الهوية واللغة مقابل ولاية ثالثة لأردوغان.. مساومة الأكراد الصعبة
تتشكل معادلة سياسية معقدة في تركيا تضع أردوغان أمام اختبار التفاوض مع الأكراد، الذين يرون في حاجة الرئيس التركي إلى أصوات البرلمان، ليحظى بولاية ثالثة، فرصة لانتزاع تنازلات حول الهوية واللغة طال انتظارها من أنقرة.

ميدل ايست نيوز: يحتاج الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى أصوات إضافية في البرلمان لفتح الطريق أمام ترشحه لولاية رئاسية ثالثة، فيما يرى حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب المؤيد للأكراد في هذه الحاجة فرصة لانتزاع تنازلات دستورية تتعلق بهوية الأكراد وحقهم في التعليم بلغتهم الأم.
ويضع الحزب الكردي تعديل المادتين 42 و66 من الدستور شرطا رئيسيا لدعم مساعي أردوغان، رغم أن تعديلهما يصطدم بحساسيات سياسية وقومية، كما ترتبطان بمواد دستورية لا يسمح بتعديلها.
وفي افتتاح السنة التشريعية الخامسة من الدورة الثامنة والعشرين للبرلمان، مطلع أكتوبر، دعا أردوغان إلى وضع دستور جديد ومدني، قائلا إن الهدف هو “إثبات نضج الديمقراطية التركية”، معتبرا أن البرلمان مؤهل لصياغته في كل مرحلة وتحت جميع الظروف.
لكن الدعوة إلى دستور جديد لا تحظى بإجماع الأحزاب التركية، خاصة أن الخلاف لا يتعلق بصياغة الدستور فقط، بل بما يمكن أن يتضمنه من تغييرات تمس هوية الدولة وحقوق الأكراد.
ويقول قيادي بارز في حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب لـ”الحرة”، مفضلا عدم الكشف عن اسمه لحساسية الموضوع في تركيا، إن الحزب يعمل منذ فترة طويلة على وضع دستور ديمقراطي جديد يضمن حقوق جميع المواطنين، لكنه لم يعلن عن خطوات ملموسة في هذا الاتجاه بسبب انشغاله بعملية السلام الجارية في البلاد.
ويقود الحزب منذ أكثر من عام جهود الوساطة والمفاوضات بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني، بعدما أعلن الأخير في مايو 2025 حل نفسه والتخلي عن السلاح، استجابة لنداء مؤسسه وزعيمه المسجون في تركيا عبد الله أوجلان.
ويعتقد الباحث المتخصص في الشأن التركي محمود علوش أن أي مطالب تتجاوز عملية السلام أو تتحول إلى عقبة أمامها لن تكون في مصلحة الحكومة التركية أو الأكراد.
ويقول علوش لـ”الحرة” إن تعديل المادتين 42 و66 ليس مطروحا حاليا ضمن أجندة الحكومة، لأن الأولوية تتمثل في إنجاح عملية السلام، لكنه يضيف أن أنقرة لن تتردد في اتخاذ خطوات تراها ضرورية لتحقيق هذا الهدف.
هوية الدولة في مواجهة المطالب الكردية
وتتباين مواقف الأحزاب القومية التركية من مشروع الدستور الجديد. ففي حين يؤيده حزب الحركة القومية، حليف أردوغان في الحكومة، تتحفظ عليه أحزاب قومية ويمينية في المعارضة، لأسباب تتصل أساسا بالملف الكردي.
وترفض هذه الأحزاب أي تعديلات دستورية ترى أنها قد تمنح الحركة الكردية تنازلات تتعلق باللغة والهوية، معتبرة أن المساس بهذه المواد يهدد طبيعة الدولة القومية الموحدة، وقد يفتح الباب أمام تقسيم المجتمع على أساس عرقي.
كما تخشى أن تؤدي التعديلات الدستورية إلى إضعاف المعارضة، والتضييق على التحالفات الصغيرة، وتقليص فرص الأحزاب محدودة التمثيل في المنافسة الانتخابية.
وتتركز المطالب الكردية في تعديل مادتين من الدستور الحالي، هي المادة 42 التي تنظم الحق والواجب في التعليم، وتنص على عدم السماح بالتدريس أو التعليم بأي لغة أخرى غير التركية كلغة أم للمواطنين الأتراك في المؤسسات التعليمية.
والمادة 66 التي تتعلق بالجنسية والمواطنة، وتنص على أن كل من يرتبط بالدولة التركية برابطة المواطنة يعتبر تركيا.
ويرى حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب أن هاتين المادتين لا تعترفان بالخصوصية الكردية، وتنتقصان من المساواة في المواطنة.
وقال النائب عن الحزب، جنكيز تشاندار، في مقابلة صحفية تناقلتها وسائل إعلام أوروبية وتركية، في منتصف أكتوبر، إن المادتين “تستبعدان الأكراد وتقوضان حقوقهم المتساوية في المواطنة”.
غير أن تعديلهما لا يواجه اعتراضات سياسية فقط، بل يصطدم أيضا بقيود دستورية تجعل المهمة أكثر تعقيدا.
تنازلات محتملة؟
ولا يقتصر ما يطالب به حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب على تعديل المادتين 42 و66، بل يشمل أيضا توسيع نطاق التعليم باللغة الأم وإعادة النظر في الصيغة الدستورية المتعلقة بحقوق الأكراد.
لكن تحقيق هذه المطالب يظل صعبا، وفق الباحث في العلاقات الدولية والشؤون السياسية التركية طه عودة أوغلو، الذي يشير إلى حساسية الملف بالنسبة للأحزاب الممثلة في البرلمان، خصوصا القومية والمعارضة.
ويقول أوغلو إن الحزب قد يبحث عن حلول وسط خلال المرحلة المقبلة، من بينها خطوات لتوسيع الحقوق الثقافية واللغوية للأكراد، حتى إن لم تصل إلى تعديل المادتين الدستوريتين.
ويضيف أن تعديل المادتين ليس شرطا قانونيا لإنجاح عملية “تركيا بلا إرهاب”، بل هو مطلب يطرحه الحزب المؤيد للأكراد، في حين يتمثل جوهر العملية في إنهاء العنف، وهو ما يتطلب خطوات أمنية وعملية واضحة.
ويرجح أوغلو أن يتمكن أردوغان من استقطاب دعم عدد كبير من الأحزاب، بينها الحزب المؤيد للأكراد، لكن من دون التخلي عن الأوراق التي تمثل خطوطا حساسة بالنسبة لحلفائه، وفي مقدمتهم حزب الحركة القومية.
لماذا يصعب تعديل المادتين؟
تكمن العقدة في أن المادتين 42 و66 ترتبطان بالمواد الثلاث الأولى من الدستور التركي، التي تحدد هوية الدولة وأسسها، فيما تحصن المادة الرابعة هذه المواد من أي تعديل.
وتنص المواد الثلاث الأولى على أن تركيا جمهورية، وتحدد علمها ونشيدها الوطني، وتجعل اللغة التركية اللغة الرسمية للبلاد.
أما المادة الرابعة، فتحظر تعديل هذه المواد الثلاث، بل تمنع حتى اقتراح تعديلها.
ولهذا ترى التيارات القومية التركية أن المطالبة بتعديل المادتين 42 و66 تمثل التفافا على الحماية التي توفرها المادة الرابعة لأسس الدولة وهويتها.
وبذلك، لا يتعلق الخلاف بمجرد توسيع حقوق التعليم باللغة الأم أو إعادة تعريف المواطنة، بل بمدى إمكانية إجراء تغييرات دستورية تمس الأسس التي تقوم عليها الدولة التركية الحديثة.
ماذا يريد الأكراد مقابل دعم ولاية أردوغان الثالثة؟
تكتسب المطالب الكردية أهمية إضافية مع تزايد التلميحات داخل حزب العدالة والتنمية الحاكم إلى احتمال تقديم موعد الانتخابات الرئاسية، المقررة في مايو 2028، إلى مارس أو أبريل من العام نفسه.
وقد يتيح تقديم موعد الانتخابات لأردوغان الترشح لولاية ثالثة، لكن ذلك يتطلب استيفاء شروط دستورية والحصول على أصوات إضافية في البرلمان.
وهنا تظهر أهمية حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب، الذي يمكن أن يشكل دعمه جزءا من التفاهمات اللازمة لفتح الطريق أمام أردوغان، مقابل الاستجابة لمطالبه المتعلقة بالهوية واللغة.
وقد ألمح تشاندار إلى هذا الربط بوضوح، قائلا: “هناك حديث عن ترشح أردوغان للرئاسة مرة أخرى، وهذا يتطلب تصويتا في البرلمان، وبالنسبة لحزبنا يمكن إعادة النظر في الأمر بشرط النظر في هاتين المادتين من الدستور”.
وتنص المادة 101 من الدستور التركي على أن مدة الرئاسة تقتصر على ولايتين. لكن المادة 116 تتيح للرئيس الترشح لولاية ثالثة في حال تحقق أحد مسارين، أولهما إجراء انتخابات مبكرة.
ويمكن للبرلمان الدعوة إلى انتخابات مبكرة، بما يسمح لأردوغان بالترشح مجددا، شرط موافقة ثلاثة أخماس أعضائه، أي 360 نائبا من أصل 600 عضو.
لكن تحالف الجمهور الحاكم، الذي يضم حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية، يمتلك 331 مقعدا فقط، ما يعني حاجته إلى 29 صوتا إضافيا للوصول إلى العدد المطلوب.
وهذا النقص يدفع التحالف إلى البحث عن دعم من أحزاب المعارضة والمستقلين، ومن بينها حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب، ما يمنح الأخير فرصة لربط موقفه الانتخابي بمطالبه الدستورية.
ويتعلق المسار الثاني بوضع دستور جديد، حيث يتيح هذا المسار، وفق القانون المتبع في تركيا، إعادة احتساب الولايات الرئاسية السابقة، بما يسمح للرئيس بالترشح لولايتين إضافيتين.
لكن تمرير الدستور الجديد يتطلب بدوره تأمين أصوات إضافية، إذ يحتاج عرضه على استفتاء شعبي إلى موافقة 360 نائبا، فيما يتطلب إقراره داخل البرلمان من دون استفتاء 400 صوت.
ولا يمتلك التحالف الحاكم أيا من العددين، ما يجعل التفاوض مع القوى السياسية الأخرى ضرورة لتحقيق هذا المسار أيضا.
الخط الأحمر
وتزداد صعوبة التوصل إلى تسوية بسبب موقف حزب العدالة والتنمية الحاكم نفسه. فرغم تأييده وضع دستور جديد، يتمسك الحزب بالمواد الأربع الأولى من الدستور الحالي، ويعتبرها خطا أحمر لا يمكن تجاوزه.
وخلال كلمته في افتتاح العام التشريعي الجديد للبرلمان، أكد أردوغان أن “موقفنا بشأن المواد الأربع الأولى النافذة من الدستور واضح ومعروف للجميع”، مشددا على أن الرغبة في صياغة دستور جديد لا ينبغي أن تكون أسيرة للمخاوف والأوهام.
ويضع هذا الموقف حدودا واضحة أمام المطالب الكردية، خاصة أن تعديل المادتين 42 و66 يرتبط مباشرة بالمواد التي يرفض الحزب الحاكم المساس بها.



