لماذا لا تستسلم إيران أمام التفوق العسكري الأمريكي؟

وفقاً للحسابات المادية التقليدية، كان البعض يتوقع أن التفوق الجوي والتكنولوجيا التسليحية المتقدمة وقدرة التحالف المهاجم على التدمير ستجبر إيران سريعاً على قبول مطالب واشنطن

اقرأ في هذا المقال
  • أعاد العدوان العسكري الأمريكي على إيران طرح إحدى المعضلات الجوهرية في نظرية العلاقات الدولية والمساومة في الأزمات: لماذا لا ينصاع بلدٌ يمتلك قدرات مادية أدنى أمام تحالف من القوى العسكرية المتفوقة، ويرفض الرضوخ لمطالبها المفروضة؟ للوهلة الأولى، كانت الحسابات المادية التقليدية توحي بأن التفوق الجوي والتكنولوجيا التسليحية المتقدمة وقدرة التحالف على إلحاق الدمار ستجبر إيران سريعاً على القبول. غير أن الواقع كشف عن فجوة عميقة بين القدرة على تدمير البنية التحتية المادية والقدرة على كسر الإرادة الاستراتيجية للخصم. لفهم هذه الفجوة، لا بد من تحليل قرار المقاومة من خلال ثلاث عدسات مترابطة: إدراك التهديد، حسابات بقاء النخب، وديناميات المساءلة الداخلية.

ميدل ايست نيوز: تجاوز العدوان العسكري الأمريكي على إيران مرة أخرى إحدى المعضلات الأساسية في نظرية العلاقات الدولية والمساومة في الأزمات: لماذا لا يستسلم بلدٌ يمتلك قدرات مادية أقل أمام تحالف من القوى العسكرية المتفوقة، ولا ينصاع لمطالبها المفروضة؟

وحسب مقال رأي للباحث في الجغرافيا السياسية بجامعة كانساس فرزين زندي في صحيفة دنياي اقتصاد الإيرانية للوهلة الأولى، ووفقاً للحسابات المادية التقليدية، كان البعض يتوقع أن التفوق الجوي والتكنولوجيا التسليحية المتقدمة وقدرة التحالف المهاجم على التدمير ستجبر إيران سريعاً على قبول مطالب واشنطن. غير أنه بات واضحاً أن هناك فجوة عميقة بين «القدرة على إلحاق الضرر المادي» و«القدرة على تغيير الحسابات والإرادة الاستراتيجية».

لفهم هذه الفجوة، يمكن تحليل عملية صنع القرار من خلال منظار «إدراك التهديد»، ومسألة «بقاء النخب»، و«ديناميات المساءلة الداخلية».

أولاً، ينبغي تجاوز مغالطة شائعة في تحليل توازن القوى: فمقاومة الدول الأضعف ليست بالضرورة نتاج خطأ إدراكي لدى قادتها في تقييم ميزان القوى أو في تقدير قدرتهم على تحقيق نصر عسكري في ساحة المعركة. ففي كثير من الحالات، يقدم القادة على «المقاومة» وهم يدركون تماماً تفوق الطرف المقابل واحتمال الهزيمة العسكرية الكبيرة، لأن العائد المتوقع من عدم المقاومة يبدو لهم أشد سوءاً من الدخول في الحرب. ومن منظور «نظرية المساومة» في الحرب، فإن المسألة لا تقتصر على مقارنة كميات المعدات مثل عدد المقاتلات ومنظومات الدفاع الجوي، بل يتمحور القرار حول ما يتبقى من ضمانات للبقاء السياسي والسيادة الإقليمية والأمن القومي بعد قبول شروط الخصم.

وكما يجادل «جيمس فيرون» في مفهوم «أثر الانتقاء»، فإن معظم النزاعات الدولية تشهد تسليم الدول الضعيفة وتنازلها في الخفاء قبل الدخول في مرحلة الصراع العلني وإعلان الأزمة. لذلك، فإن الدول التي تصطف علناً في مواجهة المهيمن ليست عينة عشوائية من الدول ضعيفة القدرات؛ بل إن قيماً حيوية أكثر أهمية تكون مهددة بالنسبة إليها، ولا ترى أمامها طريقاً آمناً للتراجع. وبناءً على ذلك، بمجرد اندلاع الصراع العلني، لا يمكن التنبؤ بأي طرف سيرفع الراية البيضاء أولاً بالاعتماد على مؤشرات القوة المادية وحدها.

في الملف الإيراني، أدركت النخب صانعة القرار أن المطالب الأمريكية الرئيسية — المتمثلة في الاستسلام غير المشروط حتى نزع السلاح الصاروخي ووقف النفوذ الإقليمي تماماً — ليست تسوية دبلوماسية تكتيكية، بل «معضلة التزام» وتهديد وجودي أساسي للكيان الإقليمي الإيراني وبقاء النظام السياسي برمته. فإذا كان نزع السلاح والتنازل عن أدوات الردع سيضاعف من هشاشة إيران الهيكلية أمام التدخلات اللاحقة، فإن الاستسلام يُعد في الواقع خطوة استباقية نحو الانهيار الوطني، سواء على مستوى الأرض أو النظام السياسي. في مثل هذه الظروف، يصبح تحمل تدمير البنية التحتية والخسائر المادية الثقيلة بالنسبة لمركز السلطة أكثر عقلانية وأقل كلفة من اتفاق يضع أفق بقائه على طريق الفناء. وقد عزز اغتيال قيادة النظام ومهاجمة أعلى مستويات صنع القرار في المرحلة الأولى من النزاع هذا الحساب الأمني؛ إذ تلقت النخب المتبقية رسالة مفادها أن الصراع تجاوز مستوى المفاوضات السابقة، وأن الهدف النهائي هو احتلال إيران وإزالة هؤلاء جسدياً، وهو افتراض يغلق أي نافذة للتسوية من الناحيتين النفسية والاستراتيجية.

من منظور العقيدة العملياتية، لم يكن هدف المقاومة الإيرانية أساساً إلحاق هزيمة عسكرية بالجيش الأمريكي، بل تنفيذ «حرب استنزاف» تجعل تحقيق واشنطن لأهدافها بكلفة منخفضة وفي مدة زمنية قصيرة أمراً مستحيلاً. فمن خلال إطالة أمد الصراع ورفع التكاليف الهامشية للحرب على المعتدين، سعت إيران إلى الحفاظ على ما تبقى من أوراقها لإعادة ضبط شروط التفاوض. وهنا ينبغي رسم حد تحليلي واضح بين «الضرر العسكري» و«الاستسلام السياسي»؛ فعدم تحقق مطالب الولايات المتحدة يدل على «فشل الردع العقابي» في كسر إرادة الطرف المقابل.

وهناك دينامية أخرى تحول دون تراجع الطرفين، تتمثل في آلية «تكاليف الجمهور الداخلي». فحين يعلن صناع القرار الأزمة أمام وسائل الإعلام وقواعدهم السياسية ويحددون خطوطاً حمراء، فإنهم «يربطون أيديهم» أو يدخلون في «مسار لا رجعة فيه». فبالنسبة لرئيس الولايات المتحدة، يُفسر التراجع عن المطالب القصوى المعلنة علناً (وخاصة أمام أنصاره) وقبول وقف إطلاق نار بالحد الأدنى، من قبل الرأي العام والمنافسين الحزبيين، على أنه هزيمة مكلفة انتخابياً؛ رغم أن استنزاف الحرب والخسائر المحتملة قد تدفع الرأي العام في الوقت نفسه نحو الضغط للخروج.

وفي النهاية، قد ينتهي تصعيد الأزمة الراهنة إلى طريق مسدود حسابياً؛ أي إلى حالة لا يستطيع فيها أي من الطرفين تصديق رسائل الخصم، ويعتقد كلاهما أن الطرف الآخر يخادع أو سينهار أو يستسلم قريباً. وعلى هذا الأساس، تظن واشنطن أن بضع موجات إضافية من الهجمات الجوية وتضييق الحصار الاقتصادي ستؤدي إلى انهيار عتبة تحمل طهران، بينما تأمل طهران بالمقابل أن إطالة أمد النزاع وتوسيع نطاق المخاطر والضغط على الاقتصاد العالمي سينهي قدرة واشنطن السياسية على التحمل. وهذا الاستخفاف المتبادل بعزم الخصم يغلق الأزمة في نقطة لا يملك فيها أي من الطرفين القدرة على التراجع.

إن إنهاء مثل هذا النزاع لا يعتمد على تصعيد التدمير المادي، بل يتطلب إعادة تصميم «هيكل المساومة»؛ أي ابتكار حزمة متدرجة تتضمن التزامات متبادلة، ولعل الأهم من ذلك، أدوات «حفظ ماء الوجه» التي تجعل الكلفة السياسية لإنهاء القتال بالنسبة للجمهور الداخلي في العاصمتين أقل من كلفة استمرار حرب الاستنزاف. وطالما أدرك الطرفان أن التفاهم وإنهاء النزاع يعادلان الفناء الحتمي، فإن التفوق العسكري لن يفعل سوى توسيع «جغرافيا الدمار»، دون أن يحقق الأهداف السياسية النهائية.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة + 20 =

زر الذهاب إلى الأعلى