عُمان وباكستان وروسيا والصين.. كيف تعيد «الوساطة اللامركزية» رسم مسار المفاوضات بين إيران وأمريكا؟

ما يبدو ظاهريا مواجهة ثنائية بين واشنطن وطهران، هو في الواقع ساحة تتحرك فيها الصين وروسيا وعُمان، بدوافع ومصالح مختلفة، لبناء منظومة دبلوماسية متعددة المستويات.

ميدل ايست نيوز: عندما هدد دونالد ترامب إيران، خلال خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، بالقبول بـ«الاتفاق» أو مواجهة «التدمير»، لم يلتفت كثيرون إلى أن وراء هذا الجمود الدبلوماسي شبكة معقدة من الوسطاء والقوى الثالثة التي تسهم في رسم مسار المفاوضات.

وحسب مقال بموقع “خبرأونلاين” الإيراني، ما يبدو ظاهريا مواجهة ثنائية بين واشنطن وطهران، هو في الواقع ساحة تتحرك فيها الصين وروسيا وعُمان، بدوافع ومصالح مختلفة، لبناء منظومة دبلوماسية متعددة المستويات.

عُمان.. الوسيط التاريخي وبوابة مضيق هرمز

يمكن اعتبار عُمان أقدم الوسطاء وأكثرهم موثوقية في النزاع الإيراني الأمريكي. فبعدما استضافت جولات عدة من المفاوضات النووية قبل الحرب، حافظت مسقط على دورها بوصفها «قناة اتصال» حتى بعد اندلاع المواجهات. وفي هذا السياق، شدد السلطان هيثم بن طارق، خلال لقائه الرئيس المصري، على «أهمية تكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية لدعم المفاوضات بين إيران وأمريكا والمساعدة في خفض التوترات». ويعكس هذا الموقف الدور الذي رسمته عُمان لنفسها منذ عقود، باعتبارها وسيطا محايدا قادرا على كسب ثقة الطرفين.

لكن دور عُمان في الأزمة الأخيرة يتجاوز الوساطة التقليدية. فباعتبارها دولة تقع على الساحل الجنوبي لمضيق هرمز، أنشأت في يونيو/حزيران 2026، بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية، «ممرا مؤقتا للعبور» في المضيق بهدف تسهيل مرور السفن بأمان. وقد نقلت هذه الخطوة عُمان من موقع الوسيط التقليدي إلى موقع الفاعل الاستراتيجي، إذ تجمع بين استضافة المفاوضات وأداء دور محوري في إدارة أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.

ومن منظور القانون الدولي للبحار، يمكن تبرير هذه الخطوة في إطار «الحقوق السيادية للدول الساحلية» بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982. لكن عُمان أصبحت عمليا بمثابة «بوابة» لا يمكن تجاهل دورها عند التوصل إلى أي اتفاق بشأن مضيق هرمز.

وفي اتصال مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، شدد وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على «الالتزام بضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز». ويعكس هذا الموقف دقة الدبلوماسية العُمانية؛ فمن جهة، تطمئن مسقط واشنطن إلى معارضتها «تسليح هرمز» واستخدامه أداة للضغط، ومن جهة أخرى، تحافظ على علاقاتها مع طهران، وقد أكدت في بيان مشترك معها «الاحترام الكامل لسيادة الدولتين الساحليتين وحقوقهما السيادية».

وتجعل هذه الدبلوماسية القائمة على التوازن عُمان واحدة من الدول القليلة التي تحظى بثقة واشنطن وطهران في آن واحد.

روسيا.. من الوساطة النووية إلى «الورقة الرابحة» لليورانيوم

اتبعت روسيا في الأزمة الأخيرة نهجا مزدوجا؛ فهي تقدم نفسها من جهة بوصفها داعمة للسلام ووسيطا محتملا، لكنها تتجنب من جهة أخرى الالتزام بممارسة ضغوط ملزمة على إيران.

وفي فبراير/شباط 2026، أعلن نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف أن موسكو، بالتعاون مع الصين، تعمل على تهيئة «الظروف السياسية المناسبة» للمفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. لكنه شدد في المقابلة نفسها على أن «التركيز ينصب حاليا على المفاوضات التي تجريها إيران عبر الوسطاء العرب»، في إشارة إلى تفضيل روسيا البقاء على هامش المسار المباشر وتجنب التكاليف السياسية للوساطة المباشرة.

ومع ذلك، تمتلك موسكو ورقة فريدة يمكن أن تغير مسار المفاوضات، تتمثل في اقتراح نقل اليورانيوم الإيراني المخصب إلى روسيا.

وأكد أوليغ أكولينيتشيف، الخبير في مجلس الأعمال الروسي الإيراني، في مقابلة مع وكالة «تاس»، أن هذا المقترح «يمكن أن يكسر الجمود في المفاوضات ويرضي جميع الأطراف». فإيران، وفقا لهذا الطرح، ستضمن وجود اليورانيوم لدى شريك موثوق، بينما ستحصل الولايات المتحدة على ضمانات بأن هذه المواد لن تُستخدم في إنتاج الأسلحة.

وفي مايو/أيار 2026، أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن المقترح «لا يزال مطروحا على الطاولة»، مضيفا أنه في حال موافقة جميع الأطراف، يمكن لإيران الاطمئنان إلى نقل المواد إلى دولة صديقة تتعاون معها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية.

ويمكن وضع هذا المقترح في إطار التعاون النووي السلمي المنصوص عليه في المادة الرابعة من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. لكنه يواجه مفارقة أساسية: فقد رفضت إيران حتى الآن نقل اليورانيوم إلى الخارج، معتبرة ذلك انتقاصا من حقها في التخصيب.

وبالتالي، حتى إذا نجحت روسيا في الحصول على موافقة واشنطن، فسيكون إقناع طهران أمرا صعبا، إذ تنظر إيران إلى اليورانيوم المخصب باعتباره إحدى أوراقها التفاوضية المتبقية. ومع ذلك، فإن مجرد طرح المقترح نقل روسيا من موقع المتفرج إلى موقع الفاعل المحتمل في المعادلة النووية.

الصين.. وسيط حذر تحركه المصالح التجارية

على خلاف روسيا، تفضل الصين تعريف دورها من خلال دعم جهود الوسطاء الآخرين، بدلا من الانخراط في وساطة مباشرة.

وفي مايو/أيار 2026، قال يانغ تشنغ، كبير الخبراء في جامعة شنغهاي للدراسات الدولية، إن الصين «قد تستضيف المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة»، لكنها على الأرجح لن تتولى دور الوسيط، لأن هذه المهمة «تقع حاليا على عاتق باكستان». ويعكس هذا الموقف نهج بكين في الأزمات الإقليمية، القائم على دعم المسارات الدبلوماسية من دون الانخراط المباشر فيها.

لكن وراء هذا الحذر الظاهري، تؤدي المصالح التجارية الصينية دورا حاسما في تحديد موقف بكين. فالصين أكبر مشتر للنفط الإيراني، وأي تشديد للعقوبات أو إغلاق لمضيق هرمز يهدد أمن الطاقة لديها بصورة مباشرة.

وخلال لقائه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في مايو/أيار 2026، شدد وزير الخارجية الصيني وانغ يي على أهمية الحفاظ على تدفقات الطاقة واستقرار الأسواق. وفي السياق نفسه، أشار أحد الخبراء الصينيين إلى أن «إيران تريد الحفاظ على تعاونها التجاري مع الصين، ولا سيما في قطاع الطاقة، لضمان الحد الأدنى من صادراتها وإيراداتها».

ويجعل هذا الاعتماد المتبادل الصين مرشحة طبيعية للاضطلاع بدور الوسيط؛ فبكين تتمتع بنفوذ ملموس لدى طهران، فيما تحتاج واشنطن أيضا إلى استقرار أسواق الطاقة وتجنب أزمة نفطية عالمية.

لكن الصين امتنعت حتى الآن عن استثمار رصيد سياسي كبير في هذه الأزمة، مفضلة حصر دورها في دعم الوسطاء الآخرين، مثل باكستان وعُمان. وتتيح هذه الاستراتيجية المنخفضة التكلفة والمخاطر لبكين حماية مصالحها التجارية وتجنب الانخراط في نزاع قد يقود إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

الدبلوماسية متعددة الأطراف و«الوساطة اللامركزية»

كشفت الأزمة الأخيرة عن بروز نمط جديد من الدبلوماسية يمكن تسميته «الوساطة اللامركزية».

وفي هذا السياق، يقول أضلان مارغويف، الخبير في الشؤون الإيرانية بمعهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية، إن «ما نشهده حاليا هو وساطة لامركزية، تؤدي فيها عُمان دور الوسيط التاريخي، فيما عرضت باكستان استضافة الجولة المقبلة من المفاوضات، وتتواصل جميع الأطراف المعنية عبر قنوات دبلوماسية مغلقة».

ويعكس هذا النموذج ظهور شبكة من الوسطاء لا يملك أي طرف فيها السيطرة الكاملة على العملية، بل يدير كل وسيط جزءا من المشهد التفاوضي.

وفق هذا التقسيم، تتولى عُمان دور المضيف والمسهّل، بينما تضطلع باكستان بالوساطة المباشرة في الجولات الأخيرة. وتؤدي روسيا دور الداعم السياسي ومقدم الحلول الفنية، مثل نقل اليورانيوم، في حين تمثل الصين داعما اقتصاديا وعنصرا أساسيا في ضمان استمرار تدفقات الطاقة.

ورغم أن هذا التقسيم يبدو شكلا من أشكال التعاون متعدد الأطراف، فإنه قد يؤدي عمليا إلى تشتت المسؤولية واستنزاف المسار التفاوضي. وتظهر التجارب التاريخية أن الوساطة اللامركزية، عندما تتعارض مصالح الوسطاء، قد تنتهي إلى شلل في اتخاذ القرار.

المصالح التجارية والجيوسياسية للقوى الثالثة

تلعب المصالح التجارية والجيوسياسية دورا حاسما في تشكيل مواقف القوى الثالثة خلف الكواليس الدبلوماسية.

فروسيا، باعتبارها واحدة من أكبر منتجي النفط والغاز في العالم، تستفيد من ارتفاع أسعار النفط الناجم عن أزمة مضيق هرمز. لكنها تخشى في الوقت نفسه من الاضطرابات طويلة الأمد في سلاسل الإمداد والقنوات المالية، لما قد تسببه من أضرار لاقتصادها. وتضع هذه المفارقة موسكو في موقع الوسيط الحذر الذي قد يستفيد من استمرار الأزمة، لكنه يخشى اتساعها.

وتواجه الصين مفارقة مشابهة؛ فمن جهة، تستفيد من انخفاض أسعار النفط الإيراني بفعل العقوبات، ومن جهة أخرى، تخشى إغلاق مضيق هرمز وتعطل تدفقات الطاقة، بما يهدد اقتصادها. وقد شدد وانغ يي خلال لقائه عراقجي على ضرورة تعزيز التعاون في مجالي الطاقة والتجارة، وهو موقف يشير إلى أن أولوية بكين تتمثل في ضمان تدفق الطاقة أكثر من السعي إلى تسوية سياسية شاملة.

أما عُمان، فلها مصالح تجارية خاصة بها. فهي شريك تجاري قديم لإيران، وتستفيد من استمرار العلاقات الاقتصادية مع طهران، لكنها تتضرر في الوقت نفسه من أي اضطراب في الممر البحري الذي تقع على ساحله. ويجعلها هذا الموقع المزدوج وسيطا حذرا يجمع بين علاقات وثيقة مع إيران وصلات قوية بالولايات المتحدة.

تحديات قانونية واستراتيجية

يمكن تقييم دور القوى الثالثة في المفاوضات الإيرانية الأمريكية في ضوء المادة 33 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تشجع الدول على تسوية نزاعاتها بالوسائل السلمية، بما في ذلك المفاوضات والوساطة والتوفيق والتحكيم والتسوية القضائية واللجوء إلى الهيئات الإقليمية.

لكن ما يجري في أزمة عام 2026 لا يندرج، وفق هذا التحليل، ضمن وساطة رسمية تقودها مؤسسة دولية، بل يمثل نمطا من الدبلوماسية غير الرسمية واللامركزية، من دون وجود هيئة دولية تتولى الدور المحوري.

ويثير هذا الوضع تحديين قانونيين أساسيين. أولهما يتعلق بشرعية الاتفاقات التي قد تنشأ عن عملية تفتقر إلى الشفافية الكافية، وثانيهما يتعلق بغياب الوضوح بشأن مسؤولية الوسطاء عن الالتزامات التي يتعهدون بها.

ففي الدبلوماسية الرسمية، تخضع أدوار الوسطاء عادة لأطر مؤسسية أو سياسية واضحة، بينما يسعى كل طرف في الوساطة اللامركزية إلى حماية مصالحه الخاصة، من دون وجود آلية رقابية موحدة تتابع سلوكه.

ومن الناحية الاستراتيجية، يعكس هذا الوضع تحولا في نمط الدبلوماسية الإقليمية، من الوساطة أحادية القطب، التي تتولى فيها الولايات المتحدة أو مؤسسة دولية الدور المركزي، إلى وساطة متعددة الأقطاب تتنافس فيها قوى عدة، ذات مصالح متباينة، على النفوذ.

وقد يفتح هذا التحول فرصا جديدة للتوصل إلى تسويات سلمية، لكنه ينطوي أيضا على مخاطر تعطيل العملية التفاوضية وتصاعد التنافس بين القوى المعنية.

مستقبل المفاوضات رهين بإرادة القوى الوسيطة

يتوقف مستقبل هذه العملية على عوامل عدة، من بينها نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، وقدرة إيران على الحفاظ على تماسك «جبهة المقاومة»، والأهم من ذلك، استعداد القوى الثالثة لاستثمار رصيدها السياسي في تسوية الأزمة.

وتشير التجارب التاريخية إلى أن الدبلوماسية متعددة الأطراف، رغم تعقيدها واستغراقها وقتا طويلا، قد تفضي إلى حلول أكثر استدامة من الإجراءات الأحادية.

وفي الأزمة الراهنة، تتمثل الخلاصة الأساسية في أن التوصل إلى أي تسوية لن يكون ممكنا من دون مشاركة القوى الثالثة وموافقتها، ولا سيما عُمان، التي يضعها موقعها الجغرافي ودورها في إدارة الملاحة بمضيق هرمز في قلب المعادلة الدبلوماسية.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثمانية + سبعة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى