من الصحافة الإيرانية: حان الوقت للخروج من معاهدة حظر الانتشار النووي

في ظل فشل المجتمع الدولي في الاعتراف بحقوق إيران، وانحيازه الصريح إلى الاعتداءات الصهيونية، يبدو أن الخروج من المعاهدة ضرورة من ضرورات الدفاع عن السيادة الوطنية وضمان الأمن القومي.

ميدل ايست نيوز: تمثل معاهدة معاهدة حظر الانتشار النووي، التي أُبرمت عام 1968، واحدة من أبرز وأشد المعاهدات الدولية إثارةً للجدل، إذ تهدف أساسًا إلى نزع السلاح النووي من الدول المالكة له، ومنع حصول الدول غير النووية على هذه الأسلحة، وضمان الاستخدام السلمي للطاقة النووية من قبل جميع الدول. وقد اعترفت المعاهدة رسميًا بخمس دول باعتبارها قوى نووية: الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين، في حين لم تنضم الهند وباكستان وإسرائيل إلى هذه المعاهدة، وسعت جميعها إلى تطوير أسلحة نووية خارج إطارها.

كما انسحبت كوريا الشمالية من المعاهدة لأسباب شملت هواجس أمنية، وسياسات المعايير المزدوجة التي اعتمدتها الدول الغربية، ولأغراض تتعلق بكسب أوراق ضغط في التفاوض مع الولايات المتحدة. ورغم توصلها إلى تفاهمات أولية مع إدارة كلينتون، فإنها أجرت أول اختبار نووي لها بعد تراجع إدارة جورج بوش الابن عن التزاماتها، لتنضم فعليًا إلى النادي النووي.

في هذا السياق، ورغم أن الاتحاد السوفياتي كان دولة مجاورة لإيران ويمتلك سجلًا من الانتهاكات التاريخية لحدودها، كما أن باكستان والهند وإسرائيل لم يكونوا أعضاء في المعاهدة وسعوا لامتلاك السلاح النووي، فإن الشاه محمد رضا بهلوي قرر الانضمام إلى معاهدة عدم الانتشار عام 1970، بعد وقت قصير من دخولها حيّز التنفيذ، وهو ما لم يكن مبرّرًا من الناحية الأمنية. وقد واجه البرنامج النووي الإيراني بعد الثورة الإسلامية سلسلة من نكث التعهدات الغربية، بل وتخلّت حتى دول “صديقة” كروسيا والصين عن بعض التزاماتها، ما دفع إيران نحو خيار التوطين الكامل لتقنياتها النووية.

وقد شكّل هذا التوطين تحديًا هائلًا، إذ لم تكن هناك بنية نووية داخلية قائمة، وترافقت الجهود الإيرانية مع عراقيل متواصلة من الغرب، ولا سيما الولايات المتحدة، وهي عراقيل ما تزال مستمرة حتى اليوم.

وفي ظل هذا الواقع، دخلت إيران في إحدى أعقد الأزمات السياسية والأمنية في العالم، عُرفت بأزمة الملف النووي، ورغم سنوات طويلة من التفاوض، وحتى بعد التوصل إلى الاتفاق النووي مع مجموعة “5+1″، انتهى المشهد بشنّ حرب مفروضة من قبل الكيان الصهيوني، بمشاركة مباشرة من الولايات المتحدة.

ومنذ بداية الأزمة، عمدت إيران إلى خطوات عديدة لبناء الثقة، شملت تعليق التخصيب عدة مرات، وإخراج المواد المخصبة من البلاد، والقبول بعمليات تفتيش غير مسبوقة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وخفض مستويات التخصيب، وفرض قيود طوعية على مختلف جوانب برنامجها النووي وفقًا للاتفاق النووي. ومع ذلك، لم تُجدِ هذه الخطوات نفعًا في حلّ الملف، ولا حتى في تجنب الحرب، رغم عضوية إيران في المعاهدة.

وعلى مدار هذه الأعوام، هددت إيران مرارًا بالخروج من معاهدة حظر الانتشار النووي، لكنها لم تتخذ خطوة فعلية بهذا الاتجاه. ويستند معارضو الخروج من المعاهدة إلى أن هذه الخطوة ستُعتبر بمثابة إعلان نية لصناعة قنبلة نووية، ما سيبرر للغرب فرض حرب مدمّرة، دون أن تلقى إيران دعمًا حقيقيًا من حلفائها كالصين وروسيا.

واليوم، وبعد مرور أكثر من عشرين عامًا من المفاوضات، لا تزال إيران، رغم التزامها ببنود المعاهدة، لا تتمتع بأي من مزايا العضوية. وعلى العكس، فقد تعرّضت منشآتها النووية لهجمات من الكيان الصهيوني بموافقة وتنسيق أميركي، وبتواطؤ من المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وصمت من الدول الأوروبية.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: لماذا تبقى إيران عضوة في معاهدة لم توفر لها أي حماية، وفرضت عليها قيودًا قاسية، ولم تمنع تعرضها للاعتداء؟ ما الذي ينبغي أن يحدث أكثر من حرب، وشهداء مدنيين، وقصف منشآت نووية وما ينطوي عليه من خطر تسرب إشعاعي، حتى تدرك السلطات الإيرانية أن الوقت قد حان للخروج من هذه المعاهدة؟

ينبغي إيصال رسالة واضحة للطرف الآخر بأن إيران ستدافع عن حقوقها المشروعة دون تردد، وإذا كانت التضحيات والتنازلات الكبيرة لم تُقابل باعتراف بحقوقها، فإنها ستتخذ خطوات تصبّ في مصلحتها دون خوف.

وفي ظل فشل المجتمع الدولي في الاعتراف بحقوق إيران، وانحيازه الصريح إلى الاعتداءات الصهيونية، يبدو أن الخروج من المعاهدة ضرورة من ضرورات الدفاع عن السيادة الوطنية وضمان الأمن القومي.

وبعد الهجوم على المنشآت النووية، وما لحقها من أضرار، وفي ظل تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول ضرورة تدمير القدرات النووية الإيرانية، فإن من بين مزايا الخروج من المعاهدة، اعتماد سياسة الغموض النووي، التي قد تمنح إيران يدًا عليا في المفاوضات، وتشكّل أداة ضغط فعالة في مواجهة الأطراف المعادية.

حميد رضا إسماعيلي نجار
باحث في القانون النووي

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
بواسطة
ميدل ايست نيوز
المصدر
دبلوماسي إيراني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسعة عشر − 13 =

زر الذهاب إلى الأعلى