ماذا كشفت تصريحات بوتين عن خطة لاريجاني لإنهاء الحرب؟

رغم الظلم الذي تعرض له لاريجاني، والذي تعرض بسببه أيضًا لانتقادات من المرشد الراحل، ظل دائمًا مدافعًا بلا تردد عن النظام، ولم يقع قط في فخاخ الاصطفافات الحزبية والسياسية.

ميدل ايست نيوز: تناولت صحيفة خراسان الإيرانية في تقرير لها تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال الجلسة العامة للدورة الثالثة والعشرين من الاجتماع السنوي لنادي فالداي للحوار الدولي حيث قال «نأمل أن يُفتح مضيق هرمز وأن تُرفع العقوبات (عن طهران)، وهذا أمر تسعى إليه إيران بحق».

وأشار بوتين، في حديثه عن شخصية علي لاريجاني، إلى أنه «إذا وضعنا جميع المسائل القانونية جانبًا، فأعتقد أن (اغتيال لاريجاني) كان خطأً كبيرًا جدًا. كان لاريجاني شخصًا إيجابيًا للغاية، وكان مستعدًا للتوصل إلى حل ثنائي للقضايا على أساس المصالح الوطنية الإيرانية. كان ذلك خطأً، لأن مثل هذا الشخص كان مطلوبًا اليوم للعمل على إيجاد حلول يمكن أن تعيد السلام إلى الخليج».

كما أشاد بوتين بالشعب الإيراني، قائلًا: «يتابع العالم بأسره الأحداث الجارية عن كثب، ويعجب بشجاعة وبسالة وصمود الشعب الإيراني، فضلًا عن امتلاكه مخزونًا غنيًا من المواهب البارزة، بينهم أشخاص مستعدون للتضحية من أجل شعبهم».

لاريجاني؛ رجل دولة بمواصفات الجمهورية الإسلامية

من المحتمل أن يكون علي لاريجاني أحد النماذج القليلة لرجل الدولة بالمواصفات التي يحددها نظام الجمهورية الإسلامية؛ والمثير للدهشة أن أهليته لم تُحرز، في الواقع، من جانب المؤسسة التي تتمثل مهمتها في مطابقة الأشخاص مع تعريف «رجل الدولة». لكن حتى هذا الإجحاف لم يدفعه إلى توجيه كلمة واحدة ضد النظام. بل إنه، رغم هذا الظلم الذي تعرض له، والذي تعرض بسببه أيضًا لانتقادات من المرشد الراحل، ظل دائمًا مدافعًا بلا تردد عن النظام، ولم يقع قط في فخاخ الاصطفافات الحزبية والسياسية.

وإلى جانب خبرته الإدارية في مستويات مختلفة وخلفيته السياسية، فإن انغماسه في أفكار الشهيد مرتضى مطهري بوصفها خلفيته الفكرية، إلى جانب خصائصه الشخصية، جعلته الخيار الأفضل لتولي أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي في البلاد خلال المرحلة الصعبة والمعقدة من الحرب؛ وهو اختيار لم يغب أيضًا عن رؤية المرشد الراحل بعيدة النظر في المجال الإداري. لكن ما الذي دفع بوتين إلى الإشارة، بهذه التعريفات، إلى الفراغ الذي تركه لاريجاني؟

فهم عميق لأبعاد الأمن

للإجابة عن هذا السؤال، ينبغي أولًا التطرق إلى فهم لاريجاني الدقيق لمسألة الأمن. فقد كان يدرك جيدًا أن الأمن مسألة شاملة ومتعددة الأبعاد. وإلى جانب متابعته قضايا الأمن والدفاع في البلاد على نحو ملائم، كان يمتلك فهمًا صحيحًا للمجتمع واحتياجاته الراهنة، وكان يدرك أن أحد أعمدة الأمن يتمثل في الجانب الاجتماعي، وأنه لا ينبغي بأي حال من الأحوال الإضرار بالاستقرار الاجتماعي. وقد ظهر ذلك أيضًا في قرار المجلس الأعلى للأمن القومي بشأن عدم تنفيذ خطة الحجاب والعفة.

وفي منصبه أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي، بذل لاريجاني جهودًا كبيرة لتعزيز الوحدة الوطنية وسد الفجوات الاجتماعية، مستفيدًا من معرفته بتعقيدات المجتمع الإيراني. وإلى جانب ذلك، كان لاريجاني يتمتع بقدرة عالية على الخطابة، وبفضل سنوات طويلة من دراسة الفلسفة، امتلك قدرة خاصة على الإقناع ونقل فهم القضايا إلى مخاطبيه. كما أن سنوات ترؤسه منظمة الإذاعة والتلفزيون جعلت منه مديرًا قادرًا على التعامل مع الأدوات الإعلامية، وكان يستخدم هذه المنصة لخوض الحرب النفسية ضد العدو وشرح القضايا للمؤيدين.

إضافة إلى ذلك، كان يرى الاقتصاد والرفاه الاجتماعي ضلعين آخرين مؤثرين في أمن البلاد. ولهذا السبب تحديدًا، وفي ذروة أصعب أيام الحرب، وضع بالتعاون مع  كمال خرازي خططًا مدروسة لإنهاء الحرب سريعًا وطرح مبادرة للسلام، بهدف تجنب زيادة تداعيات الحرب على معيشة الناس. وكان أحد الأسباب التي دفعت الإسرائيليين إلى متابعة خطة اغتيالهما بشدة وتنفيذها هو تحديدًا التخلص من شخصيات تميل إلى السلام وتمتلك القدرة على التفاعل الدولي.

الدلالات الكامنة في إشارات بوتين

لكن أهم ما يتعلق بتصريحات بوتين هو الانتباه إلى أن شخصًا في موقعه يستند في تصريحاته إلى تقارير استخباراتية متعددة، وعندما يصف التخلص من لاريجاني بأنه «خطأ كبير جدًا»، فإن ذلك يعود إلى الخطأ الحسابي الكبير الذي ارتكبه الأمريكيون، والذين يتعرضون الآن لضغوط شديدة نتيجة تصاعد تداعيات الحرب مع إيران. ففي ذلك الوقت، كان الأمريكيون يعتقدون أنهم يستطيعون إسقاط الحكومة من خلال هجماتهم، وأنهم لا يحتاجون أساسًا إلى التشاور مع شخصية عقلانية ومستقلة عن الاصطفافات الحزبية مثل لاريجاني داخل النظام.

أما النقطة الثانية الكامنة في حديث بوتين، فتتمثل في الإشارة إلى مسار تشدد الموقف الإيراني في مواجهة الجانب الأمريكي. فقد قال في جزء من حديثه إنه بعد المطالب الأمريكية المفرطة خلال المفاوضات التي سبقت اندلاع الحرب، والرامية إلى الحصول على اليورانيوم الإيراني، أصبح الموقف الإيراني، الذي نقله لاريجاني إلى بوتين، أكثر تشددًا أيضًا. وفي الواقع، وخلافًا لما يقوله ترامب وما تبرزه بعض التيارات السياسية في الداخل، فإن إيران لم تتراجع في أي مرحلة عن مصالحها، بل وقفت دائمًا في مواجهة المطالب المفرطة للطرف الآخر.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

12 + اثنان =

زر الذهاب إلى الأعلى