أولاف شولتز والسياسة الخارجية الألمانية تجاه الشرق الأوسط

ينتمي أولاف شولتز إلى التيار المحافظ داخل الحزب الاشتراكي، كما أنه يتسم بالهدوء ولا يميل بشكل عام إلى إحداث تحولات جذرية في السياسات.

ميدل ايست نيوز: في 24 نوفمبر الماضي، أعلن زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي أولاف شولتز التوصل لاتفاق ائتلافي نهائي لحكم ألمانيا مع حزبي الخضر والديمقراطيين الأحرار، فيما يُعرف إعلامياً بائتلاف “إشارة المرور” (نسبة إلى ألوان الأحزاب). وبموجب الاتفاق، سيتولى أولاف شولتز منصب المستشار الألماني الجديد خلفاً لميركل، فيما ستتولى آنالينا بيربوك، التي تتشارك رئاسة حزب الخضر، حقيبة الخارجية في الحكومة الجديدة.

وسلط مركز إمارات للسياسات في ورقة بحثية الضوء على حدود التغير في السياسة الألمانية تجاه منطقة الشرق الأوسط، من واقع قراءة أكثر عمقاً في وثيقة الائتلاف الحاكم المكوَّنة من 177 صفحة، والتي صدرت يوم 24 نوفمبر تحت عنوان “تجرأ على تحقيق المزيد من التقدم؛ تحالف من أجل الحرية والعدالة والاستدامة 2021-2025″، وبالنظر إلى وجود حزب الخضر داخل الائتلاف الحكومي الجديد، وحدود تأثيره على الملفات الخارجية، والإشكاليات المتوقع ظهورها في المرحلة المقبلة، والسيناريوهات المحتملة لإدارتها.

مُحددات عامة

قبل التعمُّق في استعراض وتحليل التوجهات المتوقعة لسياسة ألمانيا الخارجية في عهد أولاف شولتز تجاه منطقة الشرق الأوسط، من المفيد وضع الأمور والمحددات العامة الآتية في الاعتبار:

ينتمي أولاف شولتز إلى التيار المحافظ داخل الحزب الاشتراكي، كما أنه يتسم بالهدوء ولا يميل بشكل عام إلى إحداث تحولات جذرية في السياسات، وهو ما دفع بعض المحللين لأن سياسة الحكومة الألمانية المقبلة ستكون بمثابة “Evolution not Revolution”.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن حتى الآن ملاحظة نجاح استراتيجية أولاف شولتز في وصف نفسه بأنه “امتداد لميركل”، وكان ذلك محور الحملة الانتخابية لحزبه والتي أعادته للواجهة مرة أخرى، كما أنها أرسلت تطمينات لأوروبا والقوى الدولية بأن “الاستمرارية” ستكون الملمح الأساسي للسياسة الخارجية الألمانية خلال الفترة المقبلة مع توقعات بحدوث تغييرات محدودة وحذرة.

ترتكز السياسة الخارجية الألمانية على مبدأ أن التحرُّك الجماعي ضمن هياكل مؤسسية أكبر يضمن تحقيق فاعلية أكبر في السياسة الخارجية؛ لذلك تضع الحكومة الألمانية أولوية تقوية الهياكل الأوروبية وعبر الأطلسية مثل الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو من أجل تأمين سياسة خارجية أكثر فاعلية في مواجهة التحديات المشتركة، وفي القلب منها تحديات منطقة الشرق الأوسط وصراعاتها.

في حين أن الحكومة الائتلافية الجديدة تبني سياستها الخارجية على الإنجازات التي تحققت في عهد المستشارة أنغيلا ميركل، إلا أنها تظل تواجه تحديات داخلية وإقليمية وخارجية تفرض عليها تأطير تحركاتها المقبلة، والموائمة الضرورية بين المصالح والقيم للحفاظ على الحضور الألمانية وعدم المخاطرة بخسارة علاقات استراتيجية مع دول منطقة الشرق الأوسط.

تتحرك السياسة الخارجية الألمانية تجاه منطقة الشرق الأوسط منذ “إجماع ميونخ” في عام 2014 وفقاً لمحددات أساسية تتمثل في منع انتشار الأسلحة النووية، وضمان تحقيق أكبر قدر من الاستقرار بهدف منع تدفق اللاجئين إلى أوروبا، ودعم الدول في مكافحة الإرهاب والتطرف (بما يشمل نزع سلاح الميليشيات، والحد من التسلح ودعم الدول عسكرياً)، مع تعزيز الشراكات الاستراتيجية مع الدول الرئيسة بالإقليم.

انخراط ألماني أكبر في أزمات المنطقة

يعد تعزيز السلام والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط هدفاً أساسياً للسياسة الخارجية الألمانية، خاصة في السنوات الأخيرة، نتيجة لتصاعد موجات الهجرة واللاجئين من المنطقة، وما صاحبها من تزايد مخاطر الإرهاب والتطرف، بما يؤثر بشكل مباشر على أمن ألمانيا وأوروبا.

وفي هذا الصدد، ركزَّت وثيقة الائتلاف الحاكم على تحقيق هدفين أساسيين؛ الأول هو تعزيز إمكانات التعاون بين ألمانيا والاتحاد الأوروبي مع دول المنطقة، وكذلك بين دول المنطقة نفسها، بما يُسهِم في تعزيز عمليات التحول الديمقراطي في الجوار الجنوبي لأوروبا.

أما الأمر الثاني فيرتبط بالعمل على “احتواء الكوارث الإنسانية” في بعض الدول مثل سوريا واليمن، مع مواصلة “تقديم المساعدات الإنسانية” اللازمة. ومن ناحية أخرى، أكد الائتلاف الحاكم “استمرار دعم عمليات السلام التي تقودها الأمم المتحدة لمختلف الصراعات، ومواصلة الدفاع عن استقرار ليبيا والعراق”.

ويُلاحظ أن هذا التوجه الألماني يُمثِّل استمراراً للسياسة التي اتبعتها المستشارة الألمانية المنتهية ولايتها آنغيلا ميركل في السنوات الأخيرة لدعم مزيد من الانخراط الألماني في حل أزمات المنطقة، وهو الدور الذي يستدعي ألمانيا للقيام به كشكل من أشكال “الوساطة النزيهة”، بالنظر إلى تراجع حضور الولايات المتحدة بالمنطقة في ضوء توجيه مزيد من التركيز نحو آسيا، فضلاً عن ضعف الأدوار الأوروبية الأخرى في المنطقة وتزايد الشكوك حول مصداقيتها (فرنسا على سبيل المثال)، بما يدفع ألمانيا لدعم هذا الدور نظراً لغياب تاريخ استعماري مُتجذِّر لألمانيا في المنطقة من ناحية، وكونها قوة دولية رئيسة فاعلة وذات موثوقية عالية وقادرة على جمع كل الأطراف السياسية على طاولة واحدة من ناحية أخرى، وهو ما تحقق إلى حد كبير في مؤتمري برلين 1 و2 حول ليبيا، وكذلك من خلال “رباعية ميونخ” التي تشكَّلت في فبراير 2020 بين مصر والأردن وفرنسا وألمانيا، لتحريك عملية السلام بين فلسطين وإسرائيل، على سبيل المثال.

ومن المؤكد أن ألمانيا في عهد أولاف شولتز ستسعى لممارسة هذا الدور في إطار الاتحاد الأوروبي والهياكل الدولية الجماعية الأخرى، وهو ما يتوافق مع ثوابت سياسة برلين الخارجية، وفي الوقت ذاته يُعطي مزيداً من الثقل لطبيعة وفاعلية الوساطة الألمانية وحدود تأثيرها في حل الأزمات. لذلك يبدو أن أولاف شولتز سيواصل المساعي التي بدأتها ميركل في السنوات الأخيرة في ظل رئاسة ألمانيا لمجلس الاتحاد الأوروبي، لصياغة مواقف أوروبية موَّحدة بشأن مختلف أزمات منطقة الشرق الأوسط.

ولن يتوقف الأمر عند حد تعزيز الوساطة لدعم الحلول السلمية للصراعات فحسب، بل يُرجَّح أيضاً مواصلة ألمانيا مشاركتها في المهام المدنية والتدريبية في بعض نقاط الصراع في المنطقة. وقد تعاملت ألمانيا بشكل نموذجي – ولا تزال تعمل إلى حد كبير حتى الآن – من خلال إطار السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، لا سيما سياسة الجوار الأوروبية (ENP)، وسياسة الأمن الخارجي المشتركة (CFSP)، وإلى حدٍّ ما سياسة الأمن والدفاع المشتركة (CSDP)، مع المساهمات في المهمات المدنية والتدريبية في الأراضي الفلسطينية والعراق وليبيا.

نظرة متشددة تجاه إيران

تدعو وثيقة الائتلاف إلى استعادة الاتفاق النووي الإيراني أو خطة العمل المشتركة (JCPOA)، التي تعد ألمانيا أحد أطرافها المفاوضة السبعة. ومع ذلك، فإنها تُلقي باللوم على إيران بشكل مباشر من خلال التأكيد على التزامات طهران بالتيسير الكامل لأعمال التفتيش التي تقوم بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، على الرغم من حقيقة أن الولايات المتحدة في عهد ترامب هي التي انسحبت من الاتفاق في عام 2018.

وقد يرجع الإحجام عن وصف دور واشنطن في أزمة الاتفاق النووي إلى محاولة كسب نقاط مع إدارة بايدن التي يُنظر إليها في أوروبا على أنها “مرحلة الاستشفاء” بعد فترة ترامب التي شهدت أقصى مراحل التوتر مع أوروبا. ومن ناحية أخرى، فإن الشريكين الأصغر في التحالف الألماني (الخضر والحزب الديمقراطي الحر) يضعان الشراكة عبر الأطلسية بوصفها محدداً رئيساً لسياستهما، وهو ما يبدو أنه قد ترك بصمته بوضوح على الوثيقة.

انعكس هذا التشدد ضد إيران بشكل لافت في الوثيقة في تحميلها المسؤولية بشكل مباشر عن سياسات طهران؛ مثل ما وصفته الوثيقة بـ”السياسات الإقليمية العدوانية، والتهديدات المستمرة ضد إسرائيل، والانتهاكات المتواصلة لحقوق الإنسان، ودعم الأنشطة الإرهابية بما يهدد أمن المنطقة واستقرارها”.

مع ذلك، ثمة رهان على كيفية ترجمة هذه التوجهات الألمانية ضد إيران إلى سياسات فعلية على أرض الواقع، خاصة في ظل التناقض الأيديولوجي بين الخضر والاشتراكي الديمقراطي في هذا الصدد. فقد أعطى الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وزعيمه أولاف شولتز، الأولوية لأجندتهما المحلية ذات التوجه الاجتماعي، وفي المقابل تُرِك تشكيل السياسة الخارجية للخضر، وهو ما قد يسفر عن تناقض وربما ارتباك في السياسة الخارجية الألمانية تجاه إيران مستقبلاً؛ ففي حين يُقارِب الخضر السياسة الدولية باعتبارها صراعاً عالمياً بين الديمقراطيات والأنظمة الاستبدادية، يُشدِّد الاشتراكي الديمقراطي على الدبلوماسية والتفاوض مع الخصوم، وسيكون الاتفاق النووي أو التعامل مع إيران عموماً محطة مهمة لهذا التناقض.

لكن من المؤكد أن العلاقات الدبلوماسية بين ألمانيا وإيران ستستمر، حتى لو أصبحت الانتقادات الألمانية لسياسات إيران أكثر صخباً، بما يعني أنه على أرض الواقع قد يكون هناك استمرارية في نهج ألمانيا تجاه إيران أكثر مما توحي به وثيقة التحالف، بما سيُضعف موقف برلين التي فشلت حتى الآن في مواءمة ثقلها الاقتصادي بمزيد من المشاركة الدبلوماسية الأكثر فعَّالية.

محورية دول الخليج في الرؤية الألمانية

لطالما احتلت منطقة الخليج موقعاً مميزاً ومهماً في السياسة الخارجية الألمانية، سواء من الناحية السياسية أو الاقتصادية أو الأمنية، وقد عكست وثيقة التحالف هذه المحورية بوضوح في عدة مواقع، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على النحو الآتي:

أولاً، دعم الشراكات المناخية. أكدت الوثيقة أن التحالف الحكومي في ألمانيا “سيسعى لتعزيز الابتكارات التكنولوجية في المنطقة من خلال الشراكات المناخية مع شركاء مختارين” دون تحديد من هم هؤلاء الشركاء. لكن من المؤكد أن دول الخليج، إلى جانب إسرائيل، ستكون من أهم الشركاء “المختارين” لدى ألمانيا لتعزيز التعاون في المجالات التي تخدم المناخ مثل الاقتصاد الأخضر والطاقة النظيفة وغيرها.

وقد ركزت الوثيقة على حماية المناخ كهدف محوري للحكومة الألمانية بشكل عام، وهو ما يعني تعزيز التحالفات الخارجية لتحقيق الريادة في هذا المجال. وخلال السنوات الأخيرة، حظيت العلاقات الألمانية الخليجية بدَفَعات في هذا الإطار؛ فقد عززت دولة الإمارات تحالفها مع ألمانيا في مجال الطاقة المتجددة منذ توقيع “إعلان النوايا” في مجالات الطاقة بين البلدين في عام 2017، كما يشتركان في “نادي دول تحول الطاقة”، الذي يضم في عضويته 10 بلدان حول العالم، لتحفيز استخدام الطاقة المتجددة.

كذلك اتفقت ألمانيا مع كل من المملكة العربية السعودية الإمارات خلال العام الجاري على التعاون في توليد الهيدروجين ومعالجته ونقله. ويأتي ذلك في إطار الجهود الألمانية واسعة النطاق لاستغلال الهيدروجين كوقود غير ضار بالبيئة لحماية صناعاتها الرئيسة، بينما تحد من انبعاثات الكربون في اقتصادها لتحقيق أهداف مكافحة تغير المناخ، لكن نظراً لمحدودية الموارد المحلية لتلبية الطلب الألماني على هذا العنصر في المستقبل، لجأت الحكومة الألمانية إلى إبرام شراكات لاستيراده من الخارج، وكانت دول الخليج هي المحطة الرئيسة في هذا التوجه، مما يعني احتمالية توسُّعه مع الحكومة الجديدة لتعزيز الشراكات البيئية الاستراتيجية.

ثانياً، التنسيق مع دول الخليج في حل صراعات المنطقة. أكدت وثيقة التحالف على دور “الشركاء في منطقة الخليج” في تعزيز تدابير بناء الثقة ودعم عمليات التقارب لإيجاد حلول عملية للصراعات في منطقة الشرق الأوسط، وفي مقدمتها الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والأزمات في سوريا وليبيا والعراق واليمن وغيرها.

كذلك أبدت الحكومة الجديدة ترحيبها ودعمها لاتفاقات السلام التي وُقعت في الفترة الأخيرة بين إسرائيل وبعض الدول العربية، من منطلق أنها ستُسهِم في دعم تحقيق السلام في المنطقة، وتحقيق “أمن إسرائيل” الذي أكدت الوثيقة أنه يمثل “أولوية Matter of State” للحكومة الألمانية، كما تسهم في تعزيز التوافق في الرؤية بين دول الخليج، خاصة الإمارات والبحرين، وألمانيا فيما يتعلق بحل الدولتين الذي يدعمه التحالف الألماني الجديد بشكل مباشر في الوثيقة.

ملفات إشكالية

نظراً لتولي أنالينا بيربوك حقيبة الخارجية في الحكومة الألمانية المنتظر تشكيلها، فإنه من المتوقع أن تُثار ثلاثة ملفات إشكالية في إطار السياسة الألمانية تجاه منطقة الشرق الأوسط، وهي: استمرار تصدير الأسلحة، وتعزيز الديمقراطية، وتحسين حالة حقوق الإنسان.

فبشكل عام، يرفض حزب الخضر الاستمرار في سياسة تصدير السلاح، إلا عبر ربطها بتنفيذ إصلاحات سياسية وديمقراطية وتحسين أوضاع حقوق الإنسان. وقد يتعارض ذلك التوجه مع الأهداف الأساسية للحكومة الألمانية؛ إذ اتبعت ميركل سياسة تصدير السلاح لدول الشرق الأوسط بهدف مساعدتها في مكافحة الإرهاب الذي يُطوِّر من أدواته هو الآخر بتقنيات وأدوات حديثة، وذلك لضمان أمن المنطقة واستقرارها، ومن ثمّ تجنُّب تصاعد موجات الهجرة واللجوء إلى أوروبا.

وفي عام 2020 وحده، وافقت الحكومة الألمانية بقيادة ميركل على تصدير أسلحة بنحو 1.16 مليار يورو إلى عدد من الدول العربية على الرغم من الضغوطات الداخلية في ألمانيا الرافضة لذلك الأمر. بيد أن المصلحة الألمانية اقتضت ذلك؛ فإضافة للمكاسب المادية المتحققة من تصدير السلاح، فإن ألمانيا سعت لمواجهة الإرهاب من منابعه الرئيسة بدلاً من الانتظار حتى يطرق أبوابها، لذلك دعَّمت دول المنطقة في مواجهته بهذه الطريقة.

ومع استمرار أزمات الإرهاب والتطرف في المنطقة؛ ليس من المتوقع أن تتراجع سياسة تصدير السلاح للشرق الأوسط بشكل كامل في عهد أولاف شولتز، لكن قد يتم ضبطها في أطر سياسية معينة تحاول التوفيق بين قيم السياسة الخارجية الألمانية ومصالحها السياسية والأمنية، وفي إطار رؤية أوسع تشمل الاتحاد الأوروبي ككل ولا تقتصر على ألمانيا منفردة.

أما بالنسبة لتعزيز الديمقراطية وإرساء دولة القانون وحقوق الإنسان؛ فتؤكد الحكومة الألمانية أنها تهتم بهذه الأسس في سياستها الخارجية ليس فقط انطلاقاً من قناعتها أو بسبب كونها مبادئ عامة، بل أيضاً لأن دعم هذه المبادئ يأتي في مصلحة السياسة الخارجية الألمانية، خاصة أن “السلام والأمن والاستقرار والتنمية المستدامة لا تنشأ على المدى الطويل إلا حيث تُطبَّق قواعد الديمقراطية ودولة القانون، وحيث تُحتَرَم حقوق الإنسان”.

ومع إمساك آنالينا بيربوك بحقيبة الخارجية، وإعطائها الأولوية لهذه القيم؛ فإنه من المتوقع حدوث سيناريوهين في هذا الإطار؛ يتمثل الأول في احتمال حدوث تصادم مع بعض دول المنطقة في هذه القضايا بما قد يؤدي إلى الإضرار بالعلاقات الثنائية بين ألمانيا وهذه الدول، وهو ما لن تُخاطر به الحكومة الألمانية الجديدة في بداية ولايتها كما يفترض البعض.

أما السيناريو الثاني فيرتبط بإحداث توازن في العلاقات أو ربما تعاون مشروط مع دول المنطقة كما هو الوضع الحالي، مع ربط تطوير العلاقات المشتركة بتنفيذ بعض الإصلاحات السياسية والديمقراطية، لكن في الوقت ذاته تعزيز التعاون لوأد المخاطر الأمنية من منبعها. ويعد هذا السيناريو هو الأرجح خلال الفترة المقبلة في ظل تصاعد التحديات المشتركة التي تواجه ألمانيا والعديد من دول منطقة الشرق الأوسط.

خلاصة واستنتاجات

التزام ألمانيا، واستعدادها للالتزام بالوسائل المالية والتقنية والعسكرية للمساهمة في استقرار الشرق الأوسط أخذا في التنامي، وليس من المتوقع أن تنحرف الحكومة الألمانية الجديدة في سياستها الخارجية عن المسار الحالي لألمانيا في منطقة الشرق الأوسط.

قد تختلف الحكومة الجديدة عن سابقتها في بعض الفروق الدقيقة، وخاصة فيما يتعلق بصادرات الأسلحة وحقوق الإنسان، بما لا يتعارض مع تحقيق المصالح الألمانية في المنطقة.

مِن المرجَّح تزايُد مكانة دول الخليج في السياسة الخارجية الألمانية، نظراً لاحتياجها المتصاعد لها، سواء فيما يتعلق بمشروعات الطاقة النظيفة والمتجددة والاقتصاد الأخضر، أو فيما يرتبط بالتنسيق السياسي لإيجاد حلول مشتركة لأزمات المنطقة.

تحتاج برلين إلى زيادة مستوى طموحها ومن ثمَّ دورها، خاصةً إذا كانت تريد حل التحديات في الشرق الأوسط من خلال التمسُّك بقيمها المعلنة وفي الوقت نفسه متابعة مصالحها الأساسية. وبالتالي، فإن صياغة هذه المصالح وإعادة تقييمها عندما تتعارض مع قيمها ستكون مهمة أساسية للحكومة المقبلة، خاصةً أن ازدواجية المعايير في التعامل مع أزمات المنطقة سيؤدي إلى إلحاق الضرر بمصداقية برلين والسماح للقوى الإقليمية والعالمية بزيادة هامش المناورة في الشرق الأوسط.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

19 − 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى