هل نحن على أعتاب تشكيل محور صيني-روسي-إيراني؟

تحقيق الرئيس فلاديمير بوتين انتصاراً على الغرب في هذا الحرب سيؤدي إلى تغيير جذري في الخريطة السياسية للشرق الأوسط وربما العالم.

ميدل ايست نيوز: قد يكون من المبكر التكهن بما قد ينتهي به الهجوم الروسي على أوكرانيا، لكن الأمر المؤكد هو أن تحقيق الرئيس فلاديمير بوتين انتصاراً على الغرب في تلك الحرب سيؤدي إلى تغيير جذري في الخريطة السياسية للشرق الأوسط وربما العالم.

وحسب تقرير لـ”عربي بست” مع دخول الهجوم الذي تشنه روسيا على أوكرانيا يومه الثاني، بات واضحاً أن الهدف الرئيسي لموسكو ليس فقط مساعدة الانفصاليين في شرق أوكرانيا على السيطرة على إقليم دونباس بالكامل، بل “منع عسكرة أوكرانيا” مع رفض الكرملين تسمية ما يحدث بالغزو، بينما يقول الغرب إنه غزو شامل يهدف إلى إسقاط حكومة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وزرع حكومة بديلة تكون أميل إلى موسكو.

الأزمة الأوكرانية، المستمرة منذ عام 2013 عندما أطيح بالرئيس الموالي لروسيا يانكوفيتش، هي بالأساس أزمة جيوسياسية، إذ تريد روسيا ضمانات أمريكية بأن أوكرانيا لن تنضم لحلف الناتو، بينما ترى واشنطن وحلفاؤها أن هذا القرار لا يخص روسيا، وبدأ الهجوم الروسي على أوكرانيا فجر الخميس 24 فبراير/شباط.

ما احتمالات تحقيق بوتين أهدافه في أوكرانيا؟

مع نهاية اليوم الثاني من بدء الهجوم الروسي على أوكرانيا، يبدو أن العملية العسكرية التي أمر بها بوتين قد لا تنتهي سريعاً، إذ أرسلت روسيا قوات لها إلى العاصمة كييف وقامت بإنزال بحري لآلاف الجنود في مدن الجنوب الأوكراني مثل مايوربول، والغرب مثل أوديسا، في إشارة إلى أن الهدف هو السيطرة على الأراضي الأوكرانية بالكامل وليس فقط إقليم دونباس.

لكن تزامناً مع تلك التحركات العسكرية المكثفة، تصدر عن المسؤولين الروس تصريحات يُفهم منها أن الهدف هو الإطاحة بالحكومة الأوكرانية برئاسة زيلينسكي وإذا ما تحقق هذا الهدف فربما تنتهي العمليات العسكرية الروسية، إذ قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، إن “الهدف من العملية الروسية في أوكرانيا هو تقديم النظام العميل في كييف إلى العدالة عن الجرائم المرتكبة”.

وقال زيلينسكي نفسه إنه أصبح “المطلوبَ الأول” من جانب الروس، الذين وصفهم بالأعداء، مضيفاً في حديث له الجمعة، أنها قد تكون المرة الأخيرة التي “يظهر فيها على قيد الحياة”، في مؤشر على شعور الرئيس الأوكراني بخطر داهم يتهدد حياته مع وجود قوات ومدرعات روسية على مشارف كييف بالفعل.

وقدرت المصادر الأمريكية أن “الغزو” الروسي لأوكرانيا سيكتمل خلال 96 ساعة، أي إن العمليات العسكرية قد تتوقف خلال أقل من أسبوع، ومن الصعب تجاهل ما يصرح به الأمريكيون بشأن الهجوم على أوكرانيا، بعد أن اتبع الرئيس جو بايدن استراتيجية الإعلان الفوري عن المعلومات الاستخباراتية لدرجة أنه حدد يوم 16 فبراير/شباط على أنه “يوم الغزو الروسي”. صحيحٌ أن الهجوم على أوكرانيا، سواء كان غزواً أو عملية عسكرية، بدأ الخميس 24 فبراير/شباط، إلا أنه في نهاية المطاف يتحقق ما يقوله الأمريكيون.

زاخاروفا كانت قد قالت أيضاً للصحفيين، إن “مهمة العملية هي محاسبة الشخصيات الحالية في النظام العميل، الذي وصل للسلطة في عام 2014 نتيجة انقلاب غير دستوري، على الجرائم التي ارتُكبت خلال هذه السنوات ضد المدنيين، وضمنهم مواطنو روسيا، وكذلك نزع السلاح من أوكرانيا”.

وفي الوقت نفسه دعا بوتين الجيش الأوكراني إلى الاستيلاء على السلطة، قائلاً: “يبدو أنه من الأسهل بالنسبة لنا الاتفاق معكم، أكثر من هذه العصابة من مدمني المخدرات والنازيين الجدد”.

لكن على الرغم من السرعة التي تنتشر بها القوات الروسية في المدن الأوكرانية، يظل من المبكر التكهن بما إذا كان الهجوم على أوكرانيا سينتهي خلال فترة زمنية قصيرة أم سيتحول إلى وجود روسي ممتد هناك. لكن في كل الأحوال يرى كثير من المراقبين أن بوتين قد حقق بالفعل انتصاراً مهماً على الغرب في أوكرانيا.

وقال محمد رجائي بركات، المتخصص في الشؤون الأوروبية، لوكالة سبوتنيك الروسية، إن “الغرب والولايات المتحدة تركوا أوكرانيا وحيدة في مواجهة روسيا بعد كل الأحاديث والتوعد”، وهو ما كان زيلينسكي نفسه قد عبّر عنه متهماً قادة أوروبا بالخوف.

إيران والصين تدعمان روسيا

وقبل محاولة استشراف شكل العالم في حالة تحقيق بوتين انتصاراً على الغرب في أوكرانيا، من المهم التوقف عند خريطة الموقف الدولي الحالي فيما يتعلق بالهجوم على أوكرانيا. فدول الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو بقيادة أمريكا ينددون بالهجوم الروسي وهذا أمر طبيعي، إذ إنهم يُعتبرون طرفاً أصيلاً في هذه المواجهة.

أما بالنسبة لباقي دول العالم، فيمكن القول إن غالبيتها تمسك بالعصا من المنتصف، أي إما تلتزم الصمت وإما تطالب بتغليب الحوار على الحرب، أي تصدر بيانات دبلوماسية لا تحمل موقفاً من الأساس.

لكن الموقف الإيراني تحديداً كان لافتاً في دعمه اللامشروط لروسيا، إذ أن الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي قال لنظيره الروسي بوتين، في اتصال هاتفي، الخميس، يوم بداية الهجوم على أوكرانيا، إنّ توسع حلف شمال الأطلسي (الناتو) يمثل “تهديداً خطيراً” لأمن المنطقة واستقرارها.

وقال عقب الهجوم العسكري الروسي على أوكرانيا: “توسع الحلف شرقاً يخلق توتراً ويشكل تهديداً خطيراً لاستقرار وأمن الدول المستقلة في عدة المجالات”. وقال: “آمل أن يفيد ما يحدث الشعوب والمنطقة بأسرها”، بحسب رويترز.

وعلى الرغم من أن وزير الخارجية حسين أمير عبد اللهيان، قد دعا إلى وقف إطلاق النار بين روسيا وأوكرانيا، فإنه ألقى باللوم في الأزمة على “استفزازات الناتو”. وقال عبد اللهيان، في تغريدة عبر حسابه على تويتر، إن “جذور الأزمة الأوكرانية ترجع إلى استفزازات الناتو”، مضيفاً: “لا نعتقد أن اللجوء إلى الحرب هو الحل. ومن الضروري إقرار وقف لإطلاق النار وإيجاد حل سياسي وديمقراطي”.

أما الموقف الصيني، فهو أيضاً داعم بشكل لا لبس فيه لروسيا، وإن لم يكن على درجة العلانية نفسها مقارنة بموقف طهران، فبعد أن أعلنت الدول الغربية فرض عقوبات على روسيا بسبب الاعتراف باستقلال المنطقتين الانفصاليتين في أوكرانيا (دونيتسك ولوغانسك في إقليم دونباس) وقبل أن يبدأ الهجوم على أوكرانيا، رفضت بكين ذلك، وقالت المتحدثة باسم الخارجية الصينية للصحفيين: “تسألون عما إذا كانت الصين ستفرض عقوبات على روسيا؟ من الواضح أنكم لا تفهمون سياسة الحكومة الصينية بما فيه الكفاية… الصين تعارض دائماً العقوبات غير القانونية من جانب واحد”.

وأضافت: “منذ عام 2011، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على روسيا أكثر من 100 مرة، لكن يمكننا التفكير بهدوء أو مناقشة ما إذا كانت العقوبات الأمريكية قد حلت المشكلة؟ هل تغير العالم للأفضل بسبب العقوبات الأمريكية؟ هل ستحل المشكلات في أوكرانيا لأن العقوبات الأمريكية ضد روسيا؟ هل يصبح الأمن في أوروبا أكثر موثوقية بسبب العقوبات الأمريكية ضد روسيا؟”.

هل يشير ذلك إلى تشكيل محور صيني-روسي-إيراني؟

تشير هذه المواقف إلى أن تحقيق بوتين الانتصار على الغرب في أوكرانيا، أياً كان شكل وطبيعة هذا الانتصار، ستكون له تبعات جذرية على شكل التحالفات الإقليمية والعالمية، ليس فقط في أوروبا ولكن في جميع أنحاء العالم.

فالتنسيق الموجود بالفعل في المواقف بين روسيا والصين وإيران في أغلب الملفات الإقليمية والدولية سوف يأخذ على الأرجح شكل المحور الثلاثي وسيمثل قوة كبيرة لإيران بالشرق الأوسط وللصين في مواجهتها المفتوحة مع الغرب، وللثلاثي معاً في تحدي النظام السياسي العالمي بشكله الحالي، خاصةً القيادة الأمريكية لهذا النظام.

وكان تحليل لمجلة Foreign Affairs الأمريكية عنوانه “ماذا لو انتصر بوتين؟”، رصد كيف أن سيطرة الكرملين على أوكرانيا ستقلب أوروبا رأساً على عقب، فثقة الدول الأوروبية بقدرة الناتو بقيادة أمريكا على توفير حماية حقيقية لها ستنهار تماماً، بعد أن كانت تلك الثقة قد تزعزعت بالفعل خلال رئاسة دونالد ترامب وبعد الانسحاب الفوضوي من أفغانستان.

وبحسب تحليل “فورين أفيرز”، فإذا ما حققت روسيا أهدافها السياسية في أوكرانيا بالوسائل العسكرية، فلن تكون أوروبا كما كانت قبل الحرب، فأي شعور بأن الاتحاد الأوروبي أو الناتو يمكن أن يضمن السلام في القارة سيكون بمثابة “قطعة أثرية لعصر ضائع”.

أما في الشرق الأوسط، الذي كان منطقة نفوذ أمريكي تقليدي على مدى عقود، فإن محوراً روسياً-صينياً-إيرانياً سيكون له اليد العليا على الأرجح في أغلب ملفات المنطقة، بحسب ما يراه فريق من المحللين، وسيكون لذلك انعكاساته على كيفية إدارة دول المنطقة، التي اعتمدت تاريخياً على الدعم الأمريكي، لشؤونها وعلاقاتها مع دول الجوار والعالم.

وكان سعي حكومة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في الحثيث للحصول على العضوية الكاملة بمنظمة شنغهاي للتعاون، التي أسستها الصين وروسيا عام 2001، مقدمات على أن هناك رغبة لدى طهران وقبولاً في موسكو وبكين لتشكيل محور صيني-روسي-إيراني، بحسب تقرير لمجلة The Diplomat دون ربط ذلك بالأزمة الأوكرانية. وبالتالي فإنه في حالة تحقيق بوتين انتصاراً في أوكرانيا، يبدو واضحاً أنّ فرص تبلور هذا المحور ستكون أكثر وضوحاً.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

16 − إحدى عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى