مبادرة الحريري.. صمت “شيعي” ومخاوف من “عقدة مسيحية” تعيق المبادرة الفرنسية في لبنان

رحبت الخارجية الفرنسية بطرح الحريري إيلاء وزارة المالية لشخصية شيعية يختارها الرئيس المكلّف من بين 10 أسماء يقترحها الثنائي الشيعي.

ميدل ايست نيوز: في محاولة جديدة لإنقاذ المبادرة الفرنسية، استطاع رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري أن يكسر حالة المراوحة التي أصابت عملية تشكيل حكومة الرئيس المكلف مصطفى أديب، باقتراحه مساعدة أديب في تسمية وزير شيعي مستقل لوزارة المالية، ولمرة واحدة “من دون أن تشكّل عرفا لتشكيل حكومات في ​المستقبل”​.

هذا الاقتراح الذي وصفه الحريري بـ “تجرع كأس السمّ”، أظهر سعيه للالتقاء بمنتصف الطريق مع الثنائي الشيعي (حركة أمل وحزب الله)، الذي يصرّ على مطلب الحصول على وزارة المالية وتسمية كل الوزراء الشيعة في الحكومة.

وفور إعلان الحريري لطرحه، ذهبت معظم التحليلات أنه نتج عن تكليف فرنسي مباشر، بعد أن بلغت مبادرة ماكرون مرحلة حرجة من هدر الوقت.

وفي حين كان مفاجئا التنصل “العلني” لرؤساء الحكومات السابقين (فؤاد السنيورة ونجيب ميقاتي وتمام سلام) من مبادرة الحريري، ووصفها بـ “الشخصية”، لم يصدر في شأنها حتى الآن أي موقف رسمي من الثنائي الشيعي، باستنثاء نقل بعض الأجواء الإيجابية، على قاعدة أنها تحتاج للبحث والمشاورات.

يكشف اقتراح الحريري أنه بدّل قراءته لفحوى المبادرة الفرنسية، بعد أن كان يتبنى مبدأين أساسيين لتشكيل الحكومة، هما المداورة في الحقائب وعدم التمثيل السياسي في الحكومة.

أما الموقف اللافت فقد صدر أمس الأربعاء عن رئاسة الجمهورية في بيان أعلنت فيه أن رئيس الجمهورية ميشال عون “معنيّ بالمباشر بتشكيل الحكومة وإصدار مرسوم التشكيل بالاتفاق مع رئيس الحكومة المكلّف”.

سريعا، رحبت الخارجية الفرنسية بطرح الحريري إيلاء وزارة المالية لشخصية شيعية يختارها الرئيس المكلّف من بين 10 أسماء يقترحها الثنائي الشيعي.

وفي السياق، يشير النائب البرلماني لتيار المستقبل محمد حجار إلى أن طرح الحريري جاء بعد تقييمه لمرحلة حساسة يقف فيها البلد أمام فرصة فرنسية مصيرية “لفك العزلة الدولية عنه، وفتح أبواب المساعدات أمامه، لا سيما بعد انفجار مرفأ بيروت الكارثي”.

ويرفض حجار في تصريح للجزيرة نت وصف طرح الحريري بـ “التنازل”، ويعتبرها مبادرة استثنائية جاءت لحلحلة المبادرة الفرنسية ووقف الابتزازات التي تتعرض لها داخليا وخارجيا، “من دون أن يعني ذلك السماح بتجاوز الدستور”.

كما ينفي حجار صيغة الدفع الفرنسي المباشر لطرح الحريري، ويشير مع ذلك أن تواصل فرنسا المباشر مع الحريري لا يتوقف.

تباين أم توزيع أدوار؟

وعن موقف رؤساء الحكومات السابقين، تشير معلومات للجزيرة نت أن هناك تباينا نشب بين الأركان الأربعة لنادي الرؤساء، وأن طرح الحريري لقي معارضة زملائه لدى عرضه عليهم، فمضى به وحيدا.

وفي حين رجح البعض أن يكون هذا “التباين” عملية توزيع للأدوار، يكتفي الحجار بالقول “قد يصف البعض طرح الحريري بالانتحار السياسي، ولرؤساء الحكومات الباقين رأيهم الذي نحترمه، لكن الأولوية هي لإنقاذ المبادرة الفرنسية قبل فوات الأوان”.

من جهته، يعتبر الكاتب والمحلل السياسي جوني منير أن التباين في موقف رؤساء الحكومات السابقين كان منطقيا، وقد نبع عن ملاحظات حول الترتيب الشكلي لطرح الحريري وليس اعتراضا على مضمونه.

ويقول للجزيرة نت إن هذا التباين يريح الحريري “لأنه في حال لم تنجح مبادرته بإمكانه الاستناد على موقفهم للرجوع خطوة إلى الوراء” على حدّ قوله.

أما الكاتب والمحلل السياسي رضوان عقيل فيكشف أن طرح الحريري لم يكن جديدا على “الثنائي الشيعي”، وإنما سبق للرئيس الفرنسي أن طرحه على رئيس مجلس النواب نبيه بري في آخر اتصال هاتفي معه، وصارت لائحة أسماء الشيعة لتولي حقيبة المالية في حوزة المعنيين في فرنسا وبين يدي أديب.

ويصف عقيل طرح الحريري بـ “ربع خطوة”، بينما يرفض “الثنائي الشيعي” -وفق عقيل- إقدام أديب على تسمية أي شخصية شيعية في الحكومة من دون الرجوع لهما. وأشار عقيل للجزيرة نت إلى أنه رغم تحريك عجلة المبادرة الفرنسية، فإنها كشفت أن الحريري هو “الرئيس الأصيل لحكومة المهمة، مما يؤثر سلبا على مهمة أديب”، كما يقول.

عقدة مسيحية؟

ورأت في المقابل بعض القوى أن تذكير رئيس الجمهورية بأنه معني بتشكيل الحكومة يمهد للتدخل في تسمية الوزراء المسيحيين، كما لوحت أجواء التكتل النيابي للتيار الوطني الحر -برئاسة جبران باسيل- أن طرح الحريري يشكل تجاوزا دستوريا، لاعتبار أن رئيس الحكومة المكلف هو من يختار وحده الوزراء.

وفي السياق، توضح مي خريش نائبة رئيس التيار الوطني الحر للشؤون السياسية، أن رئيس الجمهورية والتيار يدعمان كل طرح يثقب جدار الجمود في المبادرة الفرنسية، “شرط أن تتكامل مع النصوص الدستورية، لا سيما أن تشكيل الحكومة يحتاج لتوقيع رئيس الجمهورية كشريك فعلي في التكليف والتأليف، وإلى ثقة الكتل النيابية”.

وقالت للجزيرة نت إن موقف تيار باسيل واضح لجهة رفض المشاركة في الحكومة، “لكن في المقابل لا نقبل إلغاء تمثيلنا الشعبي والسياسي كقوّة وازنة في البلد”.

وتشير خريش إلى أن التيار لن يعطي الثقة البرلمانية للحكومة “ما لم تكن منتجة وفاعلة وإصلاحية من رئيسها لوزرائها”.

ويبدو السؤال الوجيه هنا، هل ستولد الحكومة بتسليم حقيبة المال لشخصية شيعية تنال رضا الثنائي؟ في هذا الإطار يرى رضوان عقيل أن الحكومة لن تبصر النور بحل هذه العقدة، ويرجح أن يرفض رئيس الجمهورية الوقوف متفرجا أمام اختيار الأسماء المسيحية في الحكومة، معتبرا أن تصريحه لوح بذلك، و”قد حمل اتهاما مبطنا للحريري بالاستيلاء غير الدستوري على عملية التشكيل”.

وهو ما يؤكده جوني منير، الذي اعتبر أن طرح الحريري نقل المعركة الحكومية لمكان آخر، ويرجح أيضا بروز ضغط من عون والتيار الوطني للتدخل في عملية التشكيل سعيا لتمثيلهما في الحكومة.

عقوبات أميركية

ويذهب منير حد اعتبار أن انتقال عون وفريقه السياسي إلى ضفة حزب الله في عملية التشكيل الحكومي، قد يترتب عليه أن تطال العقوبات الأميركية قريبا شخصيات مسيحية قريبة من فريق عون السياسي.

في المقابل، يؤكد رضوان عقيل أن إصرار الثنائي الشيعي للتمثيل في الحكومة، ناتج عن خشية استمرار مسلسل العقوبات، إضافة إلى طرح قضايا على الطاولة الحكومية لا تتلاءم مع سياسة الثنائي، وفي طليعتها ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل.

وعلى وقع توالي العقوبات الأميركية “صار المكون الشيعي في لبنان مستنفرا بجناحيه السياسي والديني، لشعوره بالاستهداف ومحاولات التضييق عليه خارجيا ومن خصومه الداخليين الذين وجدوا في العقوبات وسيلة لتطويعه”، على حد قول عقيل.

ولا يخفي مراقبون أنه رغم أهمية مبادرة الحريري في إنعاش المبادرة الفرنسية التي كانت تترنح، فإنها قد تكون قد نقلت محاولات تشكيل الحكومة نحو مربع جديد للأزمة التي تبدو مستحكمة حتى اليوم في لبنان.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
الجزيرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واحد × 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى