الصحافة الإيرانية: الصين.. الفائز بلا منازع في الحرب الإيرانية الأمريكية

يبدو أن الصين حصلت من الحرب على فرص استخباراتية واقتصادية ودبلوماسية، لكنها لا تملك السيطرة على تداعياتها.

ميدل ايست نيوز: أتاحت الحرب في الشرق الأوسط، إلى جانب الخسائر البشرية والعسكرية والاقتصادية التي تكبدتها الدول المنخرطة فيها، فرصة أمام الصين للاستفادة من التطورات العسكرية، واضطراب أسواق الطاقة، وتغيّر مسارات التجارة، من أجل تعزيز موقعها، من دون الانخراط مباشرة في ساحة المعركة. ولم تتمكن بكين، كما أنها لم تسع بالضرورة، إلى تحديد نتيجة الحرب، إلا أن امتلاكها قدرات استخباراتية واحتياطيات استراتيجية وعلاقات اقتصادية واسعة أتاح لها الاستفادة من جزء من تداعيات هذه الأزمة.

يقول الكاتب والصحفي الإيراني رامين برتو، في مقال لصحيفة توسعه إيراني، إن أهمية هذا الوضع تزداد في ظل تعرض الموارد العسكرية الأميركية لضغوط، وتضرر الاقتصاد الإيراني، وظهور مخاطر جديدة أمام أمن نقل الطاقة في المنطقة. وتسعى الصين إلى تحقيق توازن بين الحفاظ على علاقاتها مع طهران، وإدارة علاقاتها مع واشنطن، وحماية مصالحها الاقتصادية في دول الخليج. لذلك، فإن وصف بكين بأنها «الفائز في الحرب» لا يكون دقيقًا إلا عند التمييز بين الفرص التي أوجدتها الحرب، والمكاسب التي تحققت فعليًا، والتكاليف المحتملة مستقبلًا.

الاستفادة من ساحة المعركة

يتمثل أحد أهم أوجه استفادة الصين من الحرب في الوصول إلى معلومات يمكن أن تعزز فهمها لأساليب العمليات العسكرية الأميركية، وانتشار القوات، وأنماط الدعم العسكري. وتتيح صور الأقمار الصناعية التجارية رصد الطائرات والمنشآت العسكرية وتحركات القوات والأضرار الناجمة عن الهجمات. بالتالي، قد تكتسب البيانات التي تبدو ذات استخدام تجاري قيمة كبيرة في الحسابات العسكرية أيضًا.

وكانت واشنطن قد اتهمت في وقت سابق ثلاث شركات صينية، هي «ميزر فيجن» و«ذا إيرث آي» و«تشانغوانغ لتكنولوجيا الأقمار الصناعية»، بتقديم صور أو معلومات يمكن استخدامها لدعم الأنشطة العسكرية الإيرانية، وفرضت عقوبات عليها. ونفت بكين هذه الاتهامات، مؤكدة أن أنشطة شركاتها قانونية. لذلك، ينبغي التمييز بين وصول إيران إلى صور مصدرها الصين، وإثبات أن الحكومة الصينية اتخذت قرارًا بتقديم دعم استخباراتي لهجوم محدد.

ومع ذلك، فإن رصد كيفية انتشار القوات الأميركية، وأنماط التزود بالوقود، ونقل المعدات، وطريقة الاستجابة للهجمات، يمكن أن يوفر فهمًا عملياتيًا لقدرات الجيش الأميركي وقيوده. ويمثل هذا الفهم قيمة بالنسبة إلى التخطيط الدفاعي الصيني ودراسة السيناريوهات المحتملة مستقبلًا، بما في ذلك أي أزمة حول تايوان. كما أتاحت الحرب فرصة لمراقبة أداء الأسلحة وأنظمة الدعم الأميركية في ظروف حقيقية، وإن كان ذلك لا يعني أن هذه التطورات يمكن أن تمنح الصين بصورة كاملة ما تحتاج إليه في ما يتعلق بتقييم الأسلحة الأميركية.

النفط والذهب واليوان

يتمثل المسار الثاني لاستفادة الصين في الاقتصاد والتجارة، وهو مجال تستمد فيه بكين ميزتها من حجم استهلاكها للطاقة، وقدرتها على إدارة الاحتياطيات، وموقعها في التجارة العالمية. ووفقًا لإخطار صادر عن وزارة الخزانة الأميركية في أبريل/نيسان 2026، تشتري الصين نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية. وتستخدم المصافي الصينية المستقلة النفط الإيراني المخفض السعر لتلبية جزء من احتياجاتها، ما يتيح لطهران الاحتفاظ بمشترين لنفطها رغم العقوبات.

ويجري جزء من هذه التجارة عبر وسطاء وناقلات نفط تُعرف باسم «أسطول الظل». كما يمكن أن يسهم استخدام اليوان في بعض المعاملات في تقليل اعتماد الأطراف التجارية على النظام المالي الأميركي، وإن كان ذلك لا يعني خروج جميع التعاملات النفطية بين البلدين من النظام المالي العالمي.

لكن هذه الميزة تراجعت مع تشديد الحصار البحري واضطراب حركة الشحن المرتبطة بإيران. وأظهر تقرير لرويترز في 6 أكتوبر/تشرين الأول أن المصافي الصينية المستقلة اشترت نحو 15 إلى 20 مليون برميل من النفط العراقي والقطري للتسليم خلال شهري أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني. ويشير هذا التحول إلى أن الصين اضطرت إلى تنويع مصادر إمداداتها للحفاظ على تدفق الطاقة، وهو ما قد يرفع تكاليف الشراء والنقل والتأمين.

وكانت بكين قد استعدت للحرب أصلًا لمواجهة صدمات السوق من خلال تخزين النفط وتنويع مصادر الإمداد. ووفقًا لتحليل لرويترز في يوليو/تموز 2026، انخفضت واردات الصين من النفط الخام في يونيو/حزيران إلى نحو 5.96 ملايين برميل يوميًا، مقارنة بـ10.66 ملايين برميل يوميًا قبل الحرب. وأتاحت المخزونات الموجودة والشحنات المتجهة إلى آسيا امتصاص جزء من اضطرابات الإمدادات. ومع ذلك، فإن تخزين النفط الخام لا يضمن أن الصين ستكون بمنأى عن نقص المنتجات النفطية، مثل الديزل ووقود الطائرات.

كما اكتسب الذهب أهمية في الاستراتيجية الاقتصادية الصينية. ووفقًا لبيانات إدارة الدولة للنقد الأجنبي في الصين، أضاف البنك المركزي الصيني نحو 23 طنًا من الذهب إلى احتياطياته في سبتمبر/أيلول، وهي أكبر عملية شراء شهرية له خلال نحو ثلاثة أعوام. كما تجاوزت واردات الصين من الذهب خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026 ألف طن، بقيمة بلغت 158.8 مليار دولار، متجاوزة واردات عام 2025 البالغة 886 طنًا.

واستمر هذا الاتجاه رغم انخفاض سعر الذهب بأكثر من 8% في سبتمبر/أيلول، إلى نحو 4176 دولارًا للأونصة، بعدما تجاوز 5500 دولار في يناير/كانون الثاني. ويمكن أن يمثل شراء الذهب محاولة للحفاظ على قيمة الأصول وتنويع الاحتياطيات، لكنه لا يثبت بحد ذاته أن جميع هذه المشتريات جاءت كرد مباشر على الحرب أو أنها جزء من تحرك منسق للتخلص من الدولار.

حسابات واشنطن

من وجهة نظر الولايات المتحدة، قد تكون استفادة الصين من الحرب مثيرة للقلق على ثلاثة مستويات: زيادة معرفتها الاستخباراتية بالقوات الأميركية، واستمرارها في شراء النفط الإيراني رغم العقوبات، والتوسع التدريجي في استخدام اليوان في المبادلات التجارية. وفي هذا الإطار، قد تنظر واشنطن إلى أنشطة الشركات الصينية باعتبارها جزءًا من منافسة أوسع في مجالات التكنولوجيا والأمن الاقتصادي ومكافحة الالتفاف على العقوبات.

وتشكل العقوبات المفروضة على شركات الأقمار الصناعية الصينية مثالًا على الأدوات التي تستخدمها الولايات المتحدة للحد من وصول الجهات المنافسة إلى البيانات الحساسة. كما يمكن لواشنطن زيادة الرقابة على شبكات نقل النفط، واستهداف الوسطاء، وفرض قيود مالية، بهدف رفع تكلفة تجارة النفط الإيراني بالنسبة إلى المشترين الصينيين. غير أن مثل هذه الإجراءات قد ترفع أيضًا تكاليف تأمين الطاقة في أسواق أخرى، وتعزز الحافز لتطوير آليات دفع بديلة.

ويتمثل السيناريو الأول بالنسبة إلى بكين في مواصلة استراتيجيتها الحالية، أي تجنب التدخل العسكري، والحفاظ على العلاقات الاقتصادية مع إيران، وشراء الطاقة من مصادر متنوعة، واستخدام الاحتياطيات لتجاوز الأزمة.

أما السيناريو الثاني، فيتمثل في تصعيد الضغوط الأميركية وتقييد وصول الصين إلى النفط الإيراني، وبيانات الأقمار الصناعية، وشبكات التجارة، وهو ما قد يدفع بكين إلى التراجع التكتيكي أو تعزيز مسارات بديلة.

ويتمثل السيناريو الثالث في اتساع نطاق التوترات الاقتصادية والتكنولوجية بين القوتين، بحيث يتحول الخلاف بشأن إيران إلى أحد محاور المنافسة الأوسع بينهما. وقد تسرّع الصين في هذه الحالة جهود زيادة احتياطيات الذهب، وتوسيع التعاملات بعملات غير الدولار، وتعزيز استقلال سلاسل الإمداد. لكن تحويل هذه الاتجاهات إلى نظام بديل للنظام المالي العالمي سيظل عملية طويلة الأمد.

في المحصلة، يبدو أن الصين حصلت من الحرب على فرص استخباراتية واقتصادية ودبلوماسية، لكنها لا تملك السيطرة على تداعياتها. فإذا استمر اضطراب حركة الشحن لفترة طويلة، أو ارتفعت تكاليف الطاقة، أو شددت واشنطن ضغوطها، فقد يتحول جزء من المكاسب الحالية لبكين إلى أعباء.

وعليه، فإن اعتبار الصين «فائزًا» في الحرب ليس نتيجة محسومة، بل يعتمد على قدرة بكين على إدارة المنافسة، والحفاظ على مسارات الإمداد، ومنع تحول المكاسب قصيرة الأجل إلى أزمات استراتيجية.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واحد × 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى