مناورة إيران لإطالة عمر الاتفاق النووي لما بعد الانتخابات الأمريكية

تعاون إيران يزيل عقبة رئيسية كانت تعيق أي عودة إلى الامتثال الكامل للاتفاقية النووية لعام 2015.

ميدل ايست نيوز: حلت إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية مؤخرًا نزاعًا دام عامًا ونصف العام بشأن تحقيق الوكالة في مواد وأنشطة نووية محتملة غير معلنة، فيما يبدو مناورة من إيران لتضمن بقاء الاتفاقية النووية لعُمر أطول من الإدارة الأمريكية الحالية.

صحيح أن هذا التحقيق يركز على حصر الأنشطة السابقة، لكن تعاون إيران يزيل عقبة رئيسية كانت تعيق أي عودة إلى الامتثال الكامل للاتفاقية النووية لعام 2015.

إنقاذ للاتفاقية النووية

ويظهر الاتفاق، الذي بموجبه ستتيح إيران للوكالة الوصول إلى موقعين ليسا جزءًا من برنامج إيران النووي المعلن، التزام طهران بالوفاء بالتزاماتها بموجب الاتفاقية النووية.

كما أنها خطوة مهمة للوكالة الدولية للطاقة الذرية لضمان أن جميع المواد النووية في إيران يتم حصرها ومراقبتها.

وبينما تحاول الولايات المتحدة إعادة فرض عقوبات مجلس الأمن على إيران والتي تم رفعها وفقًا للاتفاقية النووية (المعروفة رسميًا باسم خطة العمل الشاملة المشتركة) فإن تعاون طهران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية يجسد التزام إيران المستمر بالحفاظ على الاتفاقية.

وهكذا سيجتمع اتفاق إيران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع الدعم الدولي القوي للاتفاقية النووية، ليزيد بشكل كبير من فرصة نجاة خطة العمل الشاملة المشتركة.

رفض تعاون سابق

بدأ التحقيق الأخير الذي أجرته الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن الأنشطة النووية غير المعلنة المحتملة في إيران في أوائل عام 2019، عندما سمحت إيران للمفتشين بالوصول إلى موقع غير معلن من قبل.

بعد ذلك، اكتشف مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية مصادر لجسيمات يورانيوم أنثروبولوجية (معالجة بشريًا)، ويشير وجود اليورانيوم في الموقع إلى أن إيران استخدمته لتخزين المواد التي كان من المفترض الإعلان عنها للوكالة.

سعت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أيضًا إلى توضيح من إيران بشأن 3 مواقع إضافية، تشك الوكالة أنها ربما تكون قد استُخدمت من أجل مواد أو أنشطة نووية غير معلنة قبل عام 2003.

وخلصت المخابرات الأمريكية إلى أن إيران أنهت برنامجها المنظم للأسلحة النووية في ذلك الوقت تقريبًا، وطلبت الوكالة الوصول الفعلي إلى اثنين من هذه المواقع في يناير/كانون الثاني 2020، وهو ما رفضته إيران.

واصلت إيران عرقلة التحقيق في أشهر الصيف، وبينما كان من الواضح من تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن التحقيق استهدف أنشطة ربما حدثت منذ ما يقرب من عقدين ولا تشكل خطر انتشار قريب المدى، لكن إحجام إيران عن التعاون قوض مصداقية طهران.

كما هدد رفض طهران للتحقيق بإلحاق المزيد من الضرر بالانطباع عن امتثال إيران لخطة العمل الشاملة المشتركة، والتي تُلزم طهران بتطبيق بروتوكول إضافي أكثر تدخلاً على اتفاقية الضمانات الخاصة بها، مما يوسع امتيازات التفتيش الخاصة بالوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ويتطلب تنفيذ إيران لاتفاقية الضمانات والبروتوكول الإضافي منها الامتثال لتحقيقات الوكالة.

أصدر مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية قرارًا في 20 يونيو/حزيران يدعو إيران إلى السماح بالدخول إلى المواقع المعنية.

وأكد القرار، الذي تقوده الأطراف الأوروبية في خطة العمل الشاملة المشتركة (فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة)، قلقهم بشأن إحجام إيران عن التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وفي أعقاب القرار، حذر المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية “رافائيل ماريانو جروسي” من أنه إذا لم تتعاون إيران بحلول نهاية يوليو/تموز “فسيكون الأمر سيئًا”.

