من القوقاز إلى بلاد الشام.. شبكة غاز جديدة تعيد ترتيب المصالح الإقليمية

كشف التعاون بين قطر وتركيا وجمهورية أذربيجان لنقل الغاز إلى سوريا عن أبعاد جديدة للتنافس الجيوسياسي على مسارات الطاقة في الشرق الأوسط.

ميدل ايست نيوز: كشف التعاون بين قطر وتركيا وجمهورية أذربيجان لنقل الغاز إلى سوريا عن أبعاد جديدة للتنافس الجيوسياسي على مسارات الطاقة في الشرق الأوسط. ففي الوقت الذي بدأ فيه نقل الغاز الأذربيجاني إلى سوريا عبر الأراضي التركية، وضعت شركة قطرية أيضاً توسيع خط الغاز العربي على جدول أعمالها.

وتناول فرانشيسكو ساسي، المحلل المتخصص في الجغرافيا السياسية للطاقة، أبعاد هذا التعاون في مقال بعنوان «إعادة رسم جغرافية بلاد الشام: توسيع خط الغاز العربي والمحور الجيوسياسي الجديد»، نشرته مجلة «Energy Geopolitics & Statecraft» التحليلية. ويرى ساسي أن تطوير خطوط الأنابيب وشبكات نقل الطاقة لا يمثل مجرد تحول اقتصادي، بل يمكن أن يعيد رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط. ووفقاً لتحليله، فإن تشكّل محور يضم باكو وأنقرة ودمشق والدوحة يعكس مساعي الأطراف الإقليمية لإنشاء شبكة جديدة من الروابط الاقتصادية والسياسية، قد تتجاوز تداعياتها حدود سوريا.

وبحسب المقال، تتضح أهمية هذا التحول بصورة أكبر عند النظر إلى الدور التقليدي لسوريا في خريطة نقل الطاقة. فبفضل موقعها الجغرافي بين تركيا والعراق والأردن وساحل البحر المتوسط، امتلكت سوريا دائماً مقومات التحول إلى أحد الممرات الرئيسية لنقل الطاقة. لكن سنوات الحرب الأهلية وتدمير البنية التحتية والقيود المفروضة على الاستثمارات أدت إلى فقدان جزء كبير من هذه الإمكانات. ويبدو الآن أن أطرافاً جديدة تسعى إلى استعادة موقع سوريا على خريطة الطاقة الإقليمية من خلال الاستثمار في شبكات الغاز والكهرباء.

من بحر قزوين إلى دمشق.. مسار جديد لنقل الغاز

يكتب ساسي في مقاله أن البداية الفعلية للتعاون الجديد تعود إلى 2 أغسطس 2025، عندما بدأ رسمياً نقل الغاز الأذربيجاني إلى سوريا عبر تركيا. ووفقاً للاتفاقات المبرمة، يصل الغاز المستخرج من حقل شاه دنيز في بحر قزوين إلى منطقة كيليس عبر البنية التحتية التركية لنقل الغاز، قبل أن يدخل إلى شبكة الغاز السورية في حلب.

ونُفذ المشروع بمشاركة أذربيجان وتركيا وسوريا، وبدعم مالي من قطر. وفي المرحلة الأولى، خُطط لتصدير 1.2 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً، فيما تحدث مسؤولون أتراك عن إمكانية رفع قدرة النقل إلى 6 ملايين متر مكعب يومياً.

وتُظهر أحدث بيانات وزارة الطاقة الأذربيجانية أن صادرات البلاد من الغاز إلى سوريا بلغت 1.2 مليار متر مكعب خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026. يشير هذا الرقم إلى تحول سوريا إلى إحدى وجهات تصدير الغاز الأذربيجاني، وإلى انتقال التعاون في مجال الطاقة بين البلدين إلى ما يتجاوز مرحلة الاتفاقات الأولية.

وفي امتداد لهذا المسار، بدأت شركة «يو سي سي هولدينغ» (UCC Holding) القطرية تنفيذ المرحلة الثانية من مشروع توسيع خط الغاز العربي. ويتضمن المشروع إنشاء خط أنابيب بطول 186 كيلومتراً بين حمص وحلب، بقطر يبلغ 36 بوصة، وبقدرة على نقل 11 مليون متر مكعب من الغاز يومياً.

ووفقاً للخطة المعلنة، يستغرق تنفيذ خط الأنابيب نحو 22 شهراً، ومن المتوقع استكماله بحلول عام 2028. ويمكن لهذه البنية التحتية أن تعزز ترابط شبكة نقل الغاز السورية، وتزيد القدرة على نقل الغاز بين المناطق الشمالية والجنوبية من البلاد.

