الصحافة الإيرانية: التداعيات الاستراتيجية لانسحاب الولايات المتحدة من العراق

لا يعني الانسحاب العسكري بالضرورة نهاية النفوذ الأميركي، بل قد يؤدي إلى تغيير شكله من الانتشار المباشر إلى أدوات أمنية ودبلوماسية واقتصادية.

ميدل ايست نيوز: لا يعني الانسحاب العسكري الأميركي من العراق نهاية العلاقة الأمنية بين بغداد وواشنطن، بل يمثل اختباراً لقدرة الحكومة العراقية على إدارة التهديدات الداخلية وإعادة تعريف تبعياتها الخارجية.

يقول سجاد ساماني، الخبير في شؤون غرب آسيا، في مقال للمجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، إنه لا ينبغي اعتبار انسحاب القوات التابعة لما يُعرف بالتحالف الدولي ضد تنظيم داعش من العراق قطعاً كاملاً للعلاقات الأمنية بين واشنطن وبغداد، بل يجب النظر إليه باعتباره نهاية للمهمة العسكرية للتحالف. وترى مجموعة الأزمات الدولية، في تحليلها لمستقبل الوجود العسكري الأميركي في العراق، أن السؤال الرئيسي يتعلق بقدرة القوات العراقية على إدارة الفجوات العملياتية والاستخباراتية والتنسيق عبر الحدود بشكل مستقل، ولا سيما في ظل استمرار التحديات التي تفرضها فلول تنظيم داعش، والوضع غير المستقر في سوريا، والتنافس بين الجماعات المسلحة.

في المقابل، يجادل موقع «Responsible Statecraft» في مقال بعنوان «رغم الحرب، يغادر الجيش الأميركي العراق» بأن بقاء مئات الجنود الأميركيين إلى أجل غير مسمى لا يمكن أن يحل محل بناء المؤسسات المحلية. وقد تتيح نهاية المهمة العسكرية المجال السياسي اللازم لتعزيز مسؤولية الحكومة العراقية، رغم استمرار إمكانية التدريب وتبادل المعلومات وتقديم المشورة والتعاون عن بُعد.

بالتالي، لا يعني الانسحاب العسكري بالضرورة نهاية النفوذ الأميركي، بل قد يؤدي إلى تغيير شكله من الانتشار المباشر إلى أدوات أمنية ودبلوماسية واقتصادية.

في المقابل، يمكن للانسحاب الأميركي أن يخفف الضغط العسكري المباشر على جماعات المقاومة في العراق ويعزز قدرتها على التفاوض. وإذا فشلت الحكومة العراقية في إدارة الحدود، والسيطرة الأمنية، واحتواء العنف الطائفي، فقد يمنح الفراغ الأمني فلول داعش فرصة للظهور مجدداً. كما أن استمرار حالة عدم الاستقرار في العراق لن يخدم الأمن الوطني لدول المنطقة الأخرى، بالنظر إلى الروابط الحدودية والاقتصادية بين دولها.

يشير بعض الخبراء في هذا السياق إلى أن واشنطن تستطيع الحفاظ على نفوذها في العراق من خلال المساعدات الاقتصادية، والعلاقات المصرفية وقطاع الطاقة، والتعاون الاستخباراتي، وبيع الأسلحة، والتواصل مع النخب السياسية. لذلك، ستعتمد المنافسة بعد الانسحاب، أكثر من عدد الجنود، على قدرة الأطراف الخارجية على بناء علاقات مستدامة مع المؤسسات العراقية.

بغداد بين الشرعية الشعبية وتحديات الحكم

يقدم استطلاع أجراه معهد مستقل للدراسات حول الإدارة والمجتمع المدني ونشره المجلس الأطلسي بشأن المئة يوم الأولى من حكومة علي الزيدي، صورة مزدوجة عن الوضع الداخلي في العراق. ووفق النتائج المعلنة، أعرب 77% من المشاركين عن رضاهم عن اختيار الزيدي رئيساً للوزراء، فيما رأى 75% أنه نجح في أداء مسؤولياته. مع ذلك، اعتبر 60% أن الفساد منتشر في العراق، وارتفعت النسبة بين المشاركين الشيعة إلى 69%. كما لا تزال البطالة، خصوصاً بين الشباب، من أبرز مصادر القلق.

وتشير هذه البيانات إلى أن شرعية الحكومة في مرحلتها الأولى ستعتمد على أدائها في مجالات الحكم، وتوفير فرص العمل، ومكافحة الفساد. كما يسلط تحليل مركز البيان بشأن دور المصارف الحكومية ومحدودية قدرة المصارف الخاصة على تمويل الموازنة الضوء على مشكلة هيكلية تتمثل في اعتماد الحكومة المفرط على القطاع المصرفي الحكومي لتمويل الإنفاق العام، ما قد يحد من الائتمان المتاح للقطاع الخاص والاستثمارات المنتجة.

ومن ثم، لا يعتمد استقرار العراق على القدرات العسكرية وحدها، إذ تؤثر جودة الإدارة المالية، وتوفير فرص العمل، ومكافحة الفساد بشكل مباشر في قدرة الحكومة على احتواء الأزمات.

وضع إقليم كردستان العراق بعد تراجع الدعم الأميركي

يحظى الانسحاب الأميركي بأهمية خاصة بالنسبة إلى إقليم كردستان العراق، إذ شكل التعاون مع واشنطن خلال السنوات الماضية جزءاً من عمليات تدريب قوات البيشمركة ودعمها والتنسيق معها. ويحذر مركز «Eurasia Review» من أن الإقليم لا ينبغي أن يفترض استمرار الدعم الخارجي بصورته الحالية. وفي هذه الظروف، تكتسب وحدة الصف السياسي الداخلي، والعلاقات مع بغداد، وتنظيم القوات الأمنية أهمية أكبر.

ووفق تحليل موقع «Responsible Statecraft» بشأن توحيد قوات البيشمركة، أعلنت حكومة الإقليم في 21 سبتمبر/أيلول استكمال مرحلة من عملية دمج القوات العسكرية. مع ذلك، لا يزال هيكل القيادة مرتبطاً إلى حد ما بالولاءات الحزبية للحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني. وكان تحويل رواتب القوات إلى حساب مركزي تابع لوزارة البيشمركة خطوة مهمة، لكن توحيد الإدارة لا يعني بالضرورة تحقيق التكامل العملياتي. وقد يؤدي استمرار الانقسامات الحزبية، في أوقات الأزمات، إلى إرباك سلسلة القيادة وزيادة اعتماد الإقليم على الضمانات الخارجية.

دروس أفغانستان وأولويات ما بعد الانسحاب

تكون مقارنة العراق بأفغانستان مفيدة عندما تركز، لا على اعتبار البلدين متشابهين، بل على خطر تآكل المؤسسات والفجوة بين التقييمات الأمنية والواقع السياسي. فالعراق يمتلك جيشاً ومؤسسات حكومية ومصادر دخل تختلف عن أفغانستان، لكن تنافس الجماعات المسلحة والفساد وصعوبة تحويل القدرات العسكرية إلى سيطرة سياسية لا تزال تشكل مخاطر قائمة. كما أن وجود القوات الأميركية لم يكن في حد ذاته ضمانة لحل هذه المشكلات.

وبالنسبة إلى محور المقاومة، يتمثل النهج الواقعي في الاستفادة من تراجع الوجود العسكري الأميركي لتوسيع التعاون الإقليمي، مع الأخذ في الاعتبار أن عدم استقرار مؤسسات الدولة أو تصاعد التنافس المسلح سيكون أمراً خطيراً.

وسيعتمد الأثر الاستراتيجي لانسحاب قوات التحالف على قدرة بغداد على ترسيخ سلطتها القانونية على السلاح، وقدرة إقليم كردستان على الحد من خلافاته الداخلية، وقدرة الشركاء الخارجيين على تعزيز المؤسسات الوطنية العراقية. وإذا توفرت هذه الشروط، فقد يسهم انتهاء المهمة العسكرية للتحالف في تعزيز سيادة العراق. أما في حال غيابها، فقد يتغير شكل الوجود الأميركي من دون أن ينتهي نفوذه الاستراتيجي.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة + عشرة =

زر الذهاب إلى الأعلى