صحيفة إيرانية: مأزق الانتخابات الإسرائيلية يعمّق الانقسامات الداخلية ويهدد المنطقة

اعتبرت صحيفة «اطلاعات» الإيرانية أن هذا الوضع يعكس تعمق الانقسامات الداخلية في إسرائيل، محذرة من تداعياته الإقليمية، ولا سيما فيما يتعلق بسياسة المواجهة مع إيران.

ميدل ايست نيوز: لم تؤدِّ الانتخابات الإسرائيلية إلى إنهاء المنافسة السياسية بين بنيامين نتنياهو ومعارضيه، بل زادت من تعقيدات معادلات تشكيل الحكومة بعد تحول الأحزاب العربية إلى أحد اللاعبين الحاسمين في الكنيست. واعتبرت صحيفة «اطلاعات» الإيرانية أن هذا الوضع يعكس تعمق الانقسامات الداخلية في إسرائيل، محذرة من تداعياته الإقليمية، ولا سيما فيما يتعلق بسياسة المواجهة مع إيران.

وأظهرت النتائج النهائية لانتخابات الكنيست الإسرائيلي التي أُجريت في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أزمة تتجاوز المنافسة بين الأحزاب وتداول السلطة بين التيارات السياسية.

وكتبت صحيفة «اطلاعات» أن أياً من القطبين الرئيسيين لم يتمكن من الحصول على الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة. ووفقاً للنتائج المعلنة، حصل ائتلاف بنيامين نتنياهو على 53 مقعداً، ومعسكر المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت على 48 مقعداً، فيما حصلت الأحزاب العربية مجتمعة على 19 مقعداً من أصل 120 في الكنيست. وبلغت نسبة المشاركة 77.9 في المئة، ما يعني أن أياً من المعسكرين لم يتمكن من الوصول إلى أغلبية الـ61 مقعداً.

وتتمثل أولى النقاط اللافتة في تراجع قوة معسكر نتنياهو مقارنة بتركيبة الكنيست السابقة. ولا يمكن تقييم هذا التحول بمعزل عن تداعيات الحروب المستمرة، والأزمات الأمنية، والخلافات الداخلية، والاستياء من أداء الحكومة. فقد أثار هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وتداعياته تساؤلات جدية حول قدرة الأجهزة السياسية والأمنية الإسرائيلية على توفير الأمن للمجتمع. كما أن استمرار الحرب في غزة وجبهات أخرى لم يؤدِّ إلى تحقيق مكاسب سياسية وأمنية مستدامة. ومع ذلك، لا ينبغي تفسير تراجع مقاعد نتنياهو على أنه تحول في المجتمع الإسرائيلي باتجاه السلام والتسوية، إذ إن الخلاف بين التيارات الرئيسية لا يتمحور، أكثر من أي وقت مضى، حول أصل السياسات التوسعية والعسكرية، بل حول كيفية إدارة الحكومة وتقاسم السلطة.

وتكمن المعضلة الرئيسية للانتخابات في مكان آخر، إذ تحولت الأحزاب العربية، بحصولها على 19 مقعداً، إلى قوة حاسمة في المعادلات البرلمانية. ويمكن لتحالف هذه الأحزاب مع معارضي نتنياهو، من الناحية العددية، أن يمهد الطريق أمام تشكيل حكومة أغلبية، إلا أن هذا التعاون يواجه عقبات جدية. فقد عارض أفيغدور ليبرمان مثل هذا التحالف، فيما يواجه نفتالي بينيت وغادي آيزنكوت قيوداً سياسية وأيديولوجية. في المقابل، تحدث يائير غولان، زعيم حزب الديمقراطيين، عن ضرورة التعاون مع الأحزاب العربية لتغيير الحكومة.

ويكشف هذا التناقض إحدى المشكلات الأساسية في البنية السياسية الإسرائيلية. فالمواطنون العرب يشاركون في الانتخابات ويرسلون عدداً كبيراً من النواب إلى الكنيست، لكن عندما يصبح لأصواتهم دور حاسم في تحديد الحكومة، تسعى بعض التيارات السياسية الرئيسية إلى الحد من قدرتهم على التأثير. وبالتالي، لا تقتصر المسألة على الخلاف بشأن تشكيل الائتلاف، بل تمتد إلى حدود المشاركة السياسية للمواطنين العرب وموقعهم في هيكل السلطة.

وفي هذا السياق، تمثل اتهامات نتنياهو وحزب الليكود للأحزاب العربية بالتزوير وتلقي دعم مالي أجنبي، بما في ذلك من قطر، تطوراً جديداً. ولم تُقدَّم حتى الآن أدلة يمكن أن تثبت وجود تلاعب منظم بالانتخابات. وقد يؤدي طرح مثل هذه الاتهامات، في وقت حصلت فيه الأحزاب العربية على 19 مقعداً، إلى تصعيد الأجواء المعادية للعرب والتشكيك في شرعية مشاركتهم السياسية.