ومن المنظور الجيوسياسي، تكتسب هذه المشاريع أهميتها من إمكانية ربط شبكات الغاز بما يتجاوز الأراضي السورية. فقد صُمم خط الغاز العربي في الأصل لنقل الغاز المصري إلى الأردن وسوريا ولبنان. ومن شأن ربط القدرات الجديدة بهذه الشبكة أن يتيح توسيع التعاون الإقليمي، وإن كان إنشاء مسارات جديدة للتصدير سيظل مرتبطاً بالاتفاقات التجارية وتوافر إمدادات الغاز واستكمال البنية التحتية.

وفي تحليل ساسي، يُعد تطوير هذه الشبكة أحد المؤشرات على تشكّل محور جديد للطاقة بين أذربيجان وتركيا وسوريا، وهو محور قد يوسّع النفوذ الاقتصادي لباكو، لينتقل من أسواقها التقليدية في منطقة القوقاز وأوروبا إلى بلاد الشام.

عزلة طهران وإعادة تشكيل العلاقات الإقليمية

يعكس التعاون الجديد في قطاع الطاقة السوري توزيعاً للأدوار بين الأطراف الإقليمية. فأذربيجان تتولى دور مورّد الغاز، وتركيا توفر ممر نقل الطاقة وتشارك بوصفها أحد المنفذين الرئيسيين لمشاريع البنية التحتية، فيما تؤدي قطر دوراً مؤثراً في تنفيذ المشاريع من خلال الدعم المالي والاستثمارات.

وبالنسبة إلى أنقرة، يمثل توسيع هذا التعاون فرصة لترسيخ مكانة تركيا بوصفها أحد الممرات الرئيسية لنقل الطاقة في المنطقة. فقد تمكنت تركيا سابقاً من تعزيز موقعها في سوق الطاقة عبر تطوير شبكات نقل الغاز من أذربيجان وروسيا. ويمكن الآن لربط شبكة الغاز التركية بسوريا أن يوسّع نطاق النفوذ التركي في مجال الطاقة باتجاه الجنوب.

أما قطر، فإلى جانب مكانتها الراسخة في السوق العالمية للغاز الطبيعي المسال، فإن استثمارها في محطات توليد الكهرباء والبنية التحتية لنقل الغاز في سوريا يتيح لها تعزيز حضورها الاقتصادي المباشر في بلاد الشام.

ويشير ساسي في مقاله إلى أهمية هذه التطورات في ظل اضطراب مسارات نقل الطاقة التقليدية وتزايد هشاشة الممرات البحرية الاستراتيجية. ويرى أن تطوير طرق برية لنقل الطاقة يمكن أن يتحول إلى إحدى أدوات إعادة ترتيب موازين القوى الإقليمية.

لكن الجزء الأهم في تحليله يتعلق بتداعيات هذا التعاون على إيران. إذ يرى ساسي أن توسع صادرات الغاز الأذربيجاني إلى سوريا يعزز النفوذ الإقليمي لباكو، ويحد في الوقت نفسه من أدوات نفوذ طهران. ويكتب: «إن صادرات الغاز الأذربيجاني إلى بلاد الشام توسّع النفوذ الإقليمي لباكو، وتضعف في الوقت نفسه أدوات نفوذ إيران».

وبحسب رؤية محلل شؤون الطاقة، فإن سرعة تشكّل شبكات التعاون الجديدة تمثل العامل الأهم. ففي الوقت الذي تعمل فيه قطر وتركيا وأذربيجان على تحويل تعاونها السياسي إلى عقود تنفيذية ومشاريع للبنية التحتية، يواجه الحضور الاقتصادي الإيراني في سوق إعادة إعمار قطاع الطاقة السوري تساؤلات جدية.

وتُظهر التطورات في سوريا أن إعادة إعمار البنية التحتية للطاقة في الشرق الأوسط لم تعد مرتبطة بالاحتياجات الاقتصادية للدول وحدها. فمسارات خطوط الأنابيب، ومواقع إنشاء محطات توليد الكهرباء، وتركيبة المستثمرين، يمكن لكل منها أن يتحول إلى أداة للتأثير في العلاقات السياسية.

من هذا المنطلق، فإن ما يجري حالياً من نقل للغاز الأذربيجاني وإنشاء محطات جديدة لتوليد الكهرباء في سوريا قد يصبح خلال السنوات المقبلة جزءاً من منظومة جديدة للترابط في مجال الطاقة بالشرق الأوسط. وفي ظل هذه المنظومة، ستتمتع الدول التي تبادر إلى الاستثمار في البنية التحتية للطاقة بفرص أكبر للتأثير في المعادلات السياسية والاقتصادية للمنطقة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

15 + 17 =

زر الذهاب إلى الأعلى