوبات الأميركية ذات الطابع خارج الحدود الإقليمية من أبرز القيود التي تواجه هذه المسارات. وتحذر تقارير حديثة بشأن آسيا الوسطى من أن العقوبات الثانوية يمكن أن تعرقل حتى المعاملات التي لا تكون محظورة قانونياً، إذ قد تتجنب البنوك وشركات التأمين والنقل التعاون مع المسارات المرتبطة بإيران بصورة مفرطة بهدف تقليص المخاطر. وفي مثل هذه الظروف، لا يكفي بناء خط للسكك الحديدية أو ميناء وحده لنجاح مسار للنقل، بل يجب أيضاً توفير النظام المالي والتأميني اللازم لاستخدامه.

ويمتد هذا الأمر أيضاً إلى العلاقات الصينية الإيرانية. فاستخدام آسيا الوسطى لنقل البضائع إلى إيران يمكن أن يقلل من هشاشة بعض المعاملات، لكنه في الوقت نفسه يعرض الدول الوسيطة لمزيد من الضغوط المرتبطة بالعقوبات. وبالتالي، فإن نجاح الممرات الإيرانية يعتمد بقدر اعتمادها على البنية التحتية، على قدرة طهران وشركائها على إدارة مخاطر العقوبات.

الاستراتيجية المنشودة

في مثل هذه الظروف، ينبغي أن تتمثل الاستراتيجية الواقعية لإيران في منع تحولها إلى «الحلقة المستبعدة» من بنية الاتصال الجديدة في أوراسيا. ويتطلب تحقيق هذا الهدف إجراءات من بينها تسريع مشروع رشت–آستارا، وتطوير الربط بالسكك الحديدية والطرق البرية مع آسيا الوسطى، وتعزيز الموانئ الجنوبية وربطها بالمناطق الشمالية، وتفعيل مسار إيران–أرمينيا–جورجيا، وإنشاء ترتيبات مالية وتأمينية للحد من آثار العقوبات.

وعلى المستوى الدبلوماسي، يمكن لطهران أن تتواصل في الوقت نفسه مع باكو ويريفان وأستانا وأنقرة وموسكو وبكين، وأن تدير المشهد بطريقة تحول دون تحول المنافسة إلى «لعبة محصلتها صفر». كما يمكن للتعاون مع جمهورية أذربيجان في المسارات المكملة، والحوار مع أرمينيا بشأن ترتيبات النقل، أن يساعدا إيران في الحفاظ على خياراتها.

وفي نهاية المطاف، فإن المنافسة على النقل في القوقاز وآسيا الوسطى تدور، أكثر من كونها صراعاً على امتلاك ممر واحد، حول السيطرة على «شبكة الاتصال». وإذا تمكنت إيران من تفعيل عدة مسارات مكملة في الوقت نفسه والحفاظ على موقعها داخل شبكات الصين وآسيا الوسطى وروسيا والقوقاز، فإن التحولات الإقليمية لن تؤدي بالضرورة إلى تقليص عمقها الجيوسياسي.

أما إذا لم تتمكن من ذلك، فإن مزيج النفوذ التركي المتزايد، والربط العابر للحدود الذي توفره جمهورية أذربيجان وآسيا الوسطى، ورأس المال والشبكات الصينية، قد يؤدي إلى تغيير جزء من الميزة الجغرافية التي تتمتع بها إيران لمصلحة منافسيها.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 − 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى