الصحافة الإيرانية: هل تستطيع إيران ضرب ترامب من بوابة النفط والخليج؟
لا تبدو التكهنات المتعلقة بموعد الهجوم أو توقيت انطلاقه دقيقة أو جديرة بالثقة. ويبرز في البداية سؤال بشأن ما إذا كانت إيران ستلجأ إلى هجوم استباقي أو تبادر إلى شن عمليات هجومية أم لا.
ميدل ايست نيوز: أعلن دونالد ترامب بوضوح أنه لن يستخدم السلاح النووي ضد إيران، ولن يرسل قوات برية إلى أراضيها. وعزا هذا القرار إلى الانتصارات التي تحققها الولايات المتحدة حالياً، قائلاً إن بلاده لا تحتاج فعلياً إلى استخدام هذا السلاح أو إرسال قوات عسكرية.
يقول الكاتب والصحفي نادر كريمي جوني، في مقال لصحيفة جهان صنعت، إنه مع ذلك، لم يستبعد الرئيس الأمريكي استخدام قنبلة زنة 10 أطنان ضد إيران، تُعرف باسم «أم القنابل»، سبق أن استُخدمت مرة واحدة في قندهار ضد قوات تنظيم داعش. وهدد ترامب باستخدام هذه القنبلة ضد منشآت جبل الفأس، بهدف تدمير أي أنشطة نووية محتملة تُجرى في الموقع. لكن، خلافاً للقنابل التي استُخدمت لتدمير منشآت فوردو ونطنز في أصفهان، لا تمتلك القنبلة المذكورة، التي تزن 10 أطنان، القدرة على اختراق طبقات التربة العميقة. وبالنظر إلى ما يُقال عن أن المنشآت النووية في جبل الفأس تقع على ارتفاع أقل من منشأة فوردو، فإن احتمال إلحاق أضرار جسيمة بهذا الموقع باستخدام «أم القنابل» يظل ضئيلاً.
ويوضح خبراء عسكريون أن «أم القنابل» قادرة على تدمير مساحة واسعة من الأراضي، إذ يبلغ نطاق تأثيرها نحو كيلومترين، لكنها لا تستطيع اختراق طبقات التربة العميقة، ولا اختراق الصخور الصلبة وتفتيتها في حالة جبل الفأس. لذلك، فإن استخدامها ضد المنشآت النووية الإيرانية المقامة داخل الجبل والمخفية تحته لن يُلحق أضراراً كبيرة بالأنشطة الإيرانية أو ممتلكاتها أو منشآتها.
أما العنصر الثاني، فيتعلق بالهجوم البري. ففي الوقت الراهن، لا تستطيع أي من القطع البحرية الموجودة ضمن نطاق العمليات في الخليج أو المياه الإقليمية الإيرانية، أو تلك المتوقع وصولها إلى هذا النطاق خلال الأسابيع المقبلة والمشاركة في العمليات، إنزال قوات عسكرية على الأرض. ولهذا، حتى لو لم يصرح ترامب بأنه لا يعتزم شن هجوم بري على إيران، فإن طبيعة القطع البحرية الأمريكية الموجودة ضمن نطاق عمليات الخليج تكشف أنه لا توجد خطة لدى القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم» لشن هجوم بري على الجزر الإيرانية أو الأراضي الإيرانية نفسها.
لكن هذا الموقف بدد آمال أشخاص دأبوا خلال الأسابيع والأشهر الماضية على التعبير، في صورة تحليلات، عن توقعاتهم بأن الولايات المتحدة تعتزم خلال المعركة النهائية احتلال جزء من الأراضي الإيرانية، بما يشمل الجزر الإيرانية في الخليج، واستخدامه ورقة تفاوض مع طهران. وأدرك هؤلاء أن ما يوصف بالمعركة النهائية ضد إيران لن يتجاوز قصف بعض المنشآت، ولا سيما المنشآت النووية، حتى وإن لم يؤدِّ ذلك إلى إلحاق أضرار بنيوية بها أو إخراجها من دائرة النشاط والتشغيل.
كذلك، لا تبدو التكهنات المتعلقة بموعد الهجوم أو توقيت انطلاقه دقيقة أو جديرة بالثقة. ويبرز في البداية سؤال بشأن ما إذا كانت إيران ستلجأ إلى هجوم استباقي أو تبادر إلى شن عمليات هجومية أم لا.
