الانتخابات النصفية الأميركية… مزاج الناخب وحرب إيران وسلاح التخويف

تتنافس الأحزاب الأميركية في انتخابات الكونغرس وسط تصاعد القضايا الاقتصادية والحرب على إيران، فيما يستخدم الجمهوريون خطاب التخويف ضد خصومهم.

ميدل ايست نيوز: خلال ساعات، يتوجه عشرات الملايين من الأميركيين إلى مراكز الاقتراع للتصويت في الانتخابات النصفية للكونغرس، حيث يتنافس المرشحون على جميع مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 435 مقعداً، إلى جانب نحو ثلث مقاعد مجلس الشيوخ البالغ عددها 100، كما تشمل انتخاب حكّام في 36 ولاية وآلاف المناصب المحلية والتشريعية، في اقتراع سوف يحدد موازين القوى داخل الكونغرس خلال العامين المتبقيين من ولاية دونالد ترامب الثانية. ويسعى الديمقراطيون لقلب مجلس النواب والشيوخ، بينما يدافع الجمهوريون عن مقاعدهم، حيث يسيطرون حالياً على أغلبية ضيقة في مجلس النواب من 218 مقعداً مقابل 214 للديمقراطيين، و53 مقعداً في مجلس الشيوخ مقابل 47 مقعداً للحزب المنافس.

الترهيب سلاح الجمهورية في الانتخابات النصفية

ولجأ الجمهوريون في حملاتهم الانتخابات النصفية من أجل تحفيز ناخبيهم، إلى أنجح تكتيك انتخابي معروف داخل الولايات المتحدة، وهو الترهيب من المرشحين من الأقليات أو المهاجرين أو النساء أو الأيديولوجيا أو التوجه، حيث أصبح استخدام سلاح الخوف هو الأداة الوحيدة التي يعتمد عليها الجمهوريون لتحفيز ناخبيهم في ظلّ سياسات إدارة ترامب التي أدت إلى ارتفاع الأسعار، حيث رفض مرشحو الحزب الجمهوري المناظرات، واختفوا من بعض ساحات المعركة بعدما أصبح ترامب الوجه الرئيسي للانتخابات. وركّز الجمهوريون على التخويف من فوز الديمقراطيين بالكونغرس، فتبنوا خطاباً معادياً للمسلمين ضد المرشح لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغن عبد الرحمن محمد السيد (عبدول)، وسردية تحذّر من أن الديمقراطيين يسعون إلى فرض أجندة راديكالية متطرفة أو أن الاشتراكيين التقدميين هم شيوعيون.

أما على الجانب الآخر، فيتقاسم الديمقراطيون هويات متعددة، ولا يزال داعمو إسرائيل يثيرون تعليقات علنية ضد زملاء لهم يعارضون دعم إسرائيل، ويبرز سباق مجلس الشيوخ عن ميشيغن بوصفه عنواناً رئيسياً لهذه الانتخابات، بعدما نجح عبدول في توحيد غالبية الديمقراطيين بمن فيهم وجوه لم تكن في السابق لتوجد في سباق يعارض ممثله دعم إسرائيل بمن فيهم تشاك شومر، زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ. كما شارك الرئيس الأسبق باراك أوباما في حملة انتخابية لدعم عبدول، مؤكداً أن لعبة استغلال الدين والأكاذيب لن تنجح ضده، ووصفه بأنه “يتصدى للسياسة الفاسدة في واشنطن التي تخدم من يملكون المال والسلطة… ويمتلك نزاهة حقيقية، ويهتم بالناس، ويقدم حلولاً عملية، ولا يسعى إلى إثراء نفسه على حساب الآخرين”.

وتتصدر القضايا الاقتصادية اهتمامات الناخبين الأميركيين، خصوصاً تكلفة المعيشة والتضخم، والسياسة الخارجية والحرب الأميركية على إيران وتأثيرها على الاقتصاد. وأظهرت استطلاعات الرأي أن الاقتصاد هو من القضايا الأكثر أهمية بالنسبة للناخبين عند اتخاذ قرارهم بشأن التصويت في الانتخابات النصفية المقرّرة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني (اليوم الثلاثاء)، بنسبة 23%، ثم الهجرة بنسبة 10%، ثم التضخم وتكلفة المعيشة بنسبة 9%، ثم ملف السياسة الخارجية بنسبة 7%. ويفضل الناخبون في جميع هذه الملفات المرشحين الديمقراطيين على الجمهوريين، ما يشير إلى الصعوبات التي تواجه الحزب الجمهوري في هذه الانتخابات. وتتصاعد المخاوف من عدم اعتراف ترامب بنتائج الانتخابات، خصوصاً في ظل الجهود التي تبذلها إدارته مبكراً للتشكيك في نزاهتها. ومن أجل ذلك، يحشد الديمقراطيون من أجل تصويت كثيف، للفوز بفوارق يصعب معها على ترامب التشكيك بالنتائج.

ومن المتوقع أن يشارك الجمهوريون بكثافة أكبر في يوم الانتخابات، في مقابل مشاركة ديمقراطية بشكل أكبر في التصويت المبكر والتصويت عبر البريد. وبلغ إجمالي من أدلوا بأصواتهم مبكراً في الانتخابات النصفية هذا العام، حتى نهاية يوم الجمعة الماضي، نحو 49 مليون صوت مبكر، وهو رقم أعلى من معظم الانتخابات النصفية السابقة وفق بيانات لجامعة فلوريدا. وفي الولايات التي تسجل الانتماء الحزبي وعددها 27 ولاية فقط، بلغ إجمالي الديمقراطيين 10 ملايين بنسبة 43%، والجمهوريين 7.5 ملايين بنسبة 32%، والمستقلين 5.9 ملايين بنسبة 25%.

وتتركز ساحة المعركة في مجلس الشيوخ على نحو 10 مقاعد من بينها سباقات تنافسية في ولايات حمراء تصوت تاريخياً للجمهوريين، وهي تكساس، ويتنافس فيها الديمقراطي جيمس تالاريكو مع الجمهوري كين باكستون، وماين بين الديمقراطي تروي جاكسون ضد السيناتور الجمهورية الحالية سوزان كولينز، وأوهايو بين الديمقراطي شيرود براون والسيناتور الجمهوري الحالي جون هوستيد، وألاسكا بين الديمقراطية ماري بيلتولا والجمهوري دان سوليفان، وأيوا بين الجمهورية آشلي هنسون والديمقراطي جوش توريك، وكانساس بين الديمقراطي آدم هاملتون والجمهوري روجرز مارشال، وكارولينا الشمالية بين الديمقراطي روي كوبر والجمهوري مايك واتلي، بينما يظهر سباق نيوهامبشير والذي يتنافس عليه الديمقراطي كريس باباس والجمهوري جون سونونو على أنه سباق في ولاية ديمقراطية يسعى الجمهوريين إلى كسبها، كما أنهم يضعون مقعد ميشيغن الذي يواجه فيه المرشح المسلم عبدول، الجمهوري مايك روجرز، بوصفه أحد أهم السباقات للفوز بها. وفي ما يخص مجلس النواب تقلصت مقاعد مجلس النواب التنافسية، بحسب تقرير كوك السياسي إلى 17 سباقاً فقط، مع توقعات بفوز الديمقراطيين بأكثر من 230 مقعداً.

نواب محتملون من باب رفض تسليح إسرائيل

وتحول وقف الدعم الأميركي لإسرائيل إلى ساحة معركة في بعض سباقات الانتخابات النصفية في مجلس النواب. وفي ما يلي أهم السباقات التي يجب مراقبتها في هذا السياق، والتي قد تشهد دخول نواب جدد إلى جانب عشرات النواب القدامى الذين تصنف دوائرهم على أنها آمنة مثل رشيدة طليب ورو خانا، حيث يتوقع بنسب تتجاوز 90% فوز هؤلاء المرشحين الجدد التقدميين أو الاشتراكيين المعارضين لتسليح إسرائيل في هذه الدوائر الآمنة بالنسبة للديمقراطيين، وهي: عن ولاية نيوجيرسي الدائرة 12: آدم حماوي، وهو طبيب مصري أميركي تطوع لعلاج المرضى في غزة أثناء الإبادة الجماعية، وعن كولورادو الدائرة الأولى: الاشتراكية ميلات كيروس التي ألهمها عمدة نيويورك زهران ممداني، وعن نيويورك الدائرة الـ13، الاشتراكية رياليزا أفيلا شوفالييه، وعن نيويورك الدائرة الـ7 الاشتراكية كلير فالديز، وعن نيويورك الدائرة الـ10، اليهودي الليبرالي براد لاندر الذي ألقي القبض عليه أخيراً في الضفة الغربية من قبل القوات الإسرائيلية، وعن ميشيغن الدائرة الـ13، التقدمي دونافان ماكيني.

وتشهد 3 سباقات في كاليفورنيا، تنافس مرشحين ديمقراطيين، أحدهم ضد سياسات إسرائيل (كاليفورنيا من الولايات بنظام القائمة المفتوحة ويشارك في انتخابات نوفمبر الفائزون في الانتخابات التمهيدية بغض النظر عن الحزب)، وهي الدائرة الـ34: التقدمية أنجيلا غونزاليس توريس ضد النائب الحالي جيمي غوميز، والدائرة الـ7 التقدمية ماي فانغ ضد النائبة الديمقراطية الحالية دوريس ماتسوي، والدائرة الـ14 التقدمية عائشة وهاب ضد الديمقراطية ميليسا هيرنانديز (فازت أخيراً على منافستها في انتخابات خاصة لتمثيل المقعد بضعة أشهر، وتخوضان السباق مجدداً في الانتخابات النصفية). كما تشهد الانتخابات في كاليفورنيا سباقاً على الدائرة الـ22 بين التقدمي راندي فيلغاس ضد النائب الجمهوري الحالي ديفيد فالاداو (+1 للمرشح الديمقراطي)، وميشيغن الدائرة الـ7 بين التقدمي الديمقراطي وليام لورانس ضد النائب الجمهوري الحالي توم باريت (يُصنَّف على أنه مقعد متأرجح بين الطرفين بنسبة 50% لكل منهما باستثناء موقع “ديسك ديسيشن إتش كيو” الذي صنفه على أنه يميل للديمقراطيين).

إلى ذلك، يتنافس مرشحون تقدميون معارضون لإسرائيل أيضاً مع مرشحين جمهوريين في دوائر تصنف على أنها آمنة للجمهوريين، وذلك في 4 دوائر هي: إلينوي الدائرة الـ11، وفيها الأميركي من أصول لبنانية وعضو المجلس الحالي دارين لحود ضد الديمقراطي التقدمي بول نولي، وكارولينا الشمالية الدائرة الـ10، ويتنافس فيها النائب الجمهوري بات هاريغان ضد الطبيبة التقدمية آشلي بيل، وأركنساس الدائرة الـ3، ويتنافس فيها النائب الجمهوري ستيف ووماك ضد التقدمي الديمقراطي روب وايرس، وإنديانا الدائرة الـ4 ويتنافس فيها النائب الجمهوري جيم بيرد ضد التقدمي درو كوكس.

وفي ما يخص انتخابات مجلس الشيوخ، يتبنى كل من الديمقراطيين جيمس تالاريكو (تكساس) وعبدول محمد السيد وتروي جاكسون (ماين) وأنجي نيكسون (فلوريدا) سياسات تعارض تسليح إسرائيل وتصف ما ترتكبه في غزة بالإبادة الجماعية. وتعدّ هذه المواقف تغييراً كبيراً في داخل الحزب الديمقراطي بعد عقود كان فيها ترشح أي شخص على أجندة تعارض إسرائيل كفيلاً بإنهاء حياته السياسية.

اختبار لقدرة ترامب على التحشيد

من جهته، أشار روب أرلت، الرئيس السابق لحملة ترامب في ولاية ديلاوير، في حديث خاص لـ”العربي الجديد”، إلى أن استمرار تقدم الديمقراطيين في الانتخابات النصفية بفارق بين 7 و9 نقاط على المستوى الوطني يمثل مشكلة كبيرة للجمهوريين خصوصاً في مجلس النواب، مشدداً على ضرورة أن يتعامل الحزب الجمهوري بجدية مع استطلاعات الرأي دون اعتبارها بمثابة النتائج النهائية. وقال حول ذلك: لا يزال بإمكان الجمهوريين رغم ذلك الاحتفاظ بكلا المجلسين، ولكن ذلك يتطلب نسبة مشاركة أعلى وأداء أفضل في التنافسية. أما بالنسبة لمجلس الشيوخ، فيجب تقييم الوضع في كل ولاية على حدة.

وفي ما يخص تصدر ترامب واجهة الانتخابات بالنسبة للجمهوريين، أشار أرلت إلى أن حضوره قد يؤدي إلى تحفيز القاعدة التي تشارك من أجله في التصويت، لكن في الوقت ذاته قد يؤدي إلى تحفيز معارضي سياسته. وتابع: “الحجة الأقوى التي تقدم لأنصار ترامب أن قدرته على تنفيذ وعوده الانتخابية تعتمد أساساً على انتخاب كونغرس داعم لأولوياته. هذا الطرح يحفز الناخبين الذين يشاركون في التصويت من أجله شخصياً، ولكنهم لا يهتمون بالقدر نفسه بالكونغرس، وقد يؤدي أيضاً إلى تحفيز معارضيه”.

ولفت الرئيس السابق لحملة ترامب في ديلاوير، إلى أن الحرب الأميركية على إيران وخطر تجددها وارتفاع أسعار الوقود تمثل تحدياً أساسياً كبيراً بالنسبة للجمهوريين في هذه الانتخابات، مضيفاً أن الناخبين يلمسون أثر السياسة الخارجية في فواتيرهم المنزلية كما أن لديهم مخاوف متعلقة بالأمن القومي. وقال: “حتى عندما ترتفع الأسعار نتيجة عدة عوامل يظل من في السلطة مطالباً بتقديم حلول. وقد تسهم هذه القضايا في فقدان سيطرة الجمهوريين على الكونغرس، رغم وجود عوامل أخرى مثل نسبة المشاركة واسم المرشح نفسه والظروف المحلية”.

من جهته، رأى المحلل السياسي كالفين دارك، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن “الاستطلاعات ليست دائما صحيحة في توقع الفائز، لكنها صحيحة دائماً في إخبارنا عن الاتجاه العام للناخبين”، مضيفاً أنه يتوقع فوز الحزب الديمقراطي بمجلس النواب بفارق كبير مع فرص جيدة، لكنها ليست بنفس درجة اليقين مثل مجلس الشيوخ. وقال: “المثير في الأمر أنه لو قلت قبل سنة إن الديمقراطيين قد يفوزون بمجلس الشيوخ لكان ذلك يبدو فكرةً مجنونة ومستحيلة تماماً. والسبب في ذلك موجة المعارضة للجمهوريين التي ازدادت، حتى إن ولايات مثل كانساس وتكساس وجورجيا وكارولينا الجنوبية التي كانت تميل للجمهوريين أو محسومة لهم أصبحت الآن في هذه الانتخابات تميل للديمقراطيين”.

وأشار دارك إلى أن الانتخابات هذه المرة تعد مختلفة تماماً، بعدما صارت قضية الحرب على إيران تحتل الأولوية الأولى لدى الناخبين لما لها من تأثير مباشر وواضح على الوضع الاقتصادي داخل البلاد خصوصاً أسعار الوقود. وأضاف أنه “في الانتخابات الأميركية يكون الاقتصاد الأولوية الأولى للناخبين، وليست السياسة الخارجية، لكن هذه الانتخابات مختلفة بسبب تأثير الحرب على إيران المباشر والواضح على الاقتصاد داخل البلاد. الناخب عندما يذهب إلى صندوق الاقتراع، سيفكر في تكلفة المعيشة ووضعه المالي، وسيربط ذلك مباشرة بما يحدث في إيران لأنه يؤثر على أسعار الوقود، كما سيربط الحرب مباشرة بترامب شخصياً. وعندما لا يرضى الناس عن الاقتصاد، يصوتون دائما ضد الحزب الحاكم، ولذا أعتقد أنها ستؤثر بقوة لصالح الديمقراطيين وضد الجمهوريين”.

وفي ما يخص الهجوم على المرشحين بسبب دينهم وهويتهم وأيديولوجيتهم، قال المحلل السياسي: “كأميركي، أجد هذه الانتقادات مخزية، خصوصاً أنها تأتي من الرئيس ومن أعضاء جمهوريين آخرين. لكنني أعتقد أنها في النهاية سترتد عليهم، خصوصاً في ميشيغن، التي يوجد فيها مجتمع عربي وأميركي مسلم كبير. هؤلاء الذين كانوا يفكرون في التصويت لعبدول السيد أو حتى لم يكونوا ينوون التصويت أصلاً، قد يدفعهم هذا الهجوم إلى دعمه بقوة أكبر”. وعن سبب لجوء الجمهوريين إلى هذا الهجوم، رأى أنه “عندما يشعر ترامب أنه يخسر، يلجأ دائما إلى سلاح الخوف. في السابق كان يستخدم التخويف من المهاجرين غير الشرعيين القادمين من المكسيك. أما الآن فقد أغلق الحدود، فلم يعد يستخدم هذا السلاح، فاضطر إلى البحث عن شيء آخر يخيف به الناس، فاختار مهاجمة عبدول السيد بسبب دينه وهويته، والشيء نفسه يحدث مع النائبة إلهان عمر… هذه ظاهرة مؤسفة”.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة × خمسة =

زر الذهاب إلى الأعلى