سيادة منقوصة وذرائع متجددة: كيف يحسم العراق ملف القواعد التركية؟
وسط إصرار تركي على ربط بقائها العسكري في العراق بضمان أمن الحدود ونزع سلاح حزب العمال الكردستاني، تتصاعد مطالبات عراقية بوضع جدول زمني صارم للانسحاب وفرض السيادة الوطنية.
ميدل ايست نيوز: وسط إصرار تركي على ربط بقائها العسكري في العراق بضمان أمن الحدود ونزع سلاح حزب العمال الكردستاني، تتصاعد مطالبات عراقية بوضع جدول زمني صارم للانسحاب وفرض السيادة الوطنية. وفيما تبرز تحركات سياسية لإنهاء هذا الملف وحصر السلاح بيد الدولة، يحذر خبراء من أن تماطل أنقرة في تسليم القواعد والمعسكرات قد يخلق ذرائع جديدة لاستمرار التواجد العسكري وتوسعه على الأراضي العراقية.
موقف حكومي وسياسي
ويقول عضو ائتلاف دولة القانون خالد علوان الشلال، إن ”إعلان تركيا استمرار وجودها العسكري في العراق يمثل انتهاكاً للسيادة العراقية”، داعياً إلى ”ضرورة اتخاذ موقف حكومي وبرلماني وسياسي موحد تجاه هذه التصريحات، ولا سيما أنها صدرت عن مسؤول تركي رفيع المستوى”.
ويضيف، أن “الإطار التنسيقي سيكون له موقف من التصريحات التركية، باعتبارها انتهاكاً لسيادة العراق”، مبيناً أن ”النظام السياسي والعملية السياسية في البلاد قائمان، وأن العراق يتمتع بالسيادة الكاملة على أراضيه، وفقاً لما أعلنه رئيس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة، خصوصاً بعد انسحاب القوات الأجنبية والأمريكية من العراق قبل أسابيع”.
ويتابع، أن “الإطار التنسيقي، إلى جانب الفعاليات الاجتماعية والسياسية والجهات الرسمية، مطالب باتخاذ موقف تجاه استمرار الوجود العسكري التركي، لأن حماية سيادة البلاد تمثل أولوية لا يمكن التهاون فيها”.
وأكد وزير الدفاع التركي يشار غولر، أمس الثلاثاء (20 تشرين الأول أكتوبر)، استمرار وجود قوات بلاده في العراق وسوريا حتى ضمان أمن الحدود بالكامل، مشيراً إلى أن أنقرة ستعيد النظر في مواقع قواعدها وانتشارها عند تحقق الظروف الأمنية اللازمة.
وتنسجم تصريحاته مع موقف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الذي ربط خفض الوجود العسكري بتنفيذ بغداد خطة نزع سلاح الجماعات المسلحة، وفي مقدمتها حزب العمال الكردستاني والجماعات المرتبطة به في سنجار.
اتفاقات مستمرة
ويوضح الشلال، أن ”هناك تفاهمات رسمية واتفاقات مستمرة بين العراق وتركيا بشأن الشريط الحدودي، تتطلب الوصول إلى رؤية مشتركة لحفظ الأمن، لا سيما في المرحلة الحالية التي تشهد توجهات لنزع السلاح وحصره بيد الدولة، وهو ما يستدعي توفير بيئة أمنية مستقرة على مستوى المنطقة والإقليم والدول المجاورة للعراق”.
ويعتبر، أن ”انسحاب القوات التركية من المناطق الحدودية التي تسيطر عليها يمكن أن يجري تدريجياً في حال التوصل إلى اتفاق بين الجهات الرسمية في البلدين، تجنباً لحدوث فراغ أمني قد تستغله الجماعات المسلحة أو الجهات التي تحمل السلاح، لذا يتوجب وضع جدول زمني للانسحاب بعد تأمين المناطق الواقعة على الشريط الحدودي”.
ويرى عضو ائتلاف دولة القانون، أن ”تحقيق الاستقرار في تلك المناطق يتطلب القضاء على الجماعات الإرهابية، والتعاون في تنفيذ الخطط الأمنية المشتركة بين البلدين، بما يسهم في حماية الأمن الإقليمي ومنع تحركات التنظيمات الإرهابية”.
تحركات رسمية
ويؤكد الشلال، أن” الإطار التنسيقي، بوصفه داعماً للحكومة ومؤثراً في المسارين الحكومي والبرلماني، سيتحرك على المستويين الرسمي والحكومي لرسم ملامح جدول زمني لانسحاب القوات التركية”، مضيفاً أن “تأمين المناطق الحدودية وتوفير البيئة الأمنية المناسبة يجب أن يقودا إلى عودة تلك القوات إلى مواقعها داخل أراضيها”.
ويبين، أن ”التحرك الحكومي والبرلماني المطلوب يمثل إجراءً لحماية السيادة العراقية، باعتبار أن من المسؤوليات الأساسية للأنظمة السياسية في مختلف دول العالم فرض سيادة بلدانها وحمايتها”، عاداً “أي اعتداء على الأراضي العراقية، من أي جهة كانت، انتهاكاً للسيادة الوطنية”.
ويخلص الشلال إلى ”ضرورة إتاحة المجال أمام الاتصالات والتفاهمات والاتفاقات الجارية بين الجهات الرسمية في البلدين، حيث هناك تحركات رسمية مستمرة لمعالجة الملف، وأن سيادة العراق تبقى الأساس في جميع التفاهمات، فيما يتحمل النظام السياسي العراقي القائم مسؤولية حمايتها”.
ومنذ عام 2015، تستخدم القوات التركية معسكر بعشيقة – زيلكان في محافظة نينوى، الذي تقول أنقرة إنه أُنشئ بطلب من السلطات العراقية ضمن جهود مكافحة تنظيم داعش، قبل أن يصبح ملف وجوده العسكري موضع خلاف يتعلق بالسيادة العراقية.
وفي 2 تشرين الأول أكتوبر 2026، أعلنت وزارة الدفاع التركية، عزمها تسليم معسكر بعشيقة – زيلكان إلى السلطات العراقية تدريجياً، وفق آلية وجدول زمني متفق عليهما، من دون تحديد موعد نهائي، مؤكدة استمرار دعمها العسكري للعراق رغم عملية التسليم.
وبعد نحو أسبوعين، كشف الناطق العسكري باسم الحكومة العراقية صباح النعمان، عن جدول زمني يمتد إلى ثلاثة أشهر لإنهاء الوجود العسكري التركي شمالي العراق، مع استلام القواعد تدريجياً.
جاء ذلك عقب لقاء رئيس الوزراء علي الزيدي والرئيس التركي رجب طيب أردوغان في نيويورك خلال أيلول 2026، الذي أعقبه بيان مشترك بشأن بسط سلطة الدولة في سنجار وإنهاء وجود الجماعات المسلحة التابعة لحزب العمال الكردستاني، وتسليم معسكر زيلكان وفق جدول متفق عليه.
منذ عام 1982
من جهته، يقول الخبير الأمني صفاء الأعسم، أن ”الوجود التركي داخل الأراضي العراقية لا يمثل تطوراً جديداً، بل يعود إلى ما قبل عام 2003، وتحديداً إلى عهد النظام السابق”، مشيراً إلى أن “القوات التركية كانت تنفذ اختراقات للحدود العراقية بذريعة ملاحقة حزب العمال الكردستاني، الذي يضم أعضاء ومقاتلين من الجنسية التركية دخلوا إلى الأراضي العراقية”.
ويضيف، أن ”استمرار وجود حزب العمال الكردستاني داخل العراق يعكس وجود أذرع خارجية وأخرى داخلية استغلت هذا الملف، فضلاً عن توفير التمويل والأسلحة والعتاد والعجلات ومختلف أشكال الدعم”، لافتاً إلى أن ”الحزب موجود داخل الأراضي العراقية منذ عام 1982، وأن وجوده توسع بمرور السنوات ليشمل قرى وعوائل وعشائر، وصولاً إلى وجود مراكز شرطة ومخاتير تابعين له، وهو ما أتاح استمرار التوغلات التركية”.
ويتابع، أن ”نطاق التوغل التركي كان محدداً في البداية بخمسة كيلومترات داخل الأراضي العراقية، قبل أن يرتفع إلى 15 كيلومتراً خلال الحكم السابق، فيما شهدت مرحلة ما بعد عام 2003 قراراً يتيح اختراق الحدود لمسافة تصل إلى 30 كيلومتراً، بهدف السيطرة على المناطقق المستهدفة وضرب المعارضة التركية”.
أكثر من 12 معسكراً
وفي ما يتعلق بإمكانية إنهاء الوجود العسكري التركي بالتزامن مع نزع سلاح حزب العمال الكردستاني، يعقتد الأعسم أن ”تركيا لم تكن جادة في إنهاء هذا الملف، حيث إن عبد الله أوجلان سلم الدفعة الأولى من السلاح في تموز من العام الجاري، قبل أن تتوقف تركيا عن المضي في هذا المسار نتيجة تطلعها إلى البقاء داخل العراق لمدة طويلة”.
ويلفت إلى أن “تركيا أنشأت فصائل وعشائر، وجمعت أكثر من 12 معسكراً داخل الأراضي العراقية”، مؤكداً أن ”بغداد قادرة على تأمين حدودها، شريطة إنهاء ملف حزب العمال الكردستاني”.
وبشأن مخاطر تحول قاعدة زيلكان التركية إلى وجود عسكري دائم، يعرب الأعسم عن مخاوفه من “استمرار توسع القاعدة”، موضحاً أنها “أنشئت منذ نحو 13 إلى 14 عاماً، وشهدت تطوراً تدريجياً شمل إقامة معسكرات ووجود مقاتلين ومدربين أكراد وقوات تركية في شمال العراق”.
ذريعة للفصائل
وينبه الخبير الأمني إلى أن ”التوغل التركي وصل، قبل نحو عامين أو أكثر بقليل، إلى مسافة تتراوح بين 70 و80 كيلومتراً داخل محافظة دهوك، الأمر الذي أسهم في تعزيز الوجود العسكري التركي وتحوله إلى قاعدة كبيرة”.
ولا يستبعد الأعسم، أن تتخذ بعض الفصائل من استمرار الوجود العسكري التركي ذريعة لرفض نزع سلاحها، مستذكراً الاتفاق الذي جرى خلال عهد رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني بشأن إنهاء وجود القوات التركية.
ويشدد على أن ”إنهاء ملف حزب العمال الكردستاني يسقط أي مبرر لاستمرار وجود القوات التركية داخل العراق”، مؤكداً ضرورة ”استكمال نزع السلاح وإنهاء وجود جميع الوحدات والقوات الخارجة عن سيطرة الدولة، باعتبار أن قرار الحرب والسلم يجب أن يبقى محصوراً بيد القوات المسلحة العراقية”.
وهكذا، تقابل مهلة بغداد المحددة بثلاثة أشهر شروط تركية مفتوحة تتعلق بأمن الحدود ونزع السلاح، ليبقى السؤال قائماً: هل ينتهي الوجود العسكري التركي بتسليم زيلكان، أم أن الانسحاب سيظل مرهوناً بالتقديرات الأمنية لأنقرة؟



