الصحافة الإيرانية: اجتماع طهران الرباعي.. وساطة لإنهاء الأزمة أم استعداد لاحتواء الحرب؟

تكشف زيارة كبار المسؤولين الأمنيين والعسكريين من السعودية وباكستان وتركيا إلى طهران عن مساعٍ لإدارة مخاطر مواجهة جديدة، أكثر من كونها محاولة لخفض التصعيد وإنهاء الأزمة.

ميدل ايست نيوز: في ضوء التطورات التي شهدتها الأيام الأخيرة والتقديرات التحليلية التي تشير إلى تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة واحتمال اندلاع حرب جديدة، لم يعد من الممكن اعتبار الزيارات المتزامنة التي أجراها قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، ووزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان، ورئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم كالين إلى طهران، مجرد اجتماع دبلوماسي أو محاولة وساطة متكررة للخروج من أجواء الحرب. فممثلو الدول الثلاث ينتمون إلى أعلى المستويات العسكرية والاستخباراتية، كما تتزامن زيارتهم مع مؤشرات تنذر بتجدد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.

تقول صحيفة جهان صنعت، إنه يمكن تحليل هذه الزيارة من عدة جوانب. أولًا، تمثل زيارة كبار المسؤولين الثلاثة من باكستان والسعودية وتركيا أول اتصال ولقاء مشترك بين أعضاء «حلف مكة» والمسؤولين الإيرانيين منذ تصاعد الحرب ضد الحوثيين في اليمن. ووفقًا للتقارير المنشورة، أعلن المسؤولون السعوديون أن هدف الزيارة هو خفض التوتر ودعم جهود الوساطة التي تبذلها باكستان وقطر. ورغم أن الخطوة تبدو، ظاهريًا، مبادرة دبلوماسية، فإن السؤال الأهم يتمثل في سبب قرار الدول الثلاث إيفاد أبرز مسؤوليها العسكريين والاستخباراتيين إلى طهران بدلًا من إرسال وزراء خارجيتها.

للإجابة عن هذا السؤال، ينبغي النظر إلى طبيعة «حلف مكة». فقد وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقًا دفاعيًا في أغسطس/آب، ينص على أن أي هجوم مسلح على أحد أعضائه يُعد هجومًا على بقية الأعضاء. ورغم أن المصادقة على الاتفاق في تركيا لم تكتمل بعد، فإن الدول الثلاث ناقشت، خلال الاجتماع الطارئ الذي استضافته الرياض، إمكانية نشر قدرات عسكرية في السعودية خلال فترة زمنية قصيرة.

لكن ما يغيب عن كثير من التحليلات هو التناقض الظاهري في سلوك هذه الدول. فمن جهة، تعمل على إنشاء آلية للدفاع الجماعي لمواجهة التهديدات المحتملة، ومن جهة أخرى، ترسل ممثليها إلى طهران للتفاوض مع إيران. ورغم أن الخطوتين لا تتعارضان بالضرورة، إذ تلجأ الدول التي تخشى اتساع الحرب عادة إلى تعزيز قدراتها الردعية بالتزامن مع تفعيل قنوات الاتصال، بهدف الحد من الخسائر إذا تصاعدت الأزمة، فإن السؤال الأساسي يبقى: لماذا اختار ثلاثة من كبار المسؤولين العسكريين والأمنيين زيارة طهران في هذا التوقيت تحديدًا، وبصورة مشتركة؟

من ناحية أخرى، تكتسب عودة عاصم منير إلى طهران أهمية خاصة. فقد زار قائد الجيش الباكستاني العاصمة الإيرانية الأسبوع الماضي أيضًا، وأجرى محادثات مع المسؤولين الإيرانيين، لكن لم تصدر مؤشرات واضحة على التوصل إلى اتفاق حاسم. ووفقًا للتقارير، شددت طهران خلال تلك الزيارة على ضرورة تلبية مطالبها قبل الدخول في مفاوضات مع واشنطن. لذلك، فإن عودته مجددًا، هذه المرة برفقة مسؤولين سعوديين وأتراك، قد تشير إلى أن الوسطاء يواجهون صعوبات جدية في التوصل إلى حل مقبول للأطراف المعنية.

كما وصل وزير الدفاع السعودي إلى طهران بعدما سبق أن زارها قبل حرب الأيام الاثني عشر، ليعود إلى إيران مجددًا في مرحلة حساسة. ولا يعني تكرار مثل هذه الزيارات بالضرورة أن الحرب باتت وشيكة، لكنه يشير إلى أن الرياض تنظر إلى تداعيات أي مواجهة جديدة باعتبارها مرتبطة مباشرة بأمنها، لا سيما أن الهجمات الأخيرة على السعودية أعادت تسليط الضوء على نقاط ضعف البنية التحتية في البلاد.

وعليه، لا يمكن النظر إلى الاجتماع الرباعي في طهران، في ظل الظروف الراهنة، على أنه مجرد محاولة لتجاوز الأزمة. بل تشير التطورات إلى أن الدول الثلاث تسعى، أكثر من تركيزها على خفض التوتر، إلى إدارة الوضع الحساس والأزمة المحتملة خلال الأيام والأسابيع المقبلة.

فلو كان التوصل إلى اتفاق قريب وقابل للتنفيذ متاحًا، لكان من المرجح أن تتقدم المفاوضات الرسمية والإعلانات عن التزامات محددة إلى الواجهة. لكن الحضور المتزامن للمسؤولين العسكريين والاستخباراتيين يشير إلى أن المسألة لا تقتصر على كيفية التوصل إلى اتفاق، بل تشمل أيضًا سبل منع اتساع الحرب وتحديد حدود تحركات الأطراف الإقليمية.

إذن، وبما أن السياسة الخارجية تقوم على تداخل التنافس والتعاون، والصداقة والعداء، ينبغي لإيران ألا تتعامل مع هذه الزيارات باعتبارها ضمانة لحسن نيات الأطراف الأخرى. وفي المقابل، فإن تفويت فرصة الحوار مع ثلاثة أطراف إقليمية مهمة في الظروف الراهنة سيكون بدوره مؤشرًا على سوء التقدير.

وبناءً على التطورات الأخيرة، يمكن القول إن هذا الاجتماع يكشف عن أن الأطراف الإقليمية الرئيسية لم تتوصل بعد إلى سبيل لإنهاء الأزمة، وأنها تركز حاليًا بصورة أكبر على احتواء التداعيات المحتملة وتقليص خسائرها في حال اندلاع مواجهة جديدة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثمانية + أربعة =

زر الذهاب إلى الأعلى