حافظ الشيرازي المزيف.. كيف تم تزييف قصائد شاعر الحب الفارسي؟

من المثير للإحباط لمحبي هذين الشاعرين أن يكتشفوا أن القصائد التي أحبوها كثيرا والتي تنتشر في كل مكان على مواقع الإنترنت مزيفة.

ميدل ايست نيوز: يعمل الأكاديمي أوميد صافي أستاذا للدراسات الآسيوية والشرق أوسطية كما تولى منصب مدير “مركز ديوك للدراسات الإسلامية”. وفي هذا الوقت من العام، عادة يتلقى الأكاديمي الأميركي بعض الطلبات لتعقب النصوص الأصلية والأصيلة لبعض أشهر الشعراء المسلمين والتحقق منها، ومن أبرز هؤلاء الشعراء حافظ الشيرازي (725-792 هجرية تقريبا) وجلال الدين الرومي (604-672 هجرية).

ومن المثير للإحباط لمحبي هذين الشاعرين أن يكتشفوا أن القصائد التي أحبوها كثيرا والتي تنتشر في كل مكان على مواقع الإنترنت مزيفة ولا علاقة لها بالشعر الأصلي للشاعر المحبوب والمشهور حافظ الشيرازي.

قصائد مزيفة

إذن، كيف يمكن أن تكون قرابة 99% من الاقتباسات والقصائد المنسوبة إلى واحد من أكثر الشعراء الفارسيين والحكماء المسلمين شهرة وتأثيرا على الإطلاق زائفة؟ في الواقع، يمثل هذا الأمر قصة تشويه الغرب للروحانية الإسلامية والاستيلاء عليها، حسب مقال أوميد صافي لموقع الجزيرة الإنجليزية.

وذكر الكاتب بعض هذه الاقتباسات المنسوبة إلى حافظ، ومنها:

“حتى بعد كل هذا الزمن،

لم تقل الشمس للأرض أبدا:

“أنت مدينة لي”.

انظروا ماذا يفعل حب كهذا،

يضيء السماء بأكملها”

وحتى إن أعجبك هذا الشعر فإنه مزيف للأسف، ومثله أيضا:

“قلبك وقلبي

صديقان قديمان جدا جدا”.

وهذا البيت الشعري مزيف أيضا:

“الخوف هو أرخص غرفة في المنزل.

أود أن أراك تعيش في ظروف أفضل”.

لا تعود أي من الأبيات الشعرية الشهيرة التي قد يعرفها القراء للشاعر الفارسي الشهير، وإنما للشاعر الأميركي دانيال لادينسكي (مواليد 1948) الذي ينشر كتبا وينسبها للشاعر الفارسي الشهير حافظ منذ أكثر من 20 عاما، وأصبحت هذه الكتب الأكثر مبيعا وتصنف ضمن خانة الأعمال الصوفية في المكتبات، حسب صافي.

وقال الكاتب إنه يؤلمه الاعتراف بهذه الحقيقة لأن كثيرا من الناس يحبون ترجمات “حافظ”، التي تتحول إلى شعر جميل باللغة الإنجليزية، وتعكس أحيانا حكمة عميقة، لكن الحقيقة هي أنه ليس لترجمات لادينسكي أي صلة بما قاله الحكيم الفارسي حافظ الشيرازي في القرن الرابع عشر، حسب تعبير صافي.

ومن جهته، اعترف لادينسكي بأنها ليست “ترجمات” ونفى أي معرفة له بالفارسية في كتابه الأكثر مبيعا الصادر في عام 1996 “سمعت الرب يضحك” (I Heard God Laughing).

يأخذ الفرس الشعر على محمل الجد. وبالنسبة لكثيرين، يمثل الشعر إسهاماتهم الفريدة في الحضارة العالمية. ومن بين مجموعة عظماء الشعر الفارسي الخالدين، حافظ الشيرازي وجلال الدين الرومي وسعدي الشيرازي وفريد الدين العطار ونظامي الكنجوي وأبو قاسم الفردوسي، لكن لا أحد منهم أتقن اللغة الفارسية مثل حافظ.

محيط الرومي وماس الشيرازي

في مقدمة كتاب تحدث فيه عن حافظ، قال الكاتب إن الرومي يأتي إليك وكأنه محيط يسحبك إلى أن تستسلم لموجته الصوفية لتغوص من جديد في المحيط، بينما يشبه حافظ بالماس المضيء حيث يكون كل وجه له مصقولا بمثالية، ولا يمكنك إضافة أو حذف أي كلمة من أشعاره.

