استئناف الإبحار العراقي بعد 50 عاما: من رفع العلم إلى معركة الحاويات
تستعد الموانئ العراقية في 15 تشرين الأول أكتوبر لاستئناف رحلات الناقل الوطني نحو الإمارات، لتنهي توقفاً دام أكثر من نصف قرن.

ميدل ايست نيوز: تستعد الموانئ العراقية في 15 تشرين الأول أكتوبر لاستئناف رحلات الناقل الوطني نحو الإمارات، لتنهي توقفاً دام أكثر من نصف قرن. وتُمثل هذه الخطوة تحولاً مهماً لا يقتصر على خفض كلف الشحن وزيادة الإيرادات، بل يمتد لتعزيز الأمن الاقتصادي وتكامل منظومة النقل مع مشروع طريق التنمية، شريطة تأهيل الموانئ وتوفير سفن حديثة وإدارة الخط بكفاءة تجارية تنافسية.
منافسة وطنية
ويقول خبير الاقتصاد الدولي نوار السعدي، إن ”إعادة تشغيل الخط البحري العراقي بعد أكثر من نصف قرن لا تمثل مجرد عودة لخدمة نقل بحري، وإنما خطوة ذات أهمية اقتصادية ولوجستية واستراتيجية للعراق، بعد أن أعلنت وزارة النقل انطلاق أولى الرحلات في 15 تشرين الأول من ميناء جبل علي في الإمارات باتجاه ميناء أم قصر، بهدف إعادة الناقل الوطني إلى مسارات التجارة الإقليمية وتوفير خيار وطني لنقل الحاويات والبضائع”.
ويضيف، أن “أهمية الخط اقتصادياً تنطلق من اعتماد العراق بدرجة كبيرة على النقل البحري في تجارته الخارجية، إذ تنقل السفن البحرية، وفقاً لبيانات حديثة للبنك الدولي، أكثر من 90 بالمئة من تجارة العراق، فيما أظهرت بيانات وزارة التخطيط أن الموانئ العراقية تعاملت خلال عام 2025 مع نحو 23.46 مليون طن من البضائع المستوردة، بينها أكثر من 11 مليون طن من الحاويات، ما يعني أن سوق النقل البحري العراقي كبير، وأن زيادة حصة الناقل الوطني يمكن أن تتحول إلى إيرادات وفرص اقتصادية حقيقية”.
لكن السعدي ينبه بأن ”الهدف لا ينبغي أن يقتصر على استبدال الناقلات الأجنبية بناقل عراقي، وإنما خلق منافسة وطنية داخل سوق النقل البحري، إذ يمكن لوجود ناقل عراقي أن يمنح المستورد خياراً إضافياً ويسهم في الضغط على كلف الشحن، شريطة أن يعمل الخط بكفاءة وانتظام وأسعار تنافسية”.
استعادة الخط العراقي
وتعود قصة الخط البحري العراقي إلى ستينيات القرن الماضي، حين كانت سفن الشحن العراقية تنفذ رحلات تجارية في المنطقة، قبل أن يتوقف نشاط الخط لأكثر من 50 عاماً، لتبدأ وزارة النقل في 2026 مساراً لإعادة تفعيل الناقل الوطني وتعزيز حضوره في حركة النقل والتجارة الإقليمية.
وأعلنت وزارة النقل، أمس الاثنين، استعداد الخط البحري العراقي “Iraqi Line” لاستئناف نشاطه الملاحي التجاري في منطقة الخليج، ضمن خطة لتفعيل النواقل الوطنية وتطوير منظومة النقل بمختلف أنماطها وقدراتها التشغيلية.
وبحسب بيان للوزارة من المقرر أن تنطلق أولى رحلات الخط في 15 تشرين الأول أكتوبر 2026، من ميناء جبل علي في دولة الإمارات باتجاه ميناء أم قصر في العراق، في خطوة تستهدف إعادة الناقل الوطني إلى مسارات التجارة الإقليمية وتوفير خيار عراقي لنقل الحاويات والبضائع.
وبينت وزارة النقل، أن عودة الخط تستهدف تعزيز حركة نقل البضائع عبر الموانئ العراقية، ودعم التجارة مع دول المنطقة، إلى جانب زيادة حضور الناقل الوطني ضمن خطوط النقل البحري الإقليمية.
منظومة لوجستية متكاملة
ويشدد السعدي على أن ”تشغيل الخط لا يعني تلقائياً انخفاض أسعار الحاويات، لأن كلفة الشحن لا تتحدد بأجرة السفينة وحدها، بل تشمل المناولة والتخليص الكمركي والتأمين والتخزين والنقل الداخلي والانتظار في الميناء، ما يجعل نجاح الخط مرتبطاً بوجود منظومة لوجستية متكاملة وليس بمشروع منفرد”.
ويشير إلى ”وجود خدمات تجارية قائمة بالفعل بين جبل علي وأم قصر، إذ تمكنت إحدى خدمات النقل بنظام “Ro-Ro” بين الميناءين من خفض زمن بعض الشحنات من نحو 14 يوماً عبر النقل البري إلى قرابة 36 ساعة بحراً، كما أطلقت شركة “PIL” خدمة حاويات أسبوعية بين جبل علي وأم قصر بزمن عبور يقارب يومين”.
ويؤكد، أن ”الخط العراقي سيدخل بذلك سوقاً قائمة بالفعل، ما يجعل معيار نجاحه مرتبطاً بقدرته على تقديم سعر تنافسي وانتظام الرحلات وسرعة المناولة وتوفير خدمة موثوقة للمستوردين، وليس بمجرد رفع العلم العراقي على السفينة”.
وعن الإيرادات المتوقعة، يعلق السعدي بأنه ”من المبكر تحديد حجم العوائد بملايين الدولارات قبل معرفة الطاقة الاستيعابية للسفن وعدد الرحلات ونسب الإشغال ومتوسط أجور الحاويات وتكاليف التشغيل، لكن انتقال أي حصة إضافية من سوق الحاويات العراقية إلى الناقل الوطني يعني تحقيق إيرادات بالعملة الأجنبية وتوفير جزء من مدفوعات النقل التي تذهب حالياً إلى الشركات الأجنبية، فضلاً عن إيرادات غير مباشرة للموانئ والوكالات البحرية والخدمات اللوجستية والتأمين والصيانة والنقل البري”.
ويعتقد، أن الأهمية الأكبر تكمن فيما وصفه بـ”المضاعف اللوجستي”، إذ إن بناء ناقل وطني فعال وربطه بالموانئ والسكك الحديدية والنقل البري يجعل القيمة الاقتصادية تتجاوز أجرة الشحن إلى انتقال العراق تدريجياً من دولة مستوردة تدفع كلف النقل للآخرين إلى دولة تقدم خدمات نقل ولوجستية ضمن سلسلة التجارة الإقليمية.
طريق التنمية والناقل الوطني
ويربط خبير الاقتصاد الدولي تطوير الناقل الوطني بمشروع طريق التنمية، حيث إن البنك الدولي يرى أن تحديث شبكة السكك الحديدية من أم قصر إلى الموصل يمكن أن يزيد أحجام نقل البضائع ويدعم تحول العراق إلى مركز للنقل والتجارة الإقليمية، مشدداً على أن “تطوير الناقل البحري يجب ألا ينفصل عن ميناء الفاو والسكك الحديدية وطريق التنمية، وإنما يكون جزءاً من منظومة بحرية وسككية وبرية متكاملة”.
ويؤكد، أن “التطورات الأخيرة في المنطقة جعلت وجود ناقل وطني أكثر أهمية من السابق، إذ أظهرت أزمة مضيق هرمز أن التجارة والطاقة قد تتعرضان لصدمات جيوسياسية مفاجئة، وأن الاعتماد الكامل على شركات النقل الأجنبية يمكن أن يتحول إلى نقطة ضعف عند ارتفاع المخاطر أو تغير أسعار التأمين والشحن أو تراجع رغبة بعض الناقلات في دخول مناطق معينة”.
ويستطرد، أن ”المنطقة شهدت ارتفاعاً كبيراً في مخاطر وكلف النقل البحري، فيما اضطر العراق خلال أزمة هرمز إلى البحث عن مسارات بديلة لبعض احتياجاته التجارية والطاقة”، لافتاً إلى أن ”شركة ناقلات النفط العراقية عادت مؤخراً إلى تشغيل ناقلة كبيرة لنقل مليوني برميل من النفط العراقي عبر هرمز، بما يعكس أهمية امتلاك العراق قدرات نقل بحرية وطنية”.
الأمن الوطني العراقي
ويرى السعدي، أن ”الناقل الوطني لا يمثل مشروعاً تجارياً فقط، وإنما جزءاً من الأمن الاقتصادي الوطني، والأمن الاقتصادي لا يعني امتلاك الدولة جميع وسائل النقل، بل امتلاك قدرة تشغيلية وطنية توفر خيارات عند تعرض الأسواق أو طرق التجارة الخارجية للأزمات”.
وعن مستقبل الخط، يدعو إلى “تجاوز مسار جبل علي – أم قصر مستقبلاً، إذ يمكن للعراق، في حال نجاح التجربة، تطوير شبكة تربط أم قصر والفاو بموانئ الخليج، ثم بموانئ الهند وشرق آسيا وشرق أفريقيا، وربطها بالسكك الحديدية العراقية وصولاً إلى بغداد والموصل والحدود التركية، بما يحول الموقع الجغرافي للعراق إلى أصل اقتصادي”.
ويشترط السعدي لنجاح المشروع تحقيق ثلاثة عناصر أساسية، هي ”الكفاءة التجارية والحوكمة والاستمرارية”، محذراً من ”تحول الناقل الوطني إلى مؤسسة حكومية تتحمل الخسائر وتوظف أعداداً كبيرة من العاملين من دون القدرة على المنافسة”.
ويدعو إلى ”إدارة الشركة بمنطق تجاري ومؤشرات أداء واضحة، مع إمكانية الدخول في شراكات مع شركات عالمية متخصصة في إدارة السفن والخدمات اللوجستية، مع الحفاظ على الملكية أو الدور الوطني عندما يكون ذلك مبررا اقتصاديا”.
ويخلص السعدي إلى ”ضرورة تقييم التجربة سنوياً وفق مؤشرات تشمل عدد الحاويات المنقولة ونسبة إشغال السفن وكلفة الحاوية وزمن الرحلة والإيرادات وصافي الربح والحصة السوقية وعدد الخطوط والموانئ المرتبطة بالعراق”، معتبراً أن ”تحقيق هذه الشروط يمكن أن يحول إعادة تشغيل الخط من مجرد استعادة لخدمة متوقفة منذ ستينيات القرن الماضي إلى بداية لإعادة بناء صناعة نقل بحري عراقية حديثة، وتوطين جزء من إيرادات سلسلة التجارة الخارجية وتقليل الاعتماد على الشركات الأجنبية وتعزيز قدرة العراق على مواجهة الصدمات الجيوسياسية، ودعم تحوله من اقتصاد يعتمد على تصدير النفط إلى اقتصاد يستفيد من موقعه ممراً تجارياً ولوجستياً إقليمياً”.
متطلبات تشغيل الخط البحري
إلى ذلك، يقول الكابتن البحري علي العبادي، إن ”إعادة تشغيل الخط البحري العراقي تتطلب وجود بواخر حديثة ومهيأة، بالتزامن مع تأهيل الموانئ وتشغيلها بصورة جيدة، ولا سيما أن حركة النقل تعتمد على عمليات تحميل البضائع وتفريغها في الموانئ”.
ويضيف، أن ”العراق يمتلك البنية الأساسية، لكنه يحتاج إلى تطويرها واستكمال بعض المتطلبات الضرورية لإعادة تشغيل الخط الذي كان يعمل قبل نحو 50 عاماً، إلى جانب توفير الكوادر والخبرات البحرية وتطبيق إجراءات السلامة والأمن، فضلاً عن توفير عدد من السفن للبدء بنقل الحاويات والبضائع ودعم حركة التجارة الوطنية”.
ويعتبر، أن ”وجود ناقل وطني يمنح العراق فرصة لتقليل الاعتماد على شركات النقل الأجنبية وخفض كلف النقل، فضلاً عن تعزيز سيطرته على حركة البضائع والنشاط الاقتصادي وقطاع النقل، وتشغيل الخط بين الإمارات والعراق من شأنه دعم حركة التجارة ونقل البضائع والاستثمار، إلى جانب تنشيط الموانئ العراقية”.
وفي ما يتعلق بسلامة السفن، يؤكد العبادي ”ضرورة اعتماد إجراءات أمن وسلامة ومتابعة مستمرة للسفن في عرض البحر، والتنسيق مع الجهات البحرية المختصة، بسبب المخاطر التي تشهدها منطقة الخليج، بما يضمن استمرار عمل الخط، ولا سيما خلال المرحلة الأولى من تشغيله”.
وبشأن المخاطر الأمنية المرتبطة بمضيق هرمز، يوضح العبادي، أن ”مسار النقل المقترح بين الإمارات والعراق سيكون داخل الخليج العربي ولا يصل إلى مضيق هرمز، الذي يشهد تشديدات ومخاطر أمنية أكبر”.
وبين رحلة توقفت قبل أكثر من نصف قرن وأخرى تستعد للانطلاق في 15 تشرين الأول أكتوبر، ينتقل ملف الناقل الوطني من استعادة خط تاريخي إلى اختبار تشغيلي جديد، يتوقف نجاحه على قدرته على تثبيت حضوره في سوق النقل الإقليمي وتحويل العودة إلى مسار تجاري مستمر.



