الصحافة الإيرانية: هل تدفع إيران ثمن التلكؤ في عصر الذكاء الاصطناعي؟
من الواضح أن إيران لا تستطيع الحفاظ على وظائف اليوم إلى الأبد من خلال تأخير تبني التكنولوجيا. بل إن العقوبات والحرب تزيدان ضرورة الاستعداد لهذا التحول.
ميدل ايست نيوز: قد يتعامل الاقتصاد الإيراني مع موجة النمو العالمي المقبلة المدفوعة بالذكاء الاصطناعي بجدية، ولكن بعد فوات الأوان. فلم يعد هناك شك في أن الذكاء الاصطناعي يرتبط مباشرة بالقدرة الإنتاجية، والقدرة التنافسية للشركات، ومستقبل التوظيف في الاقتصاد. وبطبيعة الحال، ينبغي أن تكون كيفية التعامل مع تداعيات هذه التكنولوجيا إحدى أولويات السياسة الاقتصادية في إيران، التي عانت لسنوات من نمو ضعيف وغير مستقر، وتواجه حاليًا ضغوط العقوبات والحرب أيضًا. وإذا جاء هذا التعامل في الوقت المناسب واستند إلى الوعي والمعرفة، فقد يتيح فرصًا للاقتصاد الإيراني؛ أما إذا اقترن بالتأخير وسوء التقدير، فسيشكل تهديدًا للنمو الاقتصادي وفرص العمل.
يقول نيما نامداري، محلل الاقتصاد الرقمي، في مقال لصحيفة دنياي اقتصاد: تُعد دراسة «السيناريوهات الاقتصادية للذكاء الاصطناعي التحويلي» واحدة من أفضل الدراسات وأكثرها شمولًا بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي في النمو الاقتصادي. وقد نُشرت في سبتمبر 2026، ضمن ورقة عمل لشركة «أنثروبيك»، وأعدها أنطون كورينك وتشارلز جونز وشيمون ساخر وتيس كاتر وبيتر مككروري. وتوضح الدراسة أن انتشار الذكاء الاصطناعي، رغم قدرته على زيادة ثروة المجتمع بدرجة كبيرة، لا يعني بالضرورة استفادة جميع الفئات الاجتماعية، وبالتالي جميع البلدان، منه؛ إذ يواجه عدد كبير من العاملين خطر انخفاض الدخل أو فقدان فرص العمل.
وتتوقع «أنثروبيك» في تقريرها ثلاثة سيناريوهات للاقتصاد الأمريكي حتى مطلع عام 2030:
1- سيناريو «التغيير المحدود»
يشبه هذا السيناريو تقريبًا التأثير الذي أحدثه ظهور الإنترنت في النمو الاقتصادي. ففيه يعمل الذكاء الاصطناعي بوصفه تكنولوجيا تقليدية تحسّن كفاءة بعض الأنشطة، من دون أن تُحدث تحولًا سريعًا في بنية الاقتصاد.
وتتوقع «أنثروبيك» أن تتأثر نحو 4% فقط من المهام الاقتصادية بحلول عام 2030، مع ارتفاع إنتاجية هذه المهام بنسبة إجمالية تبلغ 35%. وينبغي الانتباه إلى أن كل وظيفة تتكون من مجموعة من المهام؛ فوظيفة المعلم، مثلًا، تشمل التدريس والتقييم وإدارة الصف وإرشاد الطلاب والتواصل مع أولياء الأمور، وقد لا تتأثر جميع هذه المهام بالذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السيناريو، يرتفع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.6% مقارنة بالمسار الافتراضي الذي لا يشهد استخدام الذكاء الاصطناعي، بينما يرتفع معدل النمو السنوي من 2% إلى 2.4%. كما يرتفع متوسط الأجور بنسبة 0.7%، في حين ترتفع البطالة الإجمالية من 3.8% إلى 3.9%. وتنخفض حصة العمالة من الدخل من 60% إلى 59.4%. وبذلك، تظل المكاسب الاقتصادية وضغوط التغيير على سوق العمل محدودة في هذا السيناريو.
2- سيناريو «التغيير الكبير»
يتحقق هذا السيناريو إذا أصبح الذكاء الاصطناعي تكنولوجيا أساسية للاقتصاد بأكمله. وفي هذه الحالة، تتأثر 12% من المهام الاقتصادية، وترتفع إنتاجية هذه المهام بنحو 57%.
ووفقًا للدراسة، يصبح الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي بحلول مطلع عام 2030 أعلى بنسبة 8.3% من المسار الأساسي، ويصل النمو السنوي إلى 5.4%. ومع ذلك، لا يرتفع متوسط الأجور سوى بنسبة 2.1%.
كما ينخفض التوظيف في الوظائف المعرفية، التي تشمل الإدارة والخدمات المتخصصة والمبيعات والأعمال الإدارية، بنحو 3.9% مقارنة بمستواه في عام 2026. وتتراجع حصة العمالة من الدخل من 60% إلى 56.1%.
3- سيناريو «التغيير الشديد للغاية»
يفترض هذا السيناريو تأثر ما يقرب من نصف المهام بالذكاء الاصطناعي. وفي ظله، يصبح الاقتصاد أكبر بنسبة 32.4% مقارنة بالمسار الأساسي، ويصل معدل النمو السنوي للاقتصاد الأمريكي إلى 15.4%.
في المقابل، ينخفض التوظيف في الوظائف المعرفية بنسبة 21.5%، وترتفع البطالة بين العاملين في هذه الفئة إلى 17.9%. كما تصبح أجورهم أقل بنسبة 11.5% مما كانت ستبلغه في غياب الذكاء الاصطناعي، بينما ترتفع أجور العاملين في الوظائف الأخرى بنسبة 33.6%. وهذا يعني أن حتى العاملين لن يستفيدوا جميعًا بالقدر نفسه من النمو الذي يولده الذكاء الاصطناعي.
بالطبع، لا تمثل هذه السيناريوهات توقعات حتمية، كما أن معدّي ورقة «أنثروبيك» لم يحددوا احتمالات وقوع أي منها. لكن الدراسة توضح، على أي حال، أنه حتى في الاقتصاد الأمريكي، ستذهب المكاسب في السيناريوهين الثاني والثالث إلى أصحاب رؤوس الأموال، لا إلى العمال. وهذا يعني أن الاقتصاد ينبغي أن يستعد لموجة واسعة من فقدان الوظائف، خصوصًا في المهن المعرفية التي تعتمد على القدرات الذهنية.
ومن هنا، يجدر النظر في وضع الاقتصاد الإيراني عشية مواجهة هذا التحول. فقد سجلت إيران نموًا اقتصاديًا ضئيلًا خلال السنوات الخمس عشرة الماضية. ووفقًا لتقرير مركز الإحصاء الإيراني، بلغ النمو الاقتصادي في السنة الإيرانية 1404، المنتهية في مارس 2026، نحو 0.2% مع احتساب النفط، فيما سجل الاقتصاد انكماشًا بنسبة 0.3% من دون النفط. ولم ينمُ قطاع الخدمات سوى بنسبة 0.3%، بينما تقلص قطاع الصناعة بنسبة 1.5%.
ومن الواضح أن الاقتصاد الإيراني يعاني بشدة من أزمتي الاستثمار والإنتاجية. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزز جاذبية التمويل من خلال زيادة عوائد الاستثمار، كما يمكنه رفع الإنتاجية عبر تحسين كفاءة الوظائف المعرفية.
ويكتسب قطاع الخدمات أهمية خاصة في إيران، إذ يعمل فيه أكثر من نصف القوى العاملة في البلاد. وهو أيضًا القطاع الذي يُتوقع أن يشهد أكبر تأثير للذكاء الاصطناعي. فالوظائف في قطاعات مثل المصارف والتأمين والبرمجيات والتعليم والخدمات المهنية تتكون من مهام يمكن إنجازها بكفاءة أكبر باستخدام هذه التكنولوجيا.
وقد تساعد هذه الفرصة على تحسين تخصيص رأس المال، لكنها ستؤدي بالتأكيد أيضًا إلى ارتفاع البطالة. غير أن المشكلة تكمن في أن العقوبات والحرب تجعل الاستفادة من هذه الفرصة أكثر صعوبة بالنسبة إلى الاقتصاد الإيراني. فالعقوبات تحد من التمويل والعلاقات الاقتصادية مع العالم، بينما تلحق الحرب أضرارًا بالبنية التحتية وتزيد حالة عدم اليقين التي تحيط بالاستثمار.
وفي مجال تطوير الذكاء الاصطناعي، قد تؤدي هذه الضغوط إلى صعوبة الوصول إلى المعدات والخدمات ورؤوس الأموال. ومع ذلك، فإن تأجيل التحول التكنولوجي إلى حين زوال جميع الأزمات يزيد خطر التخلف عن الركب.
كما تلعب بنية السوق دورًا حاسمًا. فالشركات التي لا تشعر بضغوط المنافسة تكون أقل حافزًا لتغيير أساليب عملها أو نقل فوائد خفض التكاليف إلى المستهلكين. وإذا احتكرت جهات معينة الوصول إلى البيانات والقدرات الحاسوبية، فستذهب فوائد الذكاء الاصطناعي بصورة أكبر إلى الشركات المتمتعة بموارد أفضل، بينما ستتخلف الشركات الصغيرة عن الركب.
وإذا لم تؤخذ هذه المشكلات على محمل الجد، فستكون هناك ثلاثة تداعيات محتملة:
أولًا، اتساع فجوة الإنتاجية بين إيران ومنافسيها. ستتمكن الشركات الأجنبية من تقديم خدمات البرمجيات والتصميم والدعم بسرعة أكبر وبتكلفة أقل. وفي هذه الحالة، لن تعود الأجور المنخفضة وحدها ميزة تنافسية كافية. وقد يؤدي إغلاق السوق المحلية إلى إخفاء هذه الضغوط، لكن تكلفته ستظل ظاهرة في ارتفاع الأسعار وتراجع الجودة، على غرار ما حدث في صناعة السيارات.
ثانيًا، احتمال تجاوز الوظائف التي ستختفي عدد فرص العمل الجديدة التي ستنشأ. فقد تلجأ الشركات إلى التكنولوجيا لخفض التكاليف، لكن نقص رأس المال والعوائق التي تواجه ممارسة الأعمال قد يحولان دون تطوير أنشطة جديدة. ونتيجة لذلك، ستتعرض فرص التوظيف ودخول العاملين في الوظائف الإدارية والمتخصصة لضغوط، من دون أن تحقق إيران معدلات النمو المرتفعة الواردة في سيناريوهات «أنثروبيك».
ثالثًا، اتساع الفجوة بين الشركات المجهزة بالتكنولوجيا والأنشطة التجارية منخفضة الإنتاجية. فمن شأن زيادة تركز السوق وتراجع الفرص المتاحة للشركات الصغيرة أن يحدّا من النمو المحتمل للاقتصاد. وقد تجد إيران نفسها محرومة من جانب من مكاسب التكنولوجيا، في الوقت الذي تتحمل فيه تكاليف التحولات التي تفرضها.
ومن الواضح أن إيران لا تستطيع الحفاظ على وظائف اليوم إلى الأبد من خلال تأخير تبني التكنولوجيا. بل إن العقوبات والحرب تزيدان ضرورة الاستعداد لهذا التحول.
إن التعامل الجاد مع الذكاء الاصطناعي يعني إتاحة فرص النمو أمام الشركات، وتصميم مسار يضمن حصول المواطنين أيضًا على نصيب من فوائده. وهذا المسار يمر حتمًا عبر توفير إنترنت مستقر، وكهرباء موثوقة، وإمكانية الوصول إلى الأدوات والمعارف العالمية، وتهيئة الظروف الملائمة للاستثمار.



