مخاض تشكيل حكومة كردستان العراق: عامان من الخلاف على النفوذ

بعد حسم ملف الحقائب الوزارية المتبقية في الحكومة الاتحادية تتجه الأنظار نحو إقليم كردستان العراق، حيث لا تزال مفاوضات تشكيل حكومة كردستان العاشرة تواجه ملفات خلافية بين القوى السياسية.

ميدل ايست نيوز: بعد حسم ملف الحقائب الوزارية المتبقية في الحكومة الاتحادية، في 15 أكتوبر/ تشرين الأول الحالي، تتجه الأنظار نحو إقليم كردستان العراق، حيث لا تزال مفاوضات تشكيل حكومة كردستان العاشرة تواجه ملفات خلافية بين القوى السياسية، وتحديداً على المناصب الهامة وتوزيع النفوذ والإدارة المالية والسيطرة على الملف العسكري.

وبينما يسعى الحزب الديمقراطي الكردستاني (الحاكم في أربيل) إلى تثبيت موقعه بوصفه القوة الأكبر انتخابياً، يطالب الاتحاد الوطني (الحاكم في السليمانية) بضمانات تتيح له المشاركة الفعلية في إدارة الإقليم، وعدم اقتصار الشراكة على توزيع الحقائب الوزارية. ومنذ أكتوبر 2024، لم تُشكّل حكومة كردستان بسبب الخلافات على توزيع المناصب وصلاحيات إدارة الحكومة، سواء في الإقليم، أو الأدوار التي يحصل عليها كل منهما في بغداد، فضلاً عن طبيعة الشراكة بين الحزبين في اتخاذ القرارات.

ويمثل هذان الحزبان الجهتين الفاعلتين بشكل عام في حسم تشكيل الحكومة الجديدة، في ظل تقارب عدد المقاعد التي حصل عليها الطرفان في انتخابات أكتوبر 2024. فقد حصد الحزب الديمقراطي 39 مقعداً، مقابل 23 مقعداً للاتحاد الوطني في البرلمان المؤلف من 100 مقعد. ولم تقتصر مفاوضات تشكيل الحكومة على الحزبين التقليديين، بل امتدت إلى قوى أخرى، أبرزها حركة الجيل الجديد التي تحالفت مع الاتحاد الوطني الذي يقوده بافل الطالباني، مع تحالف قوى أخرى مع الحزب الديمقراطي الذي يقوده مسعود البارزاني.

المفاوضات تتواصل بين الحزبين الكرديين الرئيسيين

وأكد نائب رئيس حكومة كردستان قوباد الطالباني، أخيراً، وجود عدد من نقاط الخلاف التي لا تزال عالقة بين الحزبين، لأن المفاوضات لا تزال مستمرة. وقال الطالباني، في مؤتمر صحافي، إن “المشاورات تتواصل للتوصل إلى تفاهمات بشأن الملفات العالقة، ولم تحسم حتى الآن جميع نقاط الخلاف”. واعتبر أن “التأخير الحاصل في تشكيل الحكومة الجديدة للإقليم بات يشكل نقطة سوداء في مسار التجربة الديمقراطية”، محذراً من أنّ الشركاء والمجتمع الدولي بدأوا يفقدون الأمل في إنجاز هذا الاستحقاق.

ويرتبط تشكيل الحكومة الجديدة في كردستان بإعادة تفعيل برلمان الإقليم واستكمال الاستحقاقات الدستورية والمؤسساتية. وتقصد الأحزاب الكردية بمصطلح “الاستحقاق” ما يرتبط بتوزيع المناصب بين الأحزاب على طريقة “المحاصصة” الحزبية، بما فيها انتخاب رئيس الحكومة، وطبيعة إدارة البرلمان وتوزيع المسؤوليات بين المؤسسات. مع العلم أن حكومة كردستان المقبلة تواجه مجموعة من التحديات، في مقدمتها تنظيم العلاقة مع بغداد، فضلاً عن حسم حصة الإقليم من الموازنة الاتحادية وإنهاء أزمة رواتب موظفي الإقليم، والتوصل إلى اتفاقات تتعلق بالملفات النفطية والإدارية العالقة بين أربيل وبغداد.

وسبق أن انتقد رئيس حكومة كردستان مسرور البارزاني، وهو قيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني، مقاطعة جلسات برلمان الإقليم، واصفاً إياها بأنها “هروب من المسؤولية وخيانة لأصوات شعب كردستان”، فيما أكد استعداد حزبه للاجتماع مع حزب الاتحاد الوطني، ودعا إلى إعادة تفعيل البرلمان تمهيداً لتشكيل الحكومة المقبلة.

دعوة إلى إجراء حوار بشأن تشكيل حكومة كردستان

في هذا السياق، قال عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني مهدي عبد الكريم، إنه “من واجب الحزبين الكبيرين (الديمقراطي والاتحاد)، دفع أعضاء البرلمان الكردستاني للعمل من أجل الشعب وإظهار الوفاء لأصوات الناخبين التي مُنحت لهم، والبدء بمناقشة المشاريع السياسية وإجراء الحوارات بشأن تشكيل الحكومة، والكف عن التهرب من مسؤولية تشكيل الحكومة، التي يؤدي التأخر في تشكيلها إلى تعطيل مصالح الأكراد”.

واعتبر أنّ “الوقت قد حان لتشكيل حكومة كردستان بعدما حسمت بغداد تشكيل الحكومة الاتحادية، وباتت الأحزاب الكردية تعرف ما لها وما عليها من المناصب”.

من جهته، أكد القيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني غياث سورجي رغبة حزبه بالخروج من الأزمة، مبيناً أن “حزب الاتحاد الوطني بادر في أكثر من مناسبة لحل أزمة تشكيل حكومة الإقليم، لكن التعسر السياسي من قبل بعض الجهات السياسية الكردية حال دون ذلك”. وأضاف أنّ “المشكلة في السابق كانت تتلخص في أن الحزب الديمقراطي الكردستاني كان يصر على حصوله على بعض المناصب في الحكومة الاتحادية، وقد حصل عليها، ولم يعد هناك ما يعرقل تشكيل الحكومة في الإقليم”.

وبالرغم من بروز بعض المؤشرات إلى تحسن أجواء الحوار بين الحزبين الكبيرين والحاكمين في إقليم كردستان، شمالي العراق، إلا أن التسوية النهائية بحاجة إلى اتفاق واضح بشأن تقاسم السلطة وضمانات الشراكة، وفقاً لتصريحات بعض أعضاء هذين الحزبين. وقد أعلن بافل الطالباني، في 12 الشهر الحالي، استعداد حزبه للتنازل عن بعض مطالبه من أجل تجاوز الانسداد، مع تأكيده أن حقوق شعب كردستان ليست موضع تفاوض.

الأحزاب الكردية تبحث عن مصالحها

أما الباحث في الشأن الكردي ميران سعيد، فأشار إلى أنّ “الأحزاب الكردية، سواء الحزبين الكبيرين، أو بقية الأحزاب الصغيرة، لا تختلف كثيراً عن الأحزاب في بغداد. كلها تبحث عن مصالحها، ولا يهمها تعطل مصالح العراقيين، لأنّ المهم لديها هو التوصل إلى المغانم وتحقيق الغايات الحزبية والنفعية، وإلا هل يُعقل أن يصيب الشلل الأحزاب لأكثر من عامين، وعدم تشكيل الحكومة التي تخدم الأكراد، بسبب خلافات حول مناصب في الحكومة الاتحادية”.

وأكد ميران أنّ “المواطن الكردي يريد حلولاً حقيقية بشأن رواتبه المتأخرة ومشكلاته الاقتصادية وعدم وضوح العلاقة بين الإقليم وبغداد، وغيرها من المشكلات، وبطبيعة الحال، فإن مشاكل المواطن في الإقليم تكاد تكون أكثر من مشاكل المواطن الذي يعيش في المدن الأخرى”.

وكانت الأحزاب الكردية قد اجتمعت خلال العامين الماضيين لأكثر من 15 مرة، إلّا أنّها لم تصل إلى نتيجة بسبب الخلافات حول تقاسم المناصب الرئيسة في إقليم كردستان الذي يتمتع بحكم شبه مستقل عن بغداد، منذ الغزو الأميركي للعراق سنة 2003، وسط دعوات قوى كردية معارضة إلى حلّ البرلمان، وإعادة تنظيم الانتخابات مرة أخرى. ويتمسك الحزب الديمقراطي الكردستاني بمناصب رئاسة الإقليم، ورئاسة حكومة كردستان، إلى جانب مناصب أخرى مهمة، أبرزها الداخلية وجهاز الأمن والثروات الطبيعية والمالية، في حين يقول غريمه التقليدي حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، إنه يرغب بمناصب رئيسية، وإنه لا ينبغي احتكارها من قبل الحزب الديمقراطي فقط.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سبعة + أربعة =

زر الذهاب إلى الأعلى