بعد نصف قرن من الانتكاسات.. الملف النووي العراقي يدخل عصره السلمي بقيادة «امرأة»

يعيد العراق ترتيب ملف الطاقة الذرية عبر مشاريع للاستخدامات السلمية وبناء المختبرات وتعزيز الرقابة الإشعاعية، وصولاً إلى تكليف أول امرأة برئاسة الهيئة.

ميدل ايست نيوز: بعد عقود من تدمير مفاعلاته وتوقف برنامجه النووي، يعيد العراق ترتيب ملف الطاقة الذرية عبر مشاريع للاستخدامات السلمية وبناء المختبرات وتعزيز الرقابة الإشعاعية، وصولاً إلى تكليف أول امرأة برئاسة الهيئة، مما يطرح تساؤلات جادة حول قدرة القيادة الجديدة على استثمار التقنيات الإشعاعية في مجالات الصحة والزراعة وتحويل الخطط الاستراتيجية إلى واقع ملموس.

أول امرأة

ويقول الخبير بالطاقة علي نعمة إن “تكليف ثناء جاسم كريم الزجراوي برئاسة هيئة الطاقة الذرية العراقية وكالة يكتسب أهمية بالغة في ظل التحديات التنموية والاقتصادية المتسارعة التي تواجه العراق، لكونها أول امرأة تكلف برئاسة الهيئة”.

ويضيف، أن ”المرحلة المقبلة تتطلب العمل على إعادة إحياء هذا القطاع الحيوي وتوجيهه نحو الاستخدامات السلمية التي تخدم المجتمع العراقي بشكل مباشر”.

وصدر يوم السبت (3 تشرين الأول أكتوبر)، الأمر الديواني رقم 26575، استناداً إلى موافقة رئيس مجلس الوزراء وقرار مجلس الوزراء رقم 167 لسنة 2026 الصادر في 29 أيلول، بتكليف ثناء جاسم كريم الزجراوي بمنصب رئيس هيئة الطاقة الذرية العراقية وكالة، على أن ينفذ القرار من تاريخ صدوره.

أولويات استراتيجية

ويوضح نعمة، أن ”هيئة الطاقة الذرية مطالبة بالتركيز على أولويات استراتيجية لا تحتمل التأخير، في مقدمتها القطاع الصحي والعلاجي، من خلال التوسع العاجل في التقنيات النووية المخصصة لتشخيص وعلاج الأورام السرطانية، وتطوير مراكز الطب النووي بما يسهم في تخفيف معاناة المرضى ورفع كفاءة الخدمات الطبية المقدمة لهم”.

ويتابع، أن ”الأمن الغذائي والزراعي يمثل أولوية أخرى، عبر توظيف التقنيات الإشعاعية لاستنباط سلالات زراعية مقاومة لشح المياه والملوحة التي باتت تهدد الأمن الغذائي والبيئي، فضلاً عن مكافحة الآفات وتحسين إنتاجية المحاصيل الاستراتيجية”.

ويرى خبير الطاقة، أن ”المرحلة المقبلة تتطلب كذلك الاستثمار في الكوادر البشرية، من خلال إعادة تأهيل وتدريب الكوادر الوطنية الشابة وفق أحدث المعايير العالمية، وبالتعاون الوثيق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية”.

البداية والانتكاسة

وبدأ العراق محاولاته للدخول إلى المجال النووي منذ ستينيات القرن الماضي، قبل أن تتخذ خطواته مسارا أكثر وضوحاً في سبعينياته، إذ وافقت فرنسا مطلع عام 1975 على بناء مفاعلين نوويين في منطقة التويثة جنوب شرقي بغداد، هما “تموز 1” بقدرة 40 ميغاواط و”تموز 2” بقدرة 600 كيلوواط لأغراض التدريب. وقبل اكتمال المشروع، دمرت إسرائيل المفاعل العراقي في 7 حزيران 1981، فيما تعرض موقعان نوويان عراقيان لاحقا للتدمير خلال حرب الخليج عام 1991.

ومنذ عام 1991، توقف البرنامج النووي العراقي في أعقاب قرار مجلس الأمن رقم 687، الذي تضمن تفكيك برنامج الأسلحة النووية العراقي وإخضاع المنشآت والجامعات لعمليات الرصد والتفتيش، قبل أن يبدأ العراق لاحقا مسارا جديدا لإعادة النشاط النووي للأغراض السلمية.

وفي 31 كانون الثاني 2017، نشر قانون هيئة الطاقة الذرية العراقية رقم 43 لسنة 2016 في جريدة الوقائع العراقية بالعدد 4431، بعد إقراره من مجلس النواب ومصادقة رئاسة الجمهورية، لتعود الهيئة ضمن إطار قانوني ينظم النشاط النووي السلمي في البلاد.

وفي 18 آذار 2024، أعلن رئيس الوزراء آنذاك محمد شياع السوداني عزم العراق على مزاولة نشاطه النووي للأغراض السلمية، فيما تضمنت خطة أرسلت إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية للمدة من 2023 إلى 2030 إنشاء مفاعلات نووية ومنظومات تحت الحرجة ومحطات كهرونووية لدورة الوقود النووي، مع تقديرات بأن إنشاء مفاعل جديد يحتاج من خمس إلى ست سنوات.

رؤية واقعية مدروسة

وفي ما يتعلق بإعادة بناء القدرات النووية السلمية ومستقبل الطاقة الكهربائية في العراق، يشدد نعمة على أن “العودة إلى خيار الطاقة النووية لإنتاج الكهرباء يجب أن تستند إلى رؤية علمية واقعية ومدروسة بعناية فائقة، لا سيما في ظل أزمة الكهرباء المزمنة”.

ويبين، أن ”انضمام العراق مستقبلاً إلى الدول المستخدمة للمفاعلات الكهرونووية ليس قراراً سهلاً، بل يستلزم استيفاء حزمة صارمة من المتطلبات المتكاملة، في مقدمتها تحديث البنى التحتية والتشريعية وتطوير الأطر القانونية والرقابية، بما يضمن استقلالية وفاعلية الهيئات الرقابية وتطبيق معايير الأمان النووي التام”.

ويردف، أن ”المتطلبات تشمل أيضاً اشتراطات فنية ومالية، تتعلق بتوفير تمويل استثماري ضخم وطويل الأجل، واختيار مواقع آمنة هندسياً وبيئياً، إلى جانب الالتزام المطلق بمعاهدات عدم الانتشار ومبادئ الأمن النووي والسيبراني”.

إمكانيات ومؤهلات

ووضع العراق في 24 أيلول 2025 الحجر الأساس لمشروع المنظومة تحت الحرجة والمختبرات المركزية، بالتعاون بين وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وهيئة الطاقة الذرية العراقية والهيئة الوطنية للرقابة النووية والإشعاعية والكيميائية والبايولوجية، وبمشاركة الوكالة الدولية للطاقة الذرية والجانب الصيني وخبراء دوليين. ويهدف المشروع إلى توفير بيئة للباحثين والطلبة وإجراء تجارب مرتبطة بالاستخدام السلمي للطاقة النووية.

وامتد المسار إلى الرقابة الإشعاعية، إذ أعلنت هيئة الطاقة الذرية خلال عام 2026 اعتماد بوابات تفتيش ذكية لفحص المواد الداخلة إلى العراق ورصد المصادر الملوثة عند الحدود، بعدما كانت البلاد تفتقر سابقاً إلى هذه البوابات، فضلاً عن مشروع لتعزيز الفحص الإشعاعي في المنافذ الحدودية وربطها بنظام مراقبة مركزي.

وفي 23 حزيران 2026، أكدت الهيئة الوطنية للرقابة النووية والإشعاعية والكيميائية والبايولوجية امتلاك العراق مؤهلات وإمكانات تؤهله لإنشاء محطات نووية، لكنها أشارت إلى أن اختيار المواقع يخضع لمعايير دولية وفحوصات وقياسات فنية دقيقة، وأن الدراسات العراقية القديمة التي تعود إلى ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي تحتاج إلى تحديث بما ينسجم مع المعايير الحديثة ومتطلبات الأمان النووي.

منصب سياسي

وفي ما يتعلق بطبيعة المنصب، يعتقد خبير الطاقة أنه ”سياسي أكثر مما هو مهني، شأنه شأن المناصب الوزارية، ويدخل ضمن المناصب التي تخضع للمحاصصة والاستحقاقات الانتخابية”.

لكن نعمة يدعو الجهات الحكومية كافة إلى ”تقديم الدعم الكامل للزجراوي وإدارتها الجديدة، وتوفير البيئة التشريعية والمادية المناسبة لتمكين الهيئة من أداء دورها الوطني بعيداً عن العراقيل الروتينية”، معرباً عن أمله في أن “تشكل هذه الخطوة بداية حقيقية لدخول العراق عصر الاستخدامات السلمية المستدامة للطاقة”.

وتنمى أن “تتمكن الزجراوي، باعتبارها أول امرأة تتبوأ هذا المنصب، ومن خلال خبرتها السياسية والإدارية، من النهوض بواقع هيئة الطاقة الذرية بما يخدم الواقع العراقي”.

تعهد الزجراوي

إلى ذلك، تقول رئيسة هيئة الطاقة الذرية العراقية المكلفة حديثاً، النائبة السابقة ثناء الزجراوي، إن عملية تسلم مهامها ستجري اليوم، يعقبها عقد اجتماع مع المديرين العامين للاطلاع على وضع الهيئة وجميع مفاصلها، وتحديد السلبيات والإيجابيات والاحتياجات”.

وبذلك، فإن مسار الطاقة الذرية في العراق لا يبدأ مع التكليف الجديد، بل يمتد من مفاعلات السبعينيات وما أعقبها من تدمير وتوقف، إلى إعادة بناء المؤسسات والمختبرات والرقابة الإشعاعية؛ لتصبح المرحلة المقبلة اختباراً لقدرة الهيئة على تحويل هذا الإرث والخطط المعلنة إلى برنامج نووي سلمي قابل للتنفيذ.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العالم الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرين − 11 =

زر الذهاب إلى الأعلى