ويرى بعض المحللين أن إيران اكتفت حتى الآن بالرد على الهجمات التي تعرضت لها، إذ كانت تستهدف، رداً على الهجمات الأمريكية، القواعد التابعة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، باستثناء إسرائيل. ويقول هؤلاء إن إيران قد تشن خلال الأسابيع المقبلة هجمات متوقعة على الأراضي الفلسطينية المحتلة للتأثير في الانتخابات الإسرائيلية. لكن هذا التحليل لا يراعي التوقيت المناسب، لأن أي هجوم على الأراضي المحتلة في الوقت الراهن يصب في مصلحة بنيامين نتنياهو، ويعزز حملته الدعائية وادعاءاته.
ولا ينتبه هؤلاء المحللون إلى أن إيران تعمل حالياً بإصرار وبصورة مدروسة على رفع مستوى التوتر في منطقة الخليج، ولا سيما في مضيق هرمز. فعلى الرغم من أن المسؤولين العسكريين الإيرانيين يقولون إن القطع البحرية التجارية التي تعرضت لأضرار خلال الأسبوع الماضي وقعت في حوادث نتيجة اصطدامها بألغام بحرية موجودة على المسار غير القانوني، فإن الصور المنشورة وتصريحات أفراد طواقم هذه السفن تشير إلى أن سفنهم انفجرت وتعرضت لحوادث إثر إصابتها بمقذوفات، يُرجح أنها طائرات مسيّرة.
في المقابل، كانت المقذوفات التي أصابت السفن العابرة للمسار غير القانوني تستهدف سابقاً محركات السفن وجسور القيادة فيها. وفي مثل هذه الحالات، كانت السفينة تتوقف عن الحركة وتبقى طافية على سطح الماء. أما في الحوادث الأخيرة التي وقعت هذا الأسبوع، ولا سيما تلك التي طالت سفناً تحمل الوقود والنفط الخام، فقد أصابت المقذوفات جوانب السفن، وتسببت انفجارات شديدة في مناطق من هياكلها باندلاع حرائق واسعة وغرقها.
ويشير ذلك إلى أن الجهات التي نفذت الهجمات على هذه السفن كانت تستهدف تدميرها وإغراقها، وعملت على تحقيق هذا الهدف. وقد يكون هذا التغيير في أسلوب الهجوم مقصوداً لرفع مستوى التوتر وتعزيز مخاوف مالكي السفن والقائمين على تشغيلها. وإذا كانت إيران هي الجهة التي تنفذ هذه العمليات، فيمكن الاستنتاج أن العسكريين الإيرانيين يسعون إلى تصعيد التوتر في مضيق هرمز والخليج.
يأتي ذلك في وقت التزمت فيه القيادة المركزية الأمريكية والولايات المتحدة، خلال الأسابيع الماضية، نوعاً من الصمت حيال حركة السفن المملوكة لإيران أو المرتبطة بها، رغم الحملات الدعائية المكثفة بشأن الحد من الأنشطة التجارية الإيرانية في الخليج. بل إن تقارير تحدثت عن أن واشنطن تدرس تخفيفاً عملياً للعقوبات المفروضة على أسطول الظل الإيراني، بالتزامن مع تخفيف العقوبات على روسيا بهدف زيادة مبيعات الديزل الروسي في الأسواق العالمية.
وتشير بعض الأدلة أيضاً إلى ارتفاع صادرات النفط الإيراني وخروجه من الخليج باستخدام سفن تابعة لدول مجاورة. فالولايات المتحدة تريد ضخ كميات أكبر من النفط والوقود من الخليج والدول المطلة عليه إلى الأسواق العالمية، للحيلولة دون ارتفاع الأسعار العالمية للنفط والديزل والبنزين.
ولا تولي واشنطن أهمية كبيرة لهوية النفط أو الوقود الذي يُضخ في الأسواق ويؤثر في الأسعار، سواء أكان إيرانياً أم عربياً. فالأهم بالنسبة إليها في الظروف الراهنة هو احتواء الأسعار، والأفضل أن تنخفض. في المقابل، تريد إيران أن تظل أسعار النفط والوقود مرتفعة في أوروبا وأمريكا الشمالية، وأن يظهر أثر هذه الأسعار المقلقة على ترامب في الانتخابات الأمريكية المقبلة، إذا كان من شأنها التأثير في فرصه الانتخابية.
ومن وجهة النظر الإيرانية، يكفي أن تتعرض السفن التجارية في الخليج للاستهداف، وأن ترتفع أسعار النفط والسلع في الأسواق العالمية، ولا سيما في الولايات المتحدة، التي تمثل مركز الثقل في هذه المعادلة. وإذا أدى ذلك إلى توجيه ضربة إلى نفوذ ترامب داخل الولايات المتحدة، فإن تداعياتها ستنعكس على إسرائيل أيضاً، وتحد من قدرة بنيامين نتنياهو على التحرك.