إدامة الاتفاقية النووية

لكن الاتفاق الذي تم التوصل إليه في نهاية المطاف في 26 أغسطس/آب يحدد سماح إيران للوكالة بإجراء عمليات تفتيش تتعلق بالضمانات في الموقعين المعنيين.

وقالت الوكالة إنه في الوقت الحالي ليس لديها المزيد من الأسئلة أو طلبات الوصول، وربما اختارت أن تقول هذه الكلمات لمعالجة المخاوف الإيرانية بشأن اعتزام الوكالة الدولية للطاقة الذرية إعادة التحقيق في جميع الأنشطة النووية الإيرانية قبل عام 2003.

لكن هذا لا يعني أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية لن تسعى للحصول على توضيحات مستقبلية من إيران، حيث قد تسعى الوكالة للحصول على إجابات أو تطلب وصولًا إضافيًا اعتمادًا على نتيجة عمليات التفتيش هذه، وفق واجبها.

في الوقت الحالي، يعد التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية دليلاً هامًا على وفاء إيران بالتزاماتها المتعلقة بالضمانات وآليات المراقبة الإضافية المتفق عليها بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة.

ولا يزال هناك مخاوف بشأن انتهاكات إيران الحالية للاتفاقية النووية، لكن كل خطوة من الخطوات التي اتخذتها إيران لخرق الاتفاقية -بما في ذلك تجاوز حد التخصيب، وزيادة مخزونها من اليورانيوم منخفض التخصيب، وإدخال أجهزة طرد مركزي متطورة، واستئناف أنشطة التخصيب في منشأة فوردو، من بين أمور أخرى- قابلة للتراجع عنها.

ويؤدي توافق إيران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى تعزيز الثقة بأن إيران لا تنوي تقليص امتثالها للوكالة في محاولتها للضغط على الأطراف المتبقية في الاتفاقية النووية لتخفيف العقوبات، حيث قد تهدد أي خطوات من هذا القبيل بانهيار الاتفاقية النووية.

يقدم هذا الاستنتاج أيضًا طمأنة لأعضاء مجلس الأمن الذين سيواصلون معركة عرقلة محاولات الولايات المتحدة إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة على إيران.

ففي الوقت الحالي، ظلت الغالبية العظمى من أعضاء مجلس الأمن ملتزمة برفض طلب الولايات المتحدة باستعادة العقوبات بسبب انتهاكات إيران لخطة العمل الشاملة المشتركة (وهي الانتهاكات التي كانت الولايات المتحدة مسؤولة عن تحفيزها عندما بادرت هي بانتهاك الاتفاق أولاً وإعادة فرض العقوبات)، لكن لا يبدو أن إدارة “ترامب” ستتخلى عن معركتها.

ويخفف امتثال إيران لتحقيقات الوكالة الدولية للطاقة الذرية أحد المخاوف الرئيسية التي ربما تكون الدول قد بررت بها دعم الضغط الأمريكي لاستعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة.

أما بالنسبة إلى الدول التي ترى خطة العمل الشاملة المشتركة على حقيقتها (اتفاقية حظر لانتشار الأسلحة النووية)، فإنهم يرون حماقة في الجهود المبذولة لإفشال اتفاقية نجحت حتى الآن في تشجيع برنامج نووي إيراني سلمي حصرًا.

كما يترك الحفاظ على الاتفاقية فرصة للإدارة الأمريكية المستقبلية للتفاوض بشأن إعادة دعمها، كما ألمحت إيران إلى أن عودة الولايات المتحدة يمكن أن تقابلها عودة إيران للامتثال، وقال الرئيس الإيراني “حسن روحاني” في أواخر أغسطس/آب إن طهران ستتفاوض مع واشنطن إذا عادت للاتفاق الحالي.

ويمثل اتفاق إيران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية خطوة مهمة نحو معالجة المخاوف بشأن المواد والأنشطة النووية الإيرانية غير المعلنة في الماضي، وهو أمر مهم لكل من إيران التي تسعى للوفاء بالتزاماتها الدولية، وللوكالة الدولية للطاقة الذرية التي تسعى للتحقق بشكل شامل من برنامج إيران النووي.

كما يمثل ذلك تطورًا مهمًا للاتفاقية النووية أيضا، فمن خلال اتفاقية ضمانات كاملة للوكالة الدولية للطاقة الذرية والدعم المعلن من المجتمع الدولي للاتفاق النووي، أمّنت إيران لنفسها فرصة للحفاظ على الاتفاقية النووية لوقت أطول من الإدارة الأمريكية الحالية.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
بواسطة
الخليج الجديد
المصدر
Responsible Statecraft

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واحد + خمسة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى