خبراء يحذرون: الاقتصاد الإيراني يقترب من نقطة اللاعودة

لا تحتاج الأوضاع الاقتصادية المتدهورة في إيران إلى كثير من الشرح، فالمعاناة المعيشية التي يواجهها قطاع واسع من المواطنين تمثل دليلاً واضحاً على ذلك.

ميدل ايست نيوز: لا تحتاج الأوضاع الاقتصادية المتدهورة في إيران إلى كثير من الشرح، فالمعاناة المعيشية التي يواجهها قطاع واسع من المواطنين تمثل دليلاً واضحاً على ذلك. أما عن أسباب هذا التدهور، فيُشار عادةً إلى عوامل متعددة، من بينها العقوبات الدولية طويلة الأمد المفروضة على إيران، وسوء الإدارة، والفساد الاقتصادي. وفي ظل الظروف الحالية، وبعد الخروج من تجربة الحرب الأخيرة التي استمرت 12 يوماً مع إسرائيل، تصاعدت المخاوف من مستقبل الاقتصاد الإيراني.

ويتعيّن مراقبة أداء وزير الاقتصاد الجديد، الذي نال ثقة البرلمان خلال فترة الحرب، لمعرفة كيف سيتعامل مع الأزمة الاقتصادية الراهنة.

الآلة الاقتصادية الإيرانية على طريق وعر

وفي هذا السياق، شبّه الخبير الاقتصادي جيار شريفي، في حديث مع موقع “رویداد 24“، الاقتصاد بآلة أو مبنى، وشرح أن علم الاقتصاد يقوم على ثلاثة أركان: الإنتاجية، وعجلة الديون قصيرة الأجل، وعجلة الديون طويلة الأجل، وأن أي تقييم لأداء الاقتصاد يجب أن يأخذ هذه العوامل الثلاثة بعين الاعتبار.

وقال شريفي إن الاقتصاد مصدر للقوة، وأن الدول ذات الاقتصاد الأقوى تتمتع بنفوذ أكبر على الساحة الدولية. واعتبر أن الاقتصاد الإيراني قادر على التحرك السريع، لكنه يبقى “عالقاً في الغيار الثقيل” طالما بقي معزولاً عن الاقتصاد العالمي.

وأشار إلى أن الاقتصاد الإيراني اليوم يخضع لهيمنة الأجهزة الحكومية والكيانات الريعية، حيث تسيطر الدولة والمؤسسات الموازية لها على أكثر من 70% من هيكل الاقتصاد. وأضاف أن تركز الملكية، وغياب التنافس الحقيقي، والقوانين غير الفعالة، أدت إلى تدهور الإنتاجية، ووفرت بيئة خصبة للفساد والاختلاس. وبحسب تعبيره، فإن الانتهازيين والفاسدين يستغلون هذه الثغرات البنيوية لنهب الموارد وشلّ المنظومة الاقتصادية.

حاجة ماسة إلى إصلاحات هيكلية عميقة وجادة

وأكد الخبير الاقتصادي أن العجز في الموازنة الإيرانية والاعتماد الشديد على العوائد النفطية غير المستقرة، فاقما الوضع. وشبّه الاقتصاد الإيراني بـ”مبنى مظلم وفوضوي يُدار بلا مخطط هندسي، وبأسلاك كهرباء موضوعة بشكل خاطئ”، مضيفاً أن هذه الظروف تسببت بفقدان ثقة المستثمرين المحليين والأجانب، وتراجع الإنتاج المحلي، في حين يعاني المستهلكون من التضخم وعدم الاستقرار الاقتصادي.

ورأى شريفي أن الخروج من هذه الأزمة يتطلب إصلاحات هيكلية جذرية تشمل الشفافية التامة، وتعزيز دور الهيئات الرقابية المستقلة، وتقليص الملكية الحكومية الريعية، والاتجاه نحو اقتصاد سوق تنافسي. لكنه اعتبر أن تحقيق هذه الإصلاحات في ظل احتكار الاقتصاد من قبل الدولة والجهات التابعة لمراكز نفوذ خاصة، يجعل من بروز قيادة قوية ومستقلة قادرة على كسر منظومة الفساد أمراً شبه مستحيل. ومع ذلك، أشار إلى أن الأمل لا يجب أن يُفقد، لأن وجود إدارة قوية وحازمة يمكن أن يعيد الاقتصاد إلى مسار النمو والتنمية المستدامة، شريطة إعطاء الأولوية للإصلاحات الهيكلية واستقلال المؤسسات.

الآثار الاقتصادية لسيناريو استمرار الحرب وعدم التوصل إلى اتفاق

وحول السيناريوهات المحتملة في حال استمرار الحرب وعدم التوصل إلى اتفاق، قال الخبیر إن الاقتصاد الإيراني يواجه منذ سنوات ضغوط العقوبات الدولية، والخلل البنيوي، والفساد، وسوء السياسات الاقتصادية، ومع تصاعد التوترات العسكرية واحتمال اندلاع حرب شاملة، تزداد المخاوف من انهيار اقتصادي واسع النطاق وتفاقم الأزمات الاجتماعية.

ويرى خبراء أنه في حال فشل وقف إطلاق النار واستمرار الحرب، فإن الاقتصاد الإيراني سيتعرض لمزيد من التدهور، بما يشمل انهيار قيمة الريال، وارتفاع حاد في أسعار العملات الأجنبية، ولا سيما الدولار واليورو، وتشديد العقوبات المالية والنفطية والتجارية، ونقص حاد في السلع الأساسية مثل الزيوت والبقوليات والمنتجات الزراعية، وارتفاع التضخم إلى مستويات تتجاوز 50%، إلى جانب أزمة سيولة، وإفلاس الشركات الصغيرة والمتوسطة، وهروب رؤوس الأموال وخروج العملة الأجنبية من البلاد، وتزايد معدلات الفقر والتفاوت الاجتماعي، وتفاقم الضغوط على الشرائح الضعيفة من المجتمع.

عواقب اجتماعية ونفسية للأضرار الاقتصادية الناجمة عن الحرب

وتُفاقم هذه الأضرار المتوقعة الأزمة الاقتصادية في ظل هيكل اقتصادي يعاني منذ سنوات من الفساد الإداري، والريع، وغياب الشفافية، وفشل في الإدارة الاقتصادية العامة. وفي مثل هذا السياق، فإن مجرد ضخ الأموال لن يكون كافياً ما دامت البنية الحاكمة للاقتصاد عاجزة عن تحقيق التحسن المستدام.

وتنعكس الأزمة الاقتصادية الناتجة عن الحرب والعقوبات والفساد أيضاً على المجتمع من الناحية الاجتماعية والنفسية، حيث تسجل معدلات أعلى للبطالة وفقدان الأمل، وزيادة في هجرة الكفاءات والعقول، وارتفاع في معدلات الجريمة والمشكلات الاجتماعية، وتدهور في مؤشرات الصحة النفسية للمجتمع.

وخلاصة القول، إنه في حال استمرار الوضع الراهن وغياب اتفاق سياسي على المستوى الدولي، فإن الاقتصاد الإيراني يسير نحو أزمة حادة قد يصعب التراجع عنها. والطريق الوحيد للخروج من هذا النفق يتمثل في مراجعة شاملة للسياسات العامة، وتنفيذ إصلاحات هيكلية حقيقية، والعودة إلى تفاعل بنّاء مع المجتمع الدولي.

اقرأ أكثر

ضيف دائم على الاقتصاد الإيراني.. لماذا لا يختفي التضخم؟

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سبعة عشر − 14 =

زر الذهاب إلى الأعلى