الصحافة الإيرانية: نموذج وقف إطلاق النار العالمي الأهم بالنسبة لإيران

يمكن أن يشكل وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة والصين، الذي يُعد أهم هدنة في العالم، نموذجاً للهدنة ولعلاقات إيران مع منافسيها وخصومها في ظل حالة الغموض الراهنة.

ميدل ايست نيوز: أدت تحولات موازين القوى في نظام عالمي مثقل بالحروب، ترافقها مكونات من صراع الحضارات، إلى فرض هاجس انعدام الأمن على مواطني العالم كافة. وقد حلّ هاجس انعدام الأمن، الذي أزاح فكرة الأمن وتطلعاته من أذهان الحكومات والمواطنين، محل فكرة حوار الحضارات، ليحل «صراع الحضارات» مكانها.

يقول إسلام ذو القدر بور، خبير كبير في القضايا السياسية والدولية، في مقال لموقع دبلوماسي إيراني: يجعل الاضطراب والحرب المستمران في منتصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، السياسة الخارجية والدبلوماسية تتجهان بشكل متزايد نحو اختيار الحلول والأدوات التكتيكية. وأدى النهج التكتيكي للسياسة الخارجية لدى الدول إلى نشوء جيوسياسية قائمة على التوتر وانعدام الأمن المستدام في العلاقات الدولية، كما غيّر هندسة القوة في المراكز الجيوسياسية وجعلها أكثر غموضاً.

وقد أدى الغموض المتزايد في العلاقات الدولية، الذي يستند بدرجة أكبر إلى منطق القوة، إلى اختزال ثلاثية «الحرب – وقف إطلاق النار – السلام» إلى ثنائية «الحرب ووقف إطلاق النار».

واعتمدت الجيوسياسة خلال العقود الأخيرة على التنافس بين الحرب ووقف إطلاق النار، فيما أُقصي السلام المستدام من علاقات القوة وأصبح مصدراً لمزيد من الغموض. ويُعد الغموض المتزايد حول السلام باعتباره شكلاً من أشكال التسوية، كما جرى تفسيره في الأدبيات السياسية والاجتماعية الإيرانية، أحد النماذج التي حولت ثنائية الحرب ووقف إطلاق النار إلى ركيزتين للسياسة الخارجية الإيرانية في عالم اليوم المضطرب.

وفي ظل تحول وقف إطلاق النار إلى أحد المكونات الرئيسية للسياسة الخارجية الإيرانية، وانتقال طبيعته التكتيكية إلى مبدأ استراتيجي في الفكر السياسي الإيراني، وما يترتب على ذلك من أضرار عديدة لمستقبل البلاد، ينبغي دراسة بعض نماذج وقف إطلاق النار في النظام العالمي، والتي يحتاج صانعو السياسة الإيرانيون إلى فهمها:

أولاً – أهم هدنة في العالم

لطالما اتسمت العلاقات الخارجية للولايات المتحدة مع الصين، باعتبارها قوة كبرى، بالغموض. وهو غموض متزايد يستند إلى صراع على الهيمنة العالمية، في وقت ترى فيه الدولتان نفسيهما قوتين عظميين في النظام العالمي الجديد.

ويغطي ملف تايوان جانباً مهماً من طبيعة صراع القوة بين الولايات المتحدة والصين. فقد دفع الخلاف القديم حول تايوان البلدين إلى حافة حرب عالمية، ولا يزال يمثل أداة للمواجهة بينهما على مستوى الهيمنة. وفي المقابل، كان التفوق الاقتصادي الصيني على العالم بالغ الصعوبة بالنسبة إلى الغرب، ولا سيما الولايات المتحدة، ما أدى إلى تشكل دائرة من العقوبات والرسوم الجمركية في العلاقات بين البلدين.

وقد جعل صراع القوة بين البلدين، الساعي إلى تشكيل الهيمنة العالمية، تحقيق السلام أمراً مستحيلاً، لكنه دفع كبار صناع القرار في الدولتين إلى تصميم وتنفيذ نموذج لوقف إطلاق النار طويل الأمد. وهكذا تحول وقف إطلاق النار، الذي يتمتع بطبيعة مؤقتة وتكتيكية، إلى سياسة مستقرة بالنسبة إلى قوتين رئيسيتين في العالم.

ويمكن تتبع جذور الهدنة بين الولايات المتحدة والصين إلى سياسة خفض التوتر التي انتهجتها إدارة ريتشارد نيكسون، حيث تمكن مهندس هذه السياسة، هنري كيسنجر، من خلال زيارته السرية إلى الصين، من منع اندلاع حرب بين البلدين، وإقصاء تايوان من معادلات القوة الإقليمية والعالمية، وإقامة هدنة مستقرة مع خصم كبير.

إن حالة «لا حرب ولا سلام» بين الولايات المتحدة والصين خلال العقود الخمسة الماضية، والتي تمثل نموذجاً واضحاً لهدنة كبرى، لم تعد مجرد حالة تكتيكية ومؤقتة، بل تحولت إلى نموذج استراتيجي جعل الصين قوة مهيمنة إقليمياً وعالمياً، وأبقى تايوان في متناول الاستيلاء الصيني، ورسخ الهيمنة الصينية على الاقتصاد العالمي.

ويمثل نموذج العلاقات الصينية الأمريكية صياغة لأهم هدنة في العالم، بالتزامن مع أشد مستويات التوتر بين البلدين في القرن الحالي، وهي عملية تحقق المصالح الوطنية لكلا البلدين وتمنع اندلاع حرب شاملة بينهما.

ثانياً – هدنة الطاقة

تحول الهجوم الروسي الخاطف على أوكرانيا، مع مرور الوقت، إلى حرب روسية أوكرانية استنزافية، لا يمكن أن تكون نهايتها سلاماً حقيقياً بين البلدين، لأن مصالح القوى الكبرى، ولا سيما أوروبا والولايات المتحدة، ترتبط باستمرار الحرب وإضعاف روسيا.

ولا تلوح آفاق واضحة لنهاية الحرب في أوكرانيا، التي تحولت إلى حرب ذات طابع هوياتي بالنسبة إلى البلدين. وقد اتجه مسار الحرب بدلاً من السعي إلى السلام نحو التركيز على وقف إطلاق النار. وترتبط محاولات بعض الحكومات التوصل إلى هدنة في الحرب الأوكرانية ارتباطاً وثيقاً بمصالحها.

وكان «وقف إطلاق النار في قطاع الطاقة» أو «هدنة الطاقة» (Energy Ceasefire) مساراً صُمم استناداً إلى المصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى، أي روسيا والولايات المتحدة. وعلى الرغم من فشل هدنة الطاقة عند تنفيذها، فإن مصالح دونالد ترامب في خفض أسعار الطاقة، ولا سيما النفط والغاز، دفعته، كما حدث عند إعلان إعفاءات من العقوبات المفروضة على النفط والديزل الروسيين، إلى مطالبة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بوقف الهجمات على منشآت الطاقة الروسية.

وصُممت هدنة الطاقة استناداً إلى مصالح الحكومتين الأمريكية والروسية فقط، وكانت تكتيكاً لتخليص ترامب من الضغوط الداخلية. وقد أثار هذا التكتيك قلق أوكرانيا، ووصفه زيلينسكي بأنه خيانة من ترامب له.

ثالثاً – هدنة إيران والولايات المتحدة

أظهر مسار الحرب بين إيران والولايات المتحدة خلال أكثر من عام أن تحقيق السلام في الظروف الراهنة بالغ الصعوبة. وقد جرى تصوير السلام في الأدبيات السياسية والاجتماعية الإيرانية باعتباره مرادفاً مشوهاً للتسوية، فيما ترى إدارة ترامب أيضاً أن السلام يعني تقديم تنازلات كبيرة لإيران.

وقد غرق التباين بين التصور الإيراني والتصورين الأمريكي والإسرائيلي في حالة من الغموض إلى درجة أن بعض الاتفاقات أو التفاهمات لا يمكنها أيضاً أن تؤدي إلى السلام. وفي ظل هذه الظروف، هيمن وقف إطلاق نار هش وطويل الأمد، ترافقه تهديدات متزايدة في ميدان الحرب، وأصبح الأطراف المنخرطون في الصراع يعيشون حالة استنزاف قوامها «لا حرب ولا سلام».

ولا يرغب صانعو القرار في إيران والولايات المتحدة، باعتبارهما طرفين في حرب عالمية، في تقديم تنازلات للطرف الآخر، ولذلك لا يتحقق السلام، بل إن وقف إطلاق النار نفسه يبقى هشاً.

إن تحقيق السلام وبناء عالم آمن في الظروف الراهنة ليس أمراً سهلاً لأي من أطراف النظام العالمي، بل يبدو مستحيلاً. فقد أصبحت هندسة القوة العالمية، التي تتغير يوماً بعد آخر، قائمة على منطق القوة وعالم مثقل بالحروب، ما يجعل السلام العالمي بعيد المنال.

وفي مثل هذا السياق الحربي، يبدو تحقيق السلام مجرد أمنية قديمة وحلم مضطرب، بينما تختزل الحالة المرغوبة لدى الأطراف في وقف إطلاق النار. وكان من المفترض أن يكون وقف إطلاق النار مؤقتاً وتكتيكياً، وأن يقود الأطراف نحو السلام، لكنه يعمل الآن كسياسة استراتيجية ويعيد تعريف مصالح الأطراف.

ويمثل وقف إطلاق النار إطاراً لتبادل تنازلات صغيرة من أجل تجنب أزمة كبرى أو الخروج من حرب شاملة. وقد تحول هذا المسار القائم على تبادل التنازلات في الهدن إلى أساس للسياسة الخارجية والدبلوماسية لدى العديد من أطراف النظام العالمي.

ويمكن أن يشكل وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة والصين، الذي يُعد أهم هدنة في العالم، نموذجاً للهدنة ولعلاقات إيران مع منافسيها وخصومها في ظل حالة الغموض الراهنة.

وفي الوقت الذي أدى فيه تزايد عدد اتفاقات وقف إطلاق النار في هذه الظروف إلى تشكيل «عصر الهدنة»، وأصبحت الهدن تخدم مصالح القوى الكبرى، ينبغي لصانعي السياسة الإيرانيين التخلي عن التصور المثالي للسلام المستدام مع الآخرين، ومتابعة المصالح الوطنية للبلاد ضمن النموذج العالمي لعصر الهدنة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

11 + 17 =

زر الذهاب إلى الأعلى