حرب تلوّث مياه جنوب إيران.. 160 كيلومترًا من السواحل تحت وطأة النفط

تحوّل النفط الذي لوّث مياه جنوب إيران خلال الحرب إلى أزمة بيئية تتجاوز جمع البقع الظاهرة على سطح البحر، بعدما وصل جزء منه إلى الشواطئ وتسرب جزء آخر إلى الرواسب الساحلية.

ميدل ايست نيوز: تحوّل النفط الذي لوّث مياه جنوب إيران خلال الحرب إلى أزمة بيئية تتجاوز جمع البقع الظاهرة على سطح البحر، بعدما وصل جزء منه إلى الشواطئ وتسرب جزء آخر إلى الرواسب الساحلية. ويحذّر تقرير لشبكة «سي إن إن» من أن آثار التلوث النفطي والكيميائي قد تستمر لعقود، مهددةً نظامًا بيئيًا بحريًا فريدًا، بما فيه الشعاب المرجانية وغابات المانغروف والسلاحف والكائنات المائية، فضلًا عن الدول المعتمدة على تحلية مياه البحر. وتمثل هذه الأزمة تحديًا طويل الأمد للجهات المعنية بالمعالجة البيئية.

واستنادًا إلى صور الأقمار الصناعية، يتضح أن مستوى التلوث النفطي في مياه الخليج تضاعف مرتين على الأقل مقارنة بالظروف الطبيعية. وتشير تقديرات منظمة حماية البيئة الإيرانية إلى تلوث أكثر من 160 كيلومترًا من السواحل في محافظة هرمزغان وحدها. ولا تزال الأرقام أولية، إذ يقول خبراء إن إجراء تقييمات دقيقة يتطلب توقف القتال والوصول إلى المناطق المتضررة، وبعضها يقع ضمن نطاقات عسكرية.

وحذّر صمد حمزئي، رئيس مركز علوم المحيطات في هرمزغان، من أن استمرار تسرب النفط من السفن التي استُهدفت خلال الحرب لا يهدد البيئة البحرية فحسب، بل قد يضر بصحة مستهلكي المأكولات البحرية إذا دخلت المركبات النفطية إلى السلسلة الغذائية. ووصف الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، خلال مؤتمر التنوع البيولوجي في 16 أكتوبر، هذه الظاهرة بأنها «إبادة بيئية»، في إشارة إلى اتساع البقع النفطية وتصاعد المواجهات في الخليج وبحر عُمان.

160 كيلومترًا من السواحل ملوثة

قال أميد صديقي، المدير العام لمكتب التلوث البحري في منظمة حماية البيئة الإيرانية، إن آثار التلوث تركزت جنوب جزيرة قشم وفي جزيرة هنكام. وأوضح أن ظروف الحرب حالت دون وصول فرق المكافحة إلى البحر وجمع البقع النفطية قبل انتشارها ووصولها إلى الشواطئ، خلافًا لما يحدث عادة عندما تتدخل منظمة الموانئ سريعًا لاحتواء التلوث.

وأضاف أن السواحل الجنوبية لقشم ومنطقة شيب‌ دراز من أكثر المناطق تأثرًا، كما تلوث جزء صغير من غابات المانغروف المزروعة قرب قرية نقاشه، بينما لم تتضرر المنطقة الواسعة من غابات المانغروف شمال قشم. وتمثل هذه الغابات موائل مهمة لحضانة الكائنات البحرية، إذ تلجأ إليها الكائنات البحرية بعد فقس البيوض للنمو. لذلك، فإن تضررها قد يؤثر في تجدد الأنواع البحرية التجارية وغير التجارية، وتترتب عليه نتائج بيئية واقتصادية تطال الثروة السمكية.

ونُفذت عمليات تنظيف على مراحل بالتعاون بين منظمة حماية البيئة ومنظمة الموانئ والمنطقة الحرة في قشم، وبمشاركة السكان المحليين والصيادين. لكن موجات تلوث جديدة أصابت مناطق نُظفت سابقًا، فاستُخدمت معدات ميكانيكية وإمكانات أكبر. وأُزيل جزء كبير من النفط، لكن الكميات الكبيرة تسربت إلى أعماق الرواسب الساحلية، وهو ما يجعل التخلص من التلوث المتبقي عملية طويلة ومعقدة.

وتشمل المناطق التي رُصد فيها التلوث لاوان وجزيرة شيدور وسواحل بندر عباس وبندر لنغه وسيريك وقشم وهرمز. وأوضح صديقي أن أجزاء من هذه المواقع نُظفت بالقدر الممكن، إلا أن تنظيفها بالكامل وإعادة تأهيل الأنظمة البيئية يتطلبان موارد مالية كبيرة. ولم تُحص بعد بصورة دقيقة جميع الأضرار التي لحقت بالكائنات البحرية، لكن وصول الملوثات إلى مزارع الأسماك وأقفاص تربيتها في المياه الساحلية تسبب في نفوق وخسائر. ومن الأنواع المعرضة للخطر الأسماك والدلافين والحيتان والسلاحف البحرية والروبيان وسائر القشريات والكائنات المائية.

ولا يمكن، بحسب صديقي، تقديم حصيلة شاملة في ظل استمرار الهجمات. وقد شكّلت منظمة حماية البيئة فريق عمل خاصًا لتقييم الأضرار بأخذ العينات والمسح الميداني، غير أن عمله يتطلب توقف الهجمات. كما أن صعوبة الوصول إلى بعض المواقع العسكرية تعوق فحص الأضرار مباشرة.

دروس من كارثة 1991

وتُظهر تجربة حرب الخليج عام 1991 مدى صعوبة معالجة التلوث النفطي طويل الأمد. فقد أضرمت القوات العراقية، أثناء انسحابها من الكويت، النار في مئات آبار النفط، ما تسبب في كارثة بيئية امتدت آثارها إلى أنحاء الخليج. ونقلت «سي إن إن» عن برنهارد ريغل، الأستاذ في جامعة نوفا ساوث إيسترن بفلوريدا، أن آثار النفط القديم لا تزال موجودة في بعض السواحل السعودية، ويصعب التخلص منه.

ويشير ريغل إلى أن حركة المياه تنقل الملوثات بين أجزاء الخليج؛ فقد تصل إلى الكويت بعد عام، ثم إلى الجانب العُماني بعد عامين، قبل أن تخرج إلى المحيط عبر مضيق هرمز. وبما أن الخليج ضحل نسبيًا وله منفذ رئيسي واحد إلى المحيط المفتوح، فإن الملوثات لا تتشتت أو تتخفف تراكيزها بسهولة.

تعافٍ قد يستغرق سنوات

وقال صديقي إن الأنظمة البيئية المتضررة لا تعود بالكامل إلى حالتها السابقة، رغم إمكانية استعادة جزء كبير من عافيتها. وقد يتطلب الاقتراب من مستوى يتراوح بين 80 و90% من الظروف السابقة وقتًا طويلًا، خصوصًا عندما يتغلغل النفط إلى الطبقات السفلى من الرواسب، حيث يصعب تنظيفه. كما أن إزالة البقع الظاهرة لا تعني انتهاء الأزمة؛ إذ تليها مرحلة إعادة تأهيل الموائل، وهي عملية قد تستغرق سنوات، ولا سيما في غابات المانغروف.

وأكد أن إيران تمتلك خبرة ومعدات للتعامل مع التلوث النفطي، اكتسبتها خصوصًا منظمة الموانئ والملاحة البحرية خلال عقود من الاستجابة للحوادث، لكن بعض البيئات الحساسة قد تتطلب أدوات متخصصة. ويضم الخليج تنوعًا حيويًا كبيرًا، يشمل 27 نوعًا من الثدييات البحرية وأكثر من 900 نوع من الأسماك، فضلًا عن السلاحف والطيور المائية والعوالق وشقائق النعمان وقناديل البحر.

وتبقى إزالة النفط ضرورية، لكنها لا تضمن عودة النظام البيئي إلى وضعه السابق أو محو أضرار الحرب. فموائل طبيعية تضررت، وأنواع كثيرة تأثرت بالتلوث، بينما لا تزال قدرة الخبراء على رصد حجم الخسائر محدودة ما دامت العمليات العسكرية مستمرة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واحد × واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى