العلاقات الإيرانية التركية على المحك وسط التقلبات الإقليمية

من المؤكد أن الانفتاح التركي الأخير على تحسين العلاقات مع دول الخليج وإسرائيل سيوجه مسار العلاقات بين أنقرة وطهران.

ميدل ايست نيوز: كانت المكالمة بين وزير الخارجية التركي “مولود جاويش أوغلو” ونظيره الإسرائيلي تطورا نادرا لم يحدث منذ المواجهة بين الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق “شيمون بيريز” في مؤتمر “دافوس” في يناير/كانون الثاني 2009.

وفي الآونة الأخيرة، أظهر “أردوغان” بوادر للتصالح مع إسرائيل، وفتح الباب أمام تبادل السفراء وإعادة تطبيع العلاقات الدبلوماسية في المستقبل القريب، ودعا “أردوغان” الرئيس الإسرائيلي “إسحاق هرتسوج” لزيارة تركيا.

ومن وجهة نظر أنقرة، فإن إصلاح العلاقات مع إسرائيل ضروري لأسباب اقتصادية واستراتيجية. وعلى غرار المنطق الاستراتيجي وراء التقارب مع دول الخليج، تهدف تركيا إلى كسر عزلتها في شرق البحر المتوسط ​​وزيادة فرصها في التنقيب عن الغاز الطبيعي.

وأعرب “أردوغان” عن استعداده لإجراء محادثات بشأن خط الأنابيب مع إسرائيل، معتبرا أن تركيا ما تزال المسار الوحيد العملي لصادرات الغاز الإسرائيلية إلى أوروبا.

وترى الحكومة التركية أيضا أن دفء العلاقات مع إسرائيل قد يوفر قوة ضغط على واشنطن وبالتالي قطع أشواط في التقارب مع إدارة الرئيس الأمريكي “جو بايدن”. ومع ذلك، قد يتطلب دفء العلاقات مع إسرائيل دفع ثمن ذلك بما في ذلك تغيير مسار العلاقات بين أنقرة وطهران.

ووفقا لمسؤولين إسرائيليين، أصبحت تركيا متعاونة بشكل استثنائي في المسائل الأمنية “بطريقة غير معهودة على الإطلاق”. وفي الآونة الأخيرة، أحبطت الاستخبارات التركية محاولة إيرانية لاغتيال رجل الأعمال الإسرائيلي “يائير جيلر”. وفي مناسبة أخرى، شنت الحكومة التركية حملة ضد شبكة كانت تدبر “مؤامرات اختطاف” ضد معارضين إيرانيين في تركيا.

العلاقة التنافسيّة بين إيران وتركيا

ويتزايد النقاش الأكاديمي حول تصور السياسة الخارجية لتركيا في مرحلة ما بعد “أردوغان”. ويعد هذا النقاش مفيدا لتقييم التزامات تركيا طويلة الأجل. ومع ذلك، تشير التطورات الأخيرة إلى أن “أردوغان” ربما بدأ بالفعل في تنفيذ بعض السياسات التي كان من المتوقع أن تدخل حيز التنفيذ في حقبة ما بعد “أردوغان”، بما في ذلك تخفيف الانتقادات لإسرائيل والانفتاح على الخليج.

وعلى مدى عقود، كانت الدوافع الجيوسياسية العامل المؤثر في تشكيل العلاقات التركية الإيرانية، مما جعل كلا اللاعبين في منطقة وسط، لا أصدقاء ولا أعداء، بل بالأحرى متنافسين.

ومع ذلك، يحتاج دافع المنافسة إلى تحليل دقيق، لأن هناك فرقا بين “المنافسة الشرسة” بين تركيا وإيران في منتصف التسعينات، و”المنافسة الحميدة” التي تطورت مع صعود “أردوغان”.

ولم يكن من المستغرب وجود كيمياء بين حزب العدالة والتنمية بقيادة “أردوغان” والنظام الإيراني، حيث تشكل الإسلام السياسي الناشئ في تركيا بشكل كبير من خلال المراجع الأيديولوجية والدينية التي تشبه تلك التي أشعلت ثورة 1979 في إيران.

وكانت مساعدة أنقرة لإيران في مواجهة العقوبات الدولية خروجا جوهريا عن الدور التركي التقليدي كحليف في “الناتو”، لكن مسار الحرب الأهلية السورية كشف حدود التعاون التركي الإيراني، فقد وضع الخلاف الطائفي البلدين في معسكرين متعارضين. ومن ثم، بدأت المنافسة الحميدة تتحول من جديد إلى منافسة شرسة، ليس فقط في سوريا ولكن أيضا في العراق.

وظهر تدهور العلاقات بشكل واضح في اتهامات الحكومة التركية لإيران بمحاولة “إنشاء دولتين شيعيتين في سوريا والعراق” ودعوة المجتمع الدولي إلى “وقف” أنشطة طهران “الخطرة”. وكان رد إيران قاسيا بنفس القدر، حيث هددت باعتبار الجنود الأتراك في سوريا والعراق أهدافا مشروعة ما لم تنسحب أنقرة.

لكن المنافسة لم تتحول إلى عداء كامل، ويرجع ذلك إلى السياسات المثيرة للجدل لإدارة الرئيس الأمريكي السابق “دونالد ترامب”.

أولا، تضمنت محاولة “ترامب” تشكيل محور مناهض لإيران تحت القيادة السعودية هدفا طموحا وهو استهداف جميع أشكال الإسلام السياسي المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين. وقد أدى حصار قطر إلى صدمة بالنسبة لأنقرة، الأمر الذي دفع تركيا بطبيعة الحال إلى التحالف مع إيران. وبالرغم من الكيمياء الشخصية لـ “ترامب” مع “أردوغان”، لم تنظر الإدارة الأمريكية إلى تركيا كشريك ضد إيران بل نظرت إليهما كعدوين ضد المصالح الأمريكية في المنطقة.

ثانيا، مع تزايد نفوذ روسيا في الحرب السورية، سعت أنقرة إلى متابعة مصالحها من خلال محادثات “أستانا” مع موسكو وطهران كبديل لواشنطن، ما قلل من التوترات بين أنقرة مع إيران وموسكو. ومع ذلك، تصورت سياسة “بايدن” في الشرق الأوسط صورة مختلفة لتركيا. ويبدو أن الإسلام السياسي لم يعد تهديدا رئيسيا في المنطقة.

وخلقت تخوفات الانسحاب الأمريكي من المنطقة واقعا جديدا فرض تغيير الأولويات من قبل القوى الإقليمية. ومع تزايد عزلة تركيا، وفرت هذه الرمال المتحركة فرصة سياسية لـ”أردوغان” الذي بدأ بالفعل في استغلال الفرصة من خلال كسر الجليد مع الإمارات والسعودية ومصر وإسرائيل. وبالنظر إلى أن “أردوغان” ليس له اليد العليا في هذه العلاقات بسبب المشاكل الاقتصادية في الداخل، سيسعى المحور الخليجي الإسرائيلي إلى إعادة توجيه تركيا ضد طموحات إيران الإقليمية.

وإذا نجحت جهود هذه الدول، فقد يتأرجح البندول مرة أخرى نحو المنافسة الشرسة بين تركيا وإيران، خاصة في سوريا والعراق.

عقب وصول رئيسي للسلطة هل تنجح تركيا وإيران في مواصلة سياسة «تحييد الخلافات»؟

وتعتبر سوريا ساحة مهمة لملاحظة وتحليل المنافسة التركية الإيرانية. وقد يتحول هدف نظام “الأسد” باستعادة الاعتراف الدولي إلى حقيقة واقعة قريبا حيث بدأت دول الخليج العربية في تغيير سياساتها تجاه سوريا. ومن خلال فتح قنوات دبلوماسية لدمشق وتقديم حوافز مالية للنظام السوري، تهدف دول الخليج إلى تقليل نفوذ إيران على نظام “الأسد”، وهو هدف تشترك فيه مع إسرائيل.

وبالرغم أن مسار التطبيع الكامل بين تركيا وسوريا يبدو غير محتمل، فمن المرجح أن تكون تركيا الدولة التالية في مسار فتح خطوط تواصل مع دمشق.

ولا يزال هناك تعارض كبير بين المصالح التركية والإيرانية في سوريا. ولا يزال من المحتمل اندلاع صدام واسع بين الميليشيات المدعومة من إيران والقوات المدعومة من تركيا في إدلب.

وبالنسبة لأنقرة، فإن سيطرة إيران على الحدود السورية العراقية عبر الميليشيات الشيعية أو القوات الكردية تشكل تهديدا للأمن القومي التركي. وفي حالة الانسحاب الأمريكي، يبدو أن إيران ستكون هي اللاعب المهيمن الذي يملأ الفراغ، ومن المحتمل أن تدعم إيران الجماعات المسلحة الكردية التي تقاتل ضد تركيا. ومع الرهان على أن القوات الأمريكية لن تتواجد في شمال سوريا إلى الأبد، فإن الخطط العسكرية التركية تتشكل على أساس مواجهة الانفصاليين الأكراد والنفوذ الإيراني المحتمل عليهم.

وأدى النفوذ المتزايد لقوات الحشد الشعبي المرتبطة بإيران في كركوك والموصل إلى وضع تركيا في وضع غير مواتٍ تماما في المنافسة على حدود كردستان العراق مع سوريا. ويجب أن نتذكر أن اتهامات تركيا لإيران بدعم حزب العمال الكردستاني تعود إلى التسعينات. وبالرغم من حقيقة أن كلا من أنقرة وطهران تعارضان بشدة استقلال كردستان، فإن دعمهما لأعداء بعضهما البعض يعد جزءا من قواعد اللعبة.

على سبيل المثال في ديسمبر/كانون الأول 2020، لم يتردد “أردوغان” في إثارة التوترات بشأن الأقلية العرقية الأذرية في إيران، ما أدى إلى استدعاء إيران للسفير التركي في طهران. وترى إيران أن تركيا وإسرائيل تتآمران ضد إيران وروسيا في أذربيجان، ولا تساعد التصريحات التركية الرسمية في تهدئة مخاوف طهران في هذا الشأن. وفي الآونة الأخيرة، صرح “أردوغان” أنه لا ينبغي لإيران أن تواصل التوترات مع أذربيجان المعنية بسكانها من ذوي الأصول الأذرية في إيران، وأوصى بأن تتصرف طهران “بعقل سليم”.

في المقابل، تزعج العلاقات بين إيران والأكراد السوريين تركيا، ويمكننا أيضا ملاحظة المنافسة الحدودية بين تركيا وإيران في منطقة سنجار التي تربط العراق وسوريا. ويقوم الجيش التركي بغارات جوية متكررة في سنجار التي تضم “وحدات مقاومة سنجار” التي تعد تابعة لحزب العمال الكردستاني.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2015، تم تحرير سنجار من أيدي تنظيم “الدولة الإسلامية” من قبل تحالف للقوات الكردية بما في ذلك حزب العمال الكردستاني الذي اعتبر المنطقة حيوية للعمليات الحدودية عبر العراق وسوريا.

وأصبح اهتمام إيران بسنجار أكثر وضوحا بعد أن استولت ميليشيات الحشد الشعبي على المنطقة في أكتوبر/تشرين الأول 2017 وطردت قوات حكومة إقليم كردستان. ومنذ ذلك الحين، لا يزال حزب العمال الكردستاني وقوات الحشد الشعبي يسيطران على المنطقة، حيث انضمت وحدات “وحدات مقاومة سنجار” وغيرها من المنظمات التابعة لحزب العمال الكردستاني لاحقا إلى مظلة الحشد الشعبي.

وأدى تغيير الإدارة في واشنطن إلى جانب الديناميكيات الإقليمية المتغيرة إلى دوامة من التصعيد. وفي أبريل/نيسان 2021، تم الرد على الهجمات العسكرية التركية المتزايدة في سنجار بإطلاق صواريخ على قاعدة بعشيقة العسكرية التركية في شمال العراق، ما أسفر عن مقتل جندي تركي.

ومن الجدير بالذكر أن زعيم عصائب أهل الحق “قيس الخزعلي” ظهر على شاشة التلفزيون العراقي في محاولة لتشكيل الرأي العام ضد تركيا وصرح أن تركيا تمثل “تهديدا للعراق أكثر من الولايات المتحدة”، وأنه سيقاتل شخصيا إذا استمرت تركيا في السعي وراء “رغباتها العثمانية الجديدة” في بلاده. واختارت أنقرة عدم تصعيد الأزمة.

لكن في الأسابيع القليلة الماضية، كثفت تركيا حملتها العسكرية بغارات جوية على سنجار، بحسب مصادر محلية. وعقب عمليات القصف تعرضت قاعدة عسكرية تركية لهجوم صاروخي كثيف مرة أخرى، في فبراير/شباط. وجدد “الخزعلي” تحذيراته، وزعم أن المقاومة العراقية “ستعلم الاحتلال التركي دروسا قاسية وتخرجه من أرض العراق الطاهرة”.

وبالرغم أن واشنطن قد ترى تحركات أنقرة الجريئة ضد إيران من منظور إيجابي، فإن التطور الناشئ المحتمل سوف يحتاج إلى مزيد من التدقيق بسبب تكلفته الباهظة بالنسبة للمصالح الأمريكية؛ حيث أصبحت كردستان العراق ساحة مواجهة عسكرية نتيجة للتنافس بين أنقرة وطهران.

ومن أجل إنقاذ العلاقات التركية الأمريكية بعد الخلافات حول دعم الولايات المتحدة للجماعات الكردية السورية، منحت واشنطن أنقرة الضوء الأخضر للعمليات العسكرية التركية في شمال العراق. وانتهزت تركيا الفرصة بقوة. وفي الأعوام الأخيرة، توسعت المناطق العسكرية التركية في كردستان العراق بشكل كبير مع إنشاء قواعد عسكرية جديدة. وفي عام 2021 وحده، أضافت تركيا 12 قاعدة عسكرية، ليرتفع العدد الإجمالي إلى نحو 40 قاعدة تضم 5 آلاف جندي.

بالإضافة إلى ذلك، أصبحت محافظة دهوك في شمال العراق ساحة اختبار لأحدث تقنيات الطائرات بدون طيار التركية في حرب استباقية ضد المتمردين الأكراد. وقد أجبر توسع تركيا القوي في كردستان إيران على اتخاذ خطوات غير مسبوقة. ومثل تركيا، استخدمت إيران خطر الانفصالية الكردية كذريعة لتبرير وجودها العسكري المتزايد في شمال العراق.

وهكذا وجدت حكومة إقليم كردستان نفسها في مرمى النيران، فهي لا تواجه ضغوطا تركية متزايدة للتعاون ضد حزب العمال الكردستاني فحسب، بل تواجه أيضا عدوانا إيرانيا متصاعدا نتيجة علاقاتها مع تركيا.

وتتهم إيران حكومة إقليم كردستان بمنح “الملاذ الآمن” لجماعات المعارضة الكردية التي تستهدف الأراضي الإيرانية، وتؤكد أن كلا من الولايات المتحدة وإسرائيل تقدمان دعما ماديا لهذه الجماعات. وعلى مدار العام الماضي، لم تستهدف الميليشيات المدعومة من إيران القوات الأمريكية في أربيل بهجمات بطائرات بدون طيار فحسب، بل ضاعفت أيضا من عملياتها في المنطقة.

ويعد التصور المشترك حول انسحاب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط عاملا مهما من شأنه أن يضع تركيا وإيران في صراع حيث تبحث كلتا القوتين الإقليميتين عن فرص لملء الفراغ. وبسبب علاقاتها المعقدة مع الجماعات الكردية في جميع أنحاء العراق وسوريا، من غير المرجح أن تلتزم الولايات المتحدة بالدعم الكامل للتحركات التركية.

ومن المؤكد أن الانفتاح التركي الأخير على تحسين العلاقات مع دول الخليج وإسرائيل سيوجه مسار العلاقات بين أنقرة وطهران. ولا ننسى الخطط الأمريكية المتعلقة بالمفاوضات النووية الإيرانية، فمن المتوقع جدا أن تكون البطاقة التركية مطروحة على الطاولة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
بواسطة
الخليج الجديد
المصدر
The Arab Center, Washington DC

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان × 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى