الصحافة الإيرانية: هل “حرب ثالثة” تنتظر إيران في الأيام المقبلة؟

رغم أهمية تصريحات ترامب وتحركاته والمؤشرات العسكرية، فإنها لا تشكل بحد ذاتها دليلًا على حتمية اندلاع حرب ثالثة.

ميدل ايست نيوز: رغم بعض التكهنات، لا يمكن القول حتى الآن إن «الحرب الثالثة» بأبعاد أوسع أصبحت حتمية. تستند هذه التكهنات إلى مؤشرات عسكرية وتحركات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ويُعد تصاعد لهجة الأخير ضد إيران، بما في ذلك استخدامه كلمة annihilate (التدمير) في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي ربطها البعض بالتفكير في استخدام نوع من الأسلحة النووية، إلى جانب شائعات أخرى في هذا السياق، أمرًا لافتًا.

يقول كوروش أحمدي، الدبلوماسي الإيراني السابق، في مقال لصحيفة دنياي اقتصاد: يأتي اجتماع ترامب، الجمعة الماضية، مع مسؤوليه الأمنيين في كامب ديفيد، إلى جانب تحركات أخرى، مثل اجتماع قادة أمريكيين وإسرائيليين مع قادة عسكريين من 7 دول عربية في ألمانيا، في نحو 10 سبتمبر، والزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أبوظبي، ضمن هذه التحركات.

وبالتوازي مع هذه التحركات، نشهد أيضًا مؤشرات عسكرية جديدة، من بينها إرسال مجموعة حاملة طائرات ثالثة ومجموعة برمائية تضم ما لا يقل عن 9 آلاف بحار ومشاة بحرية إضافيين إلى المنطقة، وزيادة عدد طائرات التزود بالوقود، وإرسال وحدتين جديدتين من منظومات باتريوت للدفاع الجوي إلى قطر والسعودية.

ورغم أهمية تصريحات ترامب وتحركاته والمؤشرات العسكرية، فإنها لا تشكل بحد ذاتها دليلًا على حتمية اندلاع حرب ثالثة. فتعزيز الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة قد يكون في الوقت الراهن مرتبطًا بأهداف من بينها زيادة الخيارات والإمكانات المتاحة أمام ترامب لاتخاذ القرار عند الضرورة، إلى جانب السعي لتحقيق هدفين يتمثلان في الردع وتعزيز القدرة على التفاوض.

إضافة إلى ذلك، لا تزال هناك ثلاثة عوامل يمكن اعتبارها عوامل قادرة على منع اندلاع «الحرب الثالثة»:

  1. العامل الأول هو تجربة فشل ترامب في تحقيق أهدافه خلال الحرب التي استمرت 40 يومًا. فعلى خلاف ما أوحى به نتنياهو والموساد، أظهر النظام السياسي الإيراني قدرًا جيدًا من الاستقرار والقدرة على الصمود، وتأكد مرة أخرى أن «تغيير النظام» أو «تغيير السلوك» لا يمكن بالضرورة تحقيقه من خلال الحرب والحروب الجوية.
  2. العامل الثاني هو وجود مسار الحصار البحري وتصاعد الضغط الاقتصادي على إيران. فقد ظل ترامب حتى الآن يعتقد أنه قادر على تحقيق أهدافه عبر هذا المسار. وفي نهاية المطاف، قد يفضل ترامب هذا الخيار على خوض حرب مدمرة أخرى.
  3. العامل الثالث هو الدبلوماسية. فمن المؤكد أن القرارات السياسية التي يتخذها الطرفان تملك القدرة على منع اندلاع حرب ثالثة ستكون أكثر تدميرًا من الحربين الأولى والثانية.

ورغم أن القنوات الدبلوماسية لا تزال مفتوحة، وأن مقترحات جرى تبادلها بين الطرفين، فإن هذه القنوات واجهت مشكلات متزايدة عقب مذكرة تفاهم إسلام آباد. وخلال هذه الفترة، سعت إيران إلى استخدام ورقة مضيق هرمز لإلغاء التفاوض بشأن برنامجها النووي أو تأجيله إلى أقصى حد ممكن.

في المقابل، ازداد تركيز ترامب خلال الأسابيع الماضية على البرنامج النووي الإيراني، وهو يدعي أن الولايات المتحدة هي التي أعادت فتح مضيق هرمز، وأن المضيق لم يعد ورقة ضغط في يد إيران.

ومن الحقائق المهمة أيضًا أن ترامب واجه، بعد توقيع مذكرة تفاهم إسلام آباد، انتقادات واسعة داخل الولايات المتحدة. وللأسف، أتاحت الأحداث التي وقعت في مضيق هرمز لترامب فرصة للقول إن إيران انتهكت مذكرة التفاهم، واستغلال المسار السهل الذي أتيح له للخروج منها إلى أقصى حد.

يبدو الآن، استنادًا إلى السببين المذكورين، أن ترامب لم يعد يرغب في العودة إلى ذلك الإطار. وربما يركز حاليًا فقط على تبادل التنازلات مع إيران، بحيث يقدم تنازلات مقابل الحصول على امتيازات في الملف النووي. وقد يكون الحشد العسكري الذي يقوم به ترامب مرتبطًا بممارسة الضغط لتحقيق هذا الهدف.

في المقابل، ظل المقترح الإيراني الأخير قائمًا على مذكرة التفاهم وعلى اقتراح تسلسل وترتيب أكثر صرامة لتنفيذها. وقد يقوم مقترح ترامب المضاد أيضًا على هذا التسلسل والترتيب، مع اختلاف أساسي يتمثل في أنه تجاوز هذه المرة مسألة مضيق هرمز، ولم يعد، كما في مذكرة التفاهم، ينظر إلى تقديم تخفيف للعقوبات إلا في مقابل الحصول على تنازلات بشأن البرنامج النووي الإيراني.

بالتالي، من المحتمل، على سبيل المثال، ألا يصبح رفع الحصار البحري، كما كان في مذكرة تفاهم إسلام آباد، مشروطًا بإعادة فتح مضيق هرمز، بل بالحصول على تنازلات نووية.

وتتمثل مشكلة أخرى تعرقل الوصول إلى اتفاق في استعجال ترامب، وهو أمر يعود من جهة إلى خصائصه الشخصية، ومن جهة أخرى إلى مشكلاته الداخلية، بما في ذلك التزامه بتجنب «الحروب التي لا نهاية لها»، فضلًا عن قصر الفترة المتبقية من ولايته الرئاسية.

في المقابل، لا يشعر المسؤولون الإيرانيون، على عكس ترامب تمامًا، بأي قيود زمنية، كما أنهم لا يرون تقليديًا مشكلة في إطالة أمد المفاوضات.

وبالطبع، هناك نقطة يغفل عنها النقاش بشأن التسلسل والترتيب، ويمكن أن يساعد الانتباه إليها في تسهيل المسار الدبلوماسي، وهي مسألة «قابلية التراجع» و«عدم قابلية التراجع».

فالتنازلات التي يفترض عادة أن يقدمها الطرفان لبعضهما البعض ليست من النوع الذي يبدو غير قابل للتراجع، كما هو الحال مع بعض الامتيازات الواردة في معاهدات الحد من التسلح. فإذا رفعت الولايات المتحدة الحصار البحري، والعقوبات النفطية، وتجميد الودائع، وغيرها، فإنها تستطيع إعادة فرضها بسرعة. وكذلك، إذا فتحت إيران مضيق هرمز، فيمكنها إغلاقه مجددًا.

أما التنازلات النووية التي قد يتعين على إيران تقديمها، فهي مختلفة بعض الشيء، لكن هذه المسألة سبق اختبارها في الاتفاق النووي، المعروف باسم «خطة العمل الشاملة المشتركة». لذلك، فإن الإصرار على مسألة التسلسل والترتيب قد يكون في معظمه ذا طابع رمزي أو مرتبطًا بالاعتبارات المعنوية.

كما أن موقف دول المنطقة مهم. والتقارير في هذا الصدد متضاربة. فبعض الدول تبدو معارضة للحرب الثالثة وتوصي بمواصلة الحصار البحري والضغط الاقتصادي. بينما يبدو أن دولًا أخرى، استنادًا إلى التطورات في اليمن وهجمات الحوثيين على السعودية والهجوم على خط أنابيب سعودي، أكثر استعدادًا للانخراط في الخطط العسكرية والأمنية الأمريكية والإسرائيلية.

ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه الدول أكثر قلقًا من تداعيات الحرب الثالثة عليها، أم أنها أصبحت مستعدة لدفع، على حد تعبيرها، كلفة «حسم مصير المنطقة» مرة واحدة وإلى الأبد.

وفي ظل الظروف الصعبة الناجمة عن الحصار البحري وتصاعد ضغوط العقوبات، وبغض النظر عن تهديد «الحرب الثالثة»، تبدو هناك حاجة إلى قدر من المبادرة والمرونة من جانب إيران، كما أن المبادرة والمرونة يمكن، في ظروف معينة، أن تكونا معديتين وتدفعا الأطراف الأخرى إلى تبني النهج نفسه.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

15 − 11 =

زر الذهاب إلى الأعلى