وفي الواقع، لا يقوم لادينسكي بترجمة النصوص الفارسية الأصلية لحافظ، بل لا علاقة له بأشعاره أصلا. ويدعي لادينسكي أن حافظ ظهر له في المنام وسلمه “الترجمات” الإنجليزية التي ينشرها، حيث قال “بعد حوالي 6 أشهر من عملي على هذه الكتابات، راودني حلم مذهل رأيت فيه حافظ كأنه إله، حيث غنى لي مئات السطور من شعره باللغة الإنجليزية، وطلب مني أن أمرر هذه الرسالة إلى الفنانين والباحثين”.

يصف الباحث الكبير في الأدب الفارسي والأوردو، كريستوفر شاكل، إنتاج لادينسكي بأنه “ليس إعادة صياغة بقدر ما هو محاكاة ساخرة للأسلوب الرائع لأعظم معلم في الشعر الفني الفارسي”، بينما وصف الناقد الأدبي مراد نعمة قصائد لادينسكي بأنها تتنكر في شكل “ترجمة”.

وأضاف الكاتب أن شعر لادينسكي يحتوي على رؤى صوفية وبعض العبارات التي ينسبها إلى حافظ هي في الواقع حقائق صوفية نسمعها من العديد من الصوفيين المختلفين، مشيرا إلى أنه بالفعل شاعر موهوب. وهذا ما كتبه لادينسكي على سبيل المثال:

“أتمنى أن أريك

عندما تكون وحيدا أو في الظلام

الضوء المذهل لكيانك”.

هذه الكلمات جيدة ومعبرة وقد كان العديد من الصوفيين، بمن فيهم معلم الصوفية بير فيلايات في القرن العشرين يلقي نظرة على طلابه مشيرا إلى أنه يتوق لرؤيتهم قادرين على اكتشاف أنفسهم وقيمتهم الخاصة كما يراهم هو. لذلك، يعد شعر لادينسكي عظيما وجيدا جدا لدرجة أنه أدرج على أنه حكمة قالها “حافظ الشيرازي”، لكن المشكلة هي أن حافظ لم يكتب تلك الأشعار، بل دانيال لادينسكي من سانت لويس هو الذي فعل ذلك.

إن القصائد جميلة حقا، لكنها لا تعود إلى حافظ. يتمنى الكثيرون لو نشر لادينسكي أعماله باسمه بدلا من أن ينسبها إلى الشاعر الفارسي. وقد اقتبست برامج تلفزيونية شهيرة “ترجمات” لادينسكي، واستخدمها المسؤولون الحكوميون في المناسبات التي أرادوا فيها مشاركة متحدثين بالفارسية وخاصة الإيرانيين. وهي الآن جزء من الحكمة الروحية للشرق الشائعة في الدوائر الغربية.

قد يكون هذا الأمر رائعا بالنسبة إلى لادينسكي، لكننا نضيع فرصة معرفة أعمال حافظ الحقيقية. وهذا مؤسف حقا. إذن، من هو حافظ الشيرازي الحقيقي (1315-1390)؟

حافظ الشيرازي

كان حافظ حكيما مسلما فارسيا ولا تنافس مجموعته الشعرية إلا أشعار مولانا الرومي من حيث شعبيتها وتأثيرها. كان الاسم الأول لحافظ محمدا، وكان يدعى شمس الدين. أما حافظ فهو اسمه الشرفي لأنه حفظ القرآن الكريم كاملا. وتمت الإشارة إلى مجموعته الشعرية باسم “لسان الغيب”.

نظرة حافظ للعالم لا تنفصل عن العالم الإسلامي في العصور الوسطى أو نوع شعر الحب الفارسي، وأكثر من ذلك. ومع ذلك من المستحيل تحديده. إنه صوفي، على الرغم من أنه يسخر من المتصوفين المتفاخرين. واسمه يعني “من حفظ القرآن عن ظهر قلب” ولكنه يكره النفاق الديني، وتظهر تقواه بينما شعره مليء بالإشارات إلى السكر والنبيذ التي قد تكون حرفية أو قد تكون رمزية.

