الصحافة الإيرانية: ماذا يمكن لإيران أن تتعلم من تجربة “إثيوبيا”؟
يمكن لتجربة الخطوط الجوية الإثيوبية أن تقدّم درساً لإيران: فالتنمية لا تتطلب دائماً بيئة مثالية، بل إدارة كفؤة، واستثماراً في الكوادر، وتعلّماً مستمراً.
ميدل ايست نيوز: ماذا تستحضر إثيوبيا في أذهاننا؟ إذا أخبرتكم الآن أن تجربة جرى تطبيقها في هذا البلد يمكن أن تفتح آفاقاً أمام الدول التي تأخرت في مسار التنمية، مثل إيران، فستندهشون بالتأكيد. فما القصة؟
كتب الأستاذ ابراهيم شيخ، عضو هيئة التدريس في منظمة الإدارة الصناعية الإيرانية، في صحيفة دنياي اقتصاد: يقدّم كتاب «كيف تتعلم الأمم» (أوكوباي وأونو، 2019)، وهو كتاب مرجعي معتمد، الخطوط الجوية الإثيوبية بوصفها أحد النماذج الناجحة للتعلم والتنمية في الدول المتأخرة تنموياً. فقد تحولت هذه الشركة من بلد عانى الحرب الأهلية والمجاعة، ولم تتجاوز نسبة الإلمام بالقراءة والكتابة فيه نحو 4%، إلى أكبر شركة طيران في أفريقيا، بإيرادات سنوية تبلغ نحو 9 مليارات دولار، وأسطول يضم أكثر من 140 طائرة، وخدمات تصل إلى أكثر من 140 وجهة حول العالم. (أما أكبر شركة طيران إيرانية، فلا تتجاوز معداتها وإيراداتها وحجم أنشطتها نحو 10% من مستويات الشركة الإثيوبية، إذا استثنينا عدد الموظفين).
تتحدى هذه التجربة مجموعة من الافتراضات الشائعة. أولها أن ملكية الدولة للشركات تعيق تطورها. فقد كانت هذه الشركة خاضعة لإشراف الوزير المختص في الحكومة، الذي كان يرأس مجلس إدارتها، لكن المجلس ضم أيضاً عضوين إثيوبيين وعضوين يمثلان الشريك الأميركي. وثانيها أن امتلاك ميزة نسبية شرط ضروري لتطوير الصناعة. غير أن إثيوبيا لم تكن، وفق أي تحليل، تمتلك ميزة نسبية في صناعة الطيران خلال خمسينيات القرن الماضي. أما الافتراض الثالث، فيتمثل في أن تطوير الشركات الكبرى لا يمكن أن يحدث إلا في بيئة اقتصادية وطنية مناسبة، وفي ظل الاستقرار السياسي والوصول إلى الأسواق العالمية وغياب العقوبات.
لكن الحقيقة أن الخطوط الجوية الإثيوبية واصلت مسارها التنموي في أسوأ الظروف المحيطة، بما فيها الحرب الأهلية وانهيار سلطة الدولة والمجاعة والعزلة الدولية والفقر المدقع. (وقد ظلت صور إثيوبيا التي نشرتها مجلة «إيكونوميست»، إلى جانب عناوينها التي وصفتها بأنها من أكثر دول العالم إثارة لليأس، لسنوات تعكس هذه الحقيقة).
وعليه، فإن البيئة المناسبة ليست الشرط الوحيد للتنمية؛ بل إن التصميم المؤسسي داخل الشركة قد يتغلب حتى على غياب البيئة الوطنية الملائمة، ليصبح بدوره شرطاً أساسياً للتطور. وهذا درس بالغ الأهمية لإيران في المرحلة الراهنة.
وبالنسبة إلى الشركات الإيرانية الكبرى التي تواجه العقوبات والحصار، والقيود المفروضة على الوصول إلى التكنولوجيا، وعدم الاستقرار الاقتصادي، فإن هذه التجربة تقدم عدة دروس عملية:
أولاً، تعزيز حوكمة الشركات وفصل الإدارة عن السياسة. فقد نجحت الخطوط الجوية الإثيوبية في تحصين المعايير التشغيلية والقرارات الإدارية، إلى حد كبير، من التدخل السياسي. وحتى عندما تصاعدت الحروب الأهلية، قررت الشركة الاحتفاظ بأصولها في بلد آخر ونقل عملياتها الجوية إلى دول أخرى. وعلى الشركات الإيرانية أيضاً إنشاء آليات تضمن احترافية اتخاذ القرارات، والشفافية المالية، والمساءلة الإدارية، ليس بالضرورة بوصف ذلك مثالاً أخلاقياً أعلى، بل باعتباره وسيلة لحماية مصالح المساهمين وضمان استمرارية الشركة على المدى الطويل.
ثانياً، الاستثمار في تطوير الإدارة ورأس المال البشري. لم توقف الخطوط الجوية الإثيوبية التدريب وتأهيل الكوادر حتى في أصعب سنوات الحرب والمجاعة. واليوم، لا تكتفي أكاديمية الطيران التابعة للشركة بتلبية الاحتياجات المحلية، بل تدرب أيضاً مئات الأشخاص من مختلف أنحاء أفريقيا. وعلى الشركات الإيرانية أن تتعامل مع التدريب باعتباره نفقة ثابتة واستثماراً مستمراً، لا أول بند يسهل الاستغناء عنه عند وقوع الأزمات.
ثالثاً، اختيار شريك استراتيجي لتطوير التكنولوجيا. فقد بدا اتفاق الخطوط الجوية الإثيوبية مع شركة «تي دبليو إيه» الأميركية، ظاهرياً، وكأنه تنازل عن الإدارة، لكنه حوّل في جوهره نقل القدرات إلى التزام قابل للتنفيذ. وينبغي للشركات الإيرانية أن تجعل «نقل القدرات» شرطاً تعاقدياً في كل تعاون خارجي، بدلاً من التعامل معه بوصفه أملاً في التزام أخلاقي من الشريك.
رابعاً، التركيز على التعلم والاستثمار فيه. فبدلاً من تشتيت جهودها في عشرات المجالات، ركزت الخطوط الجوية الإثيوبية قدراتها على صناعة واحدة، وعملت على تطويرها حتى بلغت مستوى عالمياً. وينبغي للشركات الإيرانية أيضاً التركيز على المجالات التي تستطيع فيها تحقيق الكفاءة الاستراتيجية.
خامساً، تصدير القدرات، لا المنتجات وحدها. تقدم الخطوط الجوية الإثيوبية اليوم خدمات الإدارة الفنية والتشغيلية في عدد من الدول الأفريقية. ويمكن للشركات الإيرانية أن تطرح قدراتها في إدارة المشاريع والهندسة والخدمات اللوجستية في الأسواق الإقليمية بوصفها منتجات قابلة للتصدير.
خلاصة القول، إن التنمية ليست بالضرورة نتاجاً لبيئة مناسبة، بل قد تكون ثمرة التعلم المستمر والتصميم المؤسسي داخل المنظمة. وبدلاً من انتظار تهيؤ الظروف الملائمة، تستطيع الشركات الإيرانية الكبرى مواصلة مسارها التنموي منذ الآن، من خلال تعزيز حوكمة الشركات، والاستثمار في تنمية رأس المال البشري، والاختيار الذكي للشركاء التكنولوجيين، والتركيز على التعلم، تماماً كما فعلت إثيوبيا في أصعب الظروف.



