تشابهار في قلب الجدل الإيراني.. استثمارات أفغانية تثير مخاوف بشأن الأراضي والأمن والعلاقات مع طالبان

أثار الحديث عن تخصيص أكثر من 110 هكتارات من الأراضي في منطقة تشابهار الاستراتيجية جنوب شرقي إيران لاستثمارات أفغانية موجة من الجدل والانتقادات، وسط تساؤلات بشأن طبيعة الاتفاق.

ميدل ايست نيوز: أثار الحديث عن تخصيص أكثر من 110 هكتارات من الأراضي في منطقة تشابهار الاستراتيجية جنوب شرقي إيران لاستثمارات أفغانية موجة من الجدل والانتقادات، وسط تساؤلات بشأن طبيعة الاتفاق، وما إذا كان يتعلق بمشروعات اقتصادية فحسب أم يرتبط أيضا بإقامة مواطنين أفغان في المنطقة. ويأتي ذلك في ظل استمرار الجدل داخل إيران بشأن وجود المواطنين الأفغان وأنشطتهم الاقتصادية، بالتزامن مع تصاعد المخاوف المتعلقة بالهجرة والأمن وإدارة الحدود.

بدأت القضية بعد مقابلة تلفزيونية لمحسن زنكنه، عضو البرلمان الإيراني ورئيس اللجنة الخاصة لدعم الإنتاج والرقابة على تنفيذ السياسات العامة للمادة 44 من الدستور، مع قناة «سحر». وسرعان ما انتشرت تصريحاته على منصات التواصل الاجتماعي، مثيرة انتقادات واسعة من وسائل إعلام وناشطين اجتماعيين.

وبحسب صحيفة «توسعه إيراني»، تحولت تشابهار، إحدى المناطق الاستراتيجية في جنوب شرقي إيران، إلى محور نقاش يتجاوز تفاصيل المشروع المعلن، ليعيد إلى الواجهة مخاوف قائمة في بعض أوساط الرأي العام بشأن أهداف وجود المواطنين الأفغان وتداعياته المحتملة. وفي خراسان ومناطق أخرى شرقي البلاد، طُرحت خلال السنوات الماضية تساؤلات مماثلة بالتزامن مع تطورات وقرارات مختلفة.

ويرتبط جانب من هذه المخاوف بالخشية من أن تتجاوز إقامة الأجانب الاعتبارات الاقتصادية والهجرية، لتؤدي إلى تغييرات ديموغرافية في مناطق محددة من البلاد. ورغم أن تقييم هذه المخاوف يتطلب أدلة ومعلومات دقيقة، فإن تأثيرها في الرأي العام يظل عاملا لا يمكن تجاهله.

وفي هذا السياق، كان من الطبيعي أن تثير الأنباء عن تخصيص 110 هكتارات في تشابهار لإقامة مواطنين أفغان ردود فعل واسعة، ولا سيما أن ملف وجود الأفغان في إيران ظل موضع نقاش خلال السنوات الأخيرة، في ظل تقارير ومخاوف تتعلق بالدخول غير المنضبط إلى البلاد، والتحديات الأمنية، وبعض الجرائم المنسوبة إلى أجانب. ولذلك، تجاوز الجدل بشأن تصريحات زنكنه حدود النقاش التقليدي حول الاستثمار الأجنبي، ليمتد إلى قضايا السيادة والأمن والشفافية في اتخاذ القرارات.

زنكنه: الحديث يتعلق بالاستثمار لا بمنح الأراضي

مع اتساع الجدل، قدم محسن زنكنه توضيحاته في مقابلة مع وكالة أنباء «إرنا»، متهما وسائل إعلام معادية بتحريف تصريحاته.

وقال زنكنه إن هناك أطرافا لا ترغب في تطوير العلاقات بين إيران وأفغانستان، وإنها دأبت على إثارة المشكلات بين البلدين. وأضاف أن إحدى أحدث هذه المحاولات ارتبطت بمقابلته مع قناة «سحر»، التي أعلن خلالها ما وصفه بأنه خبر إيجابي للشعبين الإيراني والأفغاني.

وأوضح أن الاتفاق يتعلق بتخصيص 10 هكتارات داخل ميناء تشابهار ونحو 100 هكتار في المنطقة الحرة لاستثمارات أفغانية، مشيرا إلى الأهمية الاستراتيجية للميناء بالنسبة إلى أفغانستان، التي لا تملك منفذا بحريا عبر الجنوب، ولربطها، إلى جانب دول آسيا الوسطى، بالمياه المفتوحة عبر بحر عمان والخليج.

وقال زنكنه إن الهدف من التفاهم هو تمكين أفغانستان من الاستثمار في المنطقة وإنشاء البنى التحتية والمرافق التي تحتاج إليها، بما في ذلك ميناء جاف، لتسهيل وصولها إلى المياه المفتوحة. وأضاف أن المشروع يخدم مصالح البلدين، مؤكدا أن سياسة إيران تقوم على استقطاب المستثمرين المحليين والأجانب إلى مناطقها الحرة.

وفي انتقاد لوسائل التواصل الاجتماعي، قال زنكنه إن إحدى الصفحات المعروفة، بحسب وصفه، بعدائها للجمهورية الإسلامية وسعيها إلى الإضرار بالعلاقات بين البلدين، نشرت عنوانا يزعم أن إيران منحت أفغانستان 110 هكتارات من أراضيها. واتهم القائمين على هذه الحملة بتلفيق مضمون تصريحاته وإعادة نشره على منصات مختلفة.

وأضاف أن اتفاقا استثماريا لا يعني نقل الأراضي والسيادة من دولة إلى أخرى، مؤكدا استعداد إيران لاستقبال الاستثمارات الأفغانية في سواحلها الجنوبية ومنطقة مكران وتشابهار.

من جهته، نفى عليرضا نورا، القائم بأعمال محافظ تشابهار، صحة الأنباء المتداولة بشأن منح أراضٍ في المنطقة لأجانب، مؤكدا عدم تقديم أي طلب بهذا الخصوص حتى الآن، وعدم اتخاذ أي إجراءات تنفيذية أو إتمام أي عملية تخصيص للأراضي.

وشدد نورا على أن استثمارات الأجانب في محافظة تشابهار لا يمكن أن تتم إلا وفق القوانين واللوائح الإيرانية، بما في ذلك قانون تشجيع الاستثمار الأجنبي وحمايته، وبعد الحصول على التراخيص القانونية اللازمة.

لكن وكالة أنباء «إيسنا» أفادت بأن محمد سعيد أربابي، رئيس مجلس الإدارة والمدير العام لمنظمة منطقة تشابهار الحرة، كان قد أعلن، خلال لقائه وزير الاقتصاد الأفغاني الحاج قاري دين محمد حنيف في كابل، استعداد المنطقة لتخصيص أراضٍ للتجار الأفغان أو للحكومة الأفغانية.

وقال أربابي إن المنطقة الحرة مستعدة لمتابعة تخصيص أراضٍ داخل الميناء والمنطقة الحرة لتنفيذ مشروعات اقتصادية واستثمارية، موضحا أن ذلك يمكن أن يتم من خلال عقود إيجار طويلة الأجل أو عقود البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT).

كما أشار إلى خطة لافتتاح مكتب تجاري أفغاني في تشابهار، وإلى أهمية المنطقة المنفصلة في ريمدان في حركة عبور البضائع.

وتكشف هذه التصريحات عن وجود توجه معلن لتعزيز الاستثمارات الأفغانية في تشابهار، لكنها تترك أسئلة قائمة بشأن طبيعة المشروعات المقترحة، وآليات تخصيص الأراضي، والتمييز بين الاستثمار الاقتصادي وإقامة الأجانب.

غياب التفاصيل يبقي مخاوف الرأي العام قائمة

لا يمثل الاستثمار الأجنبي في حد ذاته أمرا استثنائيا أو موضع اعتراض بالضرورة، إذ يمكن أن يسهم في جذب العملات الأجنبية، وخلق فرص العمل، وتنشيط الاقتصاد المحلي. غير أن ارتباط أي مشروع بأفغانستان، وما يثيره من تساؤلات بشأن إقامة مواطنيها، ولا سيما في منطقة استراتيجية مثل تشابهار، يجعل الاكتفاء بوصفه بأنه «استثمار أجنبي» غير كافٍ لتبديد مخاوف الرأي العام.

وتتمحور الأسئلة المطروحة حول طبيعة المشروع والجهة المستثمرة وآلية تخصيص الأراضي، فضلا عن العلاقة بين الاستثمار المقترح وإقامة المواطنين الأفغان. فهل يتعلق الأمر بإنشاء منشأة اقتصادية يقيم فيها المستثمرون أو العاملون المرتبطون بها؟ أم أن هناك خطة مستقلة لتخصيص أراضٍ بغرض إسكان مجموعة من الأجانب؟

حتى الآن، لم تنجح التوضيحات الرسمية في تبديد جميع المخاوف التي أثارها الملف. فحين يكون انعدام الثقة قد ترسخ مسبقا، لا تكفي الإشارة إلى الاستثمار الأجنبي وحدها، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالأراضي والأمن وإدارة دخول الأجانب، وبمدى شفافية القرارات المتخذة في المناطق الحساسة.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى نشر تفاصيل المشروع وأهدافه وأطره القانونية والاقتصادية. فإذا كان المشروع يستند إلى مبررات واضحة، فإن الإفصاح عنها من شأنه أن يتيح للرأي العام تقييمه على أساس المعلومات، بدلا من ترك المجال للتكهنات. أما اتخاذ قرارات من دون توضيح كافٍ، فقد يؤدي إلى تفاقم الشكوك وتداعيات يصعب احتواؤها.

تحركات اقتصادية ودبلوماسية متزايدة بين طهران وكابل

يتزامن الجدل بشأن الأراضي في تشابهار مع اتساع نطاق التحركات الاقتصادية والدبلوماسية بين إيران وأفغانستان.

وفي هذا السياق، زار وزير الطاقة الإيراني عباس علي آبادي أفغانستان على رأس وفد يضم 180 تاجرا وصناعيا ومستثمرا إيرانيا، حيث التقى مسؤولين كبارا في حكومة طالبان خلال مشاركته في الدورة الخامسة من معرض الإمام أبي حنيفة الدولي.

وخلال لقائه نور الدين عزيزي، وزير الصناعة والتجارة في حكومة طالبان، بحث علي آبادي إمكان تصدير ألفي ميغاواط من الكهرباء الإيرانية إلى أفغانستان، وتوفير معدات محطات توليد الطاقة، وتوسيع نطاق الاستثمارات المشتركة.

كما قال، خلال اجتماع مع الملا محمد ناصر آخوند، وزير مالية طالبان، إن تقدم أفغانستان يمثل هدفا تتطلع إليه إيران، مؤكدا استعداد بلاده للمساعدة في قطاع الكهرباء. وأضاف أن إيران لا توجد لديها خلافات مالية أو مستحقات لدى أفغانستان، على خلاف تعاملاتها مع بعض الدول الأخرى.

وقد أثار هذا التصريح تساؤلات بشأن ما إذا كانت طهران تعتبر ملف حصة إيران المائية من نهر هلمند محسومًا، في ظل استمرار الجدل بشأن تنفيذ الالتزامات المائية بين البلدين. كذلك أعلن الوزير الإيراني استعداد بلاده لنقل التكنولوجيا في مجالي المياه ومحطات المعالجة.

تصدير الكهرباء وسط أزمة الطاقة الإيرانية

تأتي التصريحات بشأن تصدير ألفي ميغاواط من الكهرباء إلى أفغانستان في وقت تواجه فيه إيران اختلالا كبيرا في التوازن بين إنتاج الطاقة والطلب المحلي عليها.

وبحسب تقديرات مركز أبحاث البرلمان الإيراني، بلغ العجز في القدرة الكهربائية خلال ذروة صيف عام 1405 الإيراني نحو 13.6 ألف ميغاواط. ففي حين لم تتجاوز القدرة القصوى المتاحة لتغذية الشبكة بالتزامن 68 ألفا و420 ميغاواط، تخطى الطلب 81 ألف ميغاواط.

وفي مؤشر آخر إلى الضغوط التي يواجهها قطاع الطاقة، حذر محمد هادي فقيه زاده، رئيس مجلس إدارة نقابة صناعة الكهرباء الإيرانية، من تفاقم اختلال إمدادات الغاز مقارنة بالسنوات السابقة، معتبرا أن توقف محطات توليد الكهرباء بسبب نقص الوقود خلال الشتاء المقبل «احتمال واقعي».

وفي ظل هذه الظروف، يطرح الحديث عن تخصيص ألفي ميغاواط من الكهرباء لأفغانستان تساؤلات بشأن أولويات السياسة الإيرانية في مجال الطاقة، وكيفية التوفيق بين الالتزامات الخارجية والاحتياجات المحلية.

وفي موازاة ذلك، أضافت تحركات أسعار الصرف بعدا آخر إلى العلاقات الاقتصادية بين البلدين. فقد أفاد موقع «اقتصاد 24» بأن سعر العملة الأفغانية في السوق الإيرانية تجاوز أربعة آلاف تومان، بعدما بدأ عام 1405 عند نحو 2450 تومانا، مسجلا ارتفاعا يزيد على 63 في المئة خلال أقل من ستة أشهر.

ورغم استقرار سعر الدولار نسبيا في أفغانستان ضمن نطاق يتراوح بين 65 و68 أفغانيا، فإن ارتفاع العملة الأفغانية في إيران يعكس، بحسب التقرير، تراجع قيمة الريال الإيراني أمام العملات الأجنبية. ويأتي ذلك في وقت لا تزال فيه الضغوط التضخمية تلقي بثقلها على الاقتصاد الإيراني، رغم ضخ ملياري دولار من العملات الأجنبية، وفق ما أورده التقرير، من جانب محافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي.

حصة هلمند المائية.. خلاف قانوني في مواجهة سياسة التقارب

يمتد الجدل بشأن العلاقات الإيرانية الأفغانية إلى ملف المياه، بعدما طرح بعض أعضاء البرلمان الإيراني مقترحا يقضي بشراء المياه الفائضة من أفغانستان، شريطة تأمين حصة سيستان المائية البالغة 820 مليون متر مكعب.

وانتقدت صحيفة «جمهوري إسلامي» هذا المقترح، معتبرة أنه ينطوي على خطأ استراتيجي لأنه يحوّل حصة إيران المائية من التزام قانوني ودولي ملزم إلى سلعة تجارية.

وكتبت الصحيفة أن معاهدة دلتا تمثل وثيقة قانونية رسمية، وأن تحويل إيران من طرف يطالب بحقه القانوني إلى مشترٍ للمياه يبعث برسالة خاطئة إلى طالبان، مفادها أن بإمكانها استخدام المياه وسيلة للضغط والمساومة، سواء من خلال إغلاق مجرى المياه أو التذرع بالجفاف.

وأضافت الصحيفة أن حكومة كابل امتنعت عمليا عن الوفاء بالحصة المائية الإيرانية، عبر تحويل المياه نحو السبخة الملحية في غود زره وإقامة عوائق مختلفة، وفق ما ورد في انتقادها.

ويرى محللون ينتقدون سياسة التقارب مع طالبان أن بعض الأطراف سعت، منذ عودة الحركة إلى السلطة في أفغانستان عام 1400 الإيراني، إلى تحسين صورتها وتبرير نهج أكثر انفتاحا تجاهها. لكن هؤلاء يعتبرون أن أداء الحركة في ملف المياه لا يعكس التزاما واضحا بالحقوق القانونية لإيران، بل يتعارض، بحسب تقييمهم، مع المصالح الوطنية الإيرانية.

ويحذر خبراء من أن الجمع بين تقديم امتيازات في مجالي العبور والأراضي بمناطق حيوية مثل تشابهار، والتساهل إزاء عدم الوفاء بالالتزامات المائية والحدودية، قد لا يحقق مكاسب اقتصادية ملموسة لإيران، بل قد يثير مخاوف إضافية تتعلق بالأمن والتركيبة السكانية. كما يرى منتقدون أن توسيع التعاون من دون شروط واضحة قد يُفسر باعتباره خطوة نحو إضفاء شرعية سياسية على حكومة طالبان.

في المقابل، يظل تقييم هذه المخاوف مرتبطا بالتفاصيل الفعلية للاتفاقات وطبيعة الالتزامات المتبادلة، وليس بمجرد الإعلان عن مشروعات استثمارية أو اقتصادية.

وفي المحصلة، تتركز المطالب المطروحة في ضرورة الكشف عن تفاصيل التفاهمات المتعلقة بتشابهار، وتحديد طبيعة المشروعات والجهات المستفيدة منها، وضمان خضوعها للأطر القانونية الإيرانية، إلى جانب ربط توسيع التعاون الاقتصادي بالتزام الطرف الآخر بالاتفاقات الدولية، بما فيها الالتزامات المتعلقة بالمياه والحدود. وهي مطالب تعكس، في جوهرها، حاجة الرأي العام إلى معلومات واضحة تتيح له التمييز بين فرص الاستثمار ومخاوف السيادة والأمن والمصالح الوطنية.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسعة عشر + 10 =

زر الذهاب إلى الأعلى