ولعل الجزء الأكثر رقيا في شعر حافظ هو غموضه، فهو مثل اختبار نفسي في الشعر. يرى المتصوفون أن شعره علامة على توقهم، وكذلك يرى شاربو النبيذ والأشخاص غير المتدينين. ربما يكون من العبث فرض معنى محدد واحد على حافظ لأن ذلك سوف يسلبه تفرده.

يقع قبر حافظ في المدينة الإيرانية شيراز، التي تمثل وجهة شهر العسل المفضلة للعديد من المتزوجين الإيرانيين الجدد. يعتبر شعره، إلى جانب شعر الرومي والسعدي، من المواد الأساسية للمغنين في إيران حتى يومنا هذا، بما في ذلك الإصدارات الجميلة لقادة الفرق الموسيقية البارزين مثل شهرام ناظري ومحمد رضا شجريان.

مثل العديد من الشعراء والمتصوفين الفارسيين الآخرين، امتد تأثير حافظ إلى ما هو أبعد من إيران المعاصرة ويمكن الشعور به أينما كانت الثقافة الفارسية موجودة، بما في ذلك الهند وباكستان وآسيا الوسطى وأفغانستان والعوالم العثمانية. كانت اللغة الفارسية هي اللغة الأدبية بامتياز من البنغال إلى البوسنة لما يقرب من ألف عام، وهي حقيقة دفنت للأسف تحت حواجز قومية ولغوية حديثة.

انتحال

تم اغتصاب ومحو صوت وعبقرية حكيم شيراز الناطق باللغة الفارسية والمسلم الصوفي الحسي، واستولى عليها أميركي أبيض لا علاقة له بإسلام حافظ أو التقاليد الفارسية. وهذا مؤسف حقا، لأن شعر حافظ يستحق أن يقرأ على مستوى العالم إلى جانب شكسبير وتوني موريسون، وطاغور وويتمان، وبابلو نيرودا وجلال الدين الرومي الحقيقي، وداوديجنغ وغيتا، ومحمود درويش، ومن شابههم.

إصدار ترجمة شعرية لديوان حافظ الشيرازي إلى اللغة العربية

في مقابلة أجريت في 2013، قال لادينسكي عن قصائده المنشورة تحت اسم حافظ “هل هو حافظ أم داني؟ أنا لا أعرف. هل الأمر مهم حقا؟” أعتقد أنه مهم للغاية -حسب تعبير صافي- لأن ما حدث ينطوي على قضايا أكبر تتعلق باللغة والمجتمع والسلطة.

إنها ليست مجرد مسألة نزاع في الترجمة، ولا تتعلق بنماذج بديلة للترجمات. هذه مسألة سلطة وانتحال ومحو. هناك مساحة رفوف محدودة في أي مكتبة. هل سنرى الرومي الحقيقي وحافظ الحقيقي، أو شخصا ما ينتحل اسمهما؟ كيف نشر الناشرون كتبا باسم حافظ من دون أن يكون هناك شخص ما، لديه قدر ضئيل من المعرفة بأعماله، للتحقق من هذه الترجمات المزعومة مقابل الأصل لمعرفة ما إذا كانت هناك علاقة؟

لم ينس شعر حافظ على الرفوف ليتراكم عليه الغبار. لقد كان ولا يزال شريان الحياة للخيال الشعري والديني لعشرات الملايين من البشر. لدى حافظ ما يقوله ويغنيه للعالم أجمع، لكن تجاوز أمثال لادينسكي عشرات الملايين الذين أبقوا حافظ في قلوبهم مثلما احتفظ هو بالقرآن في قلبه هو بمثابة محو وانتحال لإرثه.

ويقول صافي أنه كما ذكرنا إدوارد سعيد ومنظرون آخرون، إن عالم الثقافة لا ينفصل عن عالم السياسة. لذلك هناك شيء خبيث لسرقة أغلى ممتلكات المسلمين والاستيلاء عليها ليس بترجمتها وإنما بجعلها مجرد ديكور للشعر لا علاقة له بالأصل. من دون مساواة بين الاثنين، فإن الديناميكية هنا تذكرنا بانجذاب أميركا البيضاء اللامتناهي إلى الثقافة والموسيقى السوداء بينما تستمر في إدامة الأنظمة والمؤسسات التي تجعل السود غير قادرين على التنفس.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
الجزيرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

10 + 11 =

زر الذهاب إلى الأعلى