مع ذلك، لا ينبغي اعتبار زيادة عدد المقاعد العربية بحد ذاتها مؤشراً على تغير جوهري في سياسات إسرائيل. فهذه الأحزاب ليست متجانسة أيضاً من حيث التوجهات والأولويات السياسية، وقد تختلف فيما بينها بشأن المشاركة في ائتلاف حكومي أو دعم حكومة أقلية. وتكمن أهمية التطور الأخير في أن استبعاد النواب العرب من معادلات السلطة، رغم وزنهم البرلماني، أصبح أكثر صعوبة من السابق.

وعلى الصعيد الداخلي، عمّقت الخلافات بشأن التجنيد الإجباري لليهود الحريديم، والإصلاحات القضائية، والمسؤولية عن الإخفاقات الأمنية، والعلاقة مع القوى الخارجية، الانقسامات بين التيارات السياسية. وفي الوقت نفسه، يعكس صعود خطاب اليمين المتطرف والتحريض ضد العرب توسع النزعات الإقصائية داخل المجتمع. وعندما تقوم المنافسة السياسية على أساس إنكار حقوق فئة من المواطنين، تتجاوز الأزمة مستوى الخلاف الحزبي لتتحول إلى قضية اجتماعية وهيكلية.

غير أن ما يمنح هذا الانسداد الداخلي أهمية أكبر بالنسبة إلى المنطقة هو تداعياته المحتملة على السياسة الخارجية والأمنية. وسيواصل نتنياهو إدارة شؤون الحكومة إلى حين تشكيل حكومة جديدة. وفي مواجهة حالة الجمود الراهنة، تبرز سيناريوهات من قبيل تشكيل حكومة بدعم من الأحزاب العربية، أو حكومة وحدة وطنية، أو استقطاب نواب من المعارضة، أو إجراء انتخابات جديدة، لكن أياً منها لم يُحسم بعد.

وهنا، لا يمكن تجاهل احتمال توظيف التوترات الخارجية سياسياً. فقد يؤدي تصعيد المواجهة مع إيران أو توسيع العمليات العسكرية على جبهات أخرى إلى توفير أداة لبعض الأطراف لتغيير الأجندة الداخلية، وخلق حالة طوارئ والتأثير في معادلات تشكيل الحكومة. لكن لا ينبغي التعامل مع هذا الاحتمال باعتباره قراراً مؤكداً أو خطة مثبتة.

والأهم أن الخلاف بين التيارات الرئيسية الإسرائيلية بشأن إيران لا يؤدي بالضرورة إلى اختلاف جوهري حول مبدأ سياسة المواجهة. ومن ثم، حتى إذا غادر نتنياهو السلطة أو تشكلت حكومة وحدة وطنية، فلا ينبغي توقع تغير سريع في التوجه الأمني الإسرائيلي. فقد تتمحور الخلافات حول أسلوب التحرك وتوقيته، وليس حول الأهداف الاستراتيجية.

وبوجه عام، أظهرت الانتخابات الأخيرة أن إسرائيل تواجه ثلاث قضايا في وقت واحد: تآكل الثقة بالقيادة السياسية والأمنية، والتناقض بين ادعاء الديمقراطية والحد من المشاركة السياسية للمواطنين العرب، وصعوبة تحويل التفوق العسكري إلى استقرار سياسي مستدام. وقد ينتهي الجمود البرلماني عبر ائتلاف اضطراري أو انتخابات جديدة، لكن أياً منهما لن يعالج بمفرده التناقضات المذكورة.

وفي غضون ذلك، يبرز دور الولايات المتحدة وشخص دونالد ترامب في التطورات السياسية الإسرائيلية. وتشير تقارير إلى أن مقربين من ترامب أجروا، قبل الانتخابات، محادثات مع مسؤولين إسرائيليين بشأن إمكانية تشكيل حكومة وحدة وطنية بمشاركة نتنياهو وآيزنكوت. ويشير ذلك إلى أن واشنطن لا تكتفي بمراقبة التطورات السياسية في تل أبيب، بل تسعى إلى التأثير في تركيبة السلطة المقبلة. وبالنسبة إلى إدارة ترامب، لا تقتصر المسألة على تجاوز الجمود السياسي، بل تشمل أيضاً الوصول إلى بنية مستقرة ومنسجمة مع الأهداف الاستراتيجية الأمريكية، ولا سيما تجاه إيران.

إذن، لا يمكن تقييم التطورات الداخلية في إسرائيل بمعزل عن حسابات البيت الأبيض. كما أن الأزمة الداخلية الإسرائيلية لا تعني بالضرورة بالنسبة إلى المنطقة انخفاض الخطر العسكري. ففي مرحلة انتقال السلطة، تظل احتمالات الحسابات عالية المخاطر وتصعيد التوتر قائمة. لذلك، ينبغي تقييم التطورات السياسية في تل أبيب ليس باعتبارها مجرد منافسة انتخابية، بل في سياق استمرار الحروب، وسياسة المواجهة مع إيران، ومستقبل أمن المنطقة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واحد × أربعة =

زر الذهاب إلى الأعلى