الانكفاء الأميركي في العراق: مهادنة إيران أم تبدل الأولويات؟

تدخل أزمة تشكيل الحكومة العراقية الجديدة بنسختها الثامنة منذ الغزو الأميركي للبلاد عام 2003، في منعطف حرج، بعد تعثر ست مبادرات سياسية داخلية.

ميدل ايست نيوز: على خلاف الأزمات السياسية التي شهدها العراق منذ عام 2006 تحديداً، لا يظهر أي دور أميركي بارز تجاه الأزمة الحالية التي تمر بها البلاد، على الرغم من مرور أكثر من خمسة أشهر على واحدة من أعقد الأزمات التي أفرزتها الانتخابات التشريعية المبكرة في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

وحسب تقرير لـ”العربي الجديد” يطرح سياسيون ومراقبون عراقيون في بغداد وأربيل، أسباباً عديدة لغياب الدور الأميركي، بخلاف أزمات تشكيل حكومات 2010، و2014، و2018، والتي لعب فيها مسؤولون أميركيون، أبرزهم منسق شؤون الشرق الأوسط بريت ماكغورك، دوراً فاعلاً، ولا سيما في آخر تلك الأزمات.

لكن مسؤولاً عراقياً في وزارة الخارجية في بغداد، قال إن “تقدير موقف واشنطن للمشهد العراقي الحالي دفعها إلى اتخاذ قرار بعدم التدخّل في الأزمة الحالية، على الرغم من أهمية تشكيل حكومة عراقية مختلفة عن الحكومات السابقة بالنسبة للولايات المتحدة”.

وأضاف المسؤول، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، أن “التدخل الأميركي في هذه الأزمة، قد يكون ما تنتظره الآن قوى تحالف الإطار التنسيقي، في صراعها السياسي مع التيار الصدري على تشكيل الحكومة، خصوصاً مع نجاح زعيم التيار مقتدى الصدر في مواجهة الضغوط الإيرانية لغاية الآن، إذ سيفهم أن الطرف الذي تدعمه واشنطن هو الصدر وحلفاؤه”.

وتدخل أزمة تشكيل الحكومة العراقية الجديدة بنسختها الثامنة منذ الغزو الأميركي للبلاد عام 2003، في منعطف حرج، بعد تعثر ست مبادرات سياسية داخلية، وعدة وساطات قادتها قيادات إيرانية مختلفة طوال الأشهر الماضية بين بغداد والنجف وأربيل، لتقريب المسافة بين الصدر، الذي حصل على المرتبة الأولى في الانتخابات بفارق كبير عن أقرب منافسيه، وتحالف “الإطار التنسيقي” المدعوم من طهران.

ويصرّ الصدر وحلفاؤه في تحالف “إنقاذ وطن” (يضم أيضاً تحالف “السيادة” بزعامة خميس الخنجر، والحزب الديمقراطي الكردستاني) على تشكيل “حكومة أغلبية وطنية”، في وقت ترفض فيه قوى “الإطار التنسيقي” ذلك، وتسعى لتكرار نسخ الحكومات السابقة التي تشكّلت وفق مبدأ التوافق السياسي القائم على المحاصصة الطائفية والحزبية.

في السياق، عزا النائب العراقي السابق حيدر الملا، الذي شارك في وفود تفاوضية بعدة أزمات سابقة شهدتها البلاد، غياب الصوت الأميركي في أزمة العراق الحالية إلى ما وصفه بـ”توجه أميركي لتكرار طريقة إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما، من خلال التعامل مع المحاور الطائفية السياسية في العراق”.

وأضاف في حديث لـ”العربي الجديد”، أنه “لا يوجد تدخل أميركي مباشر في الملف العراقي، لكن هناك تدخلاً لدول أخرى يمكن أن تُعبّر عن الموقف الأميركي في هذه الأزمة”.

لكن القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني، مهدي عبد الكريم، أكد أن ضعف الدور الأميركي الذي وصفه بـ”شبه المعدوم في هذه الأزمة”، يعود إلى جملة أسباب، من بينها أن “الإدارة الحالية في واشنطن لم تعد تعطي أولوية للملف العراقي، ولهذا قللت من اهتمامها بتفاصيل الشأن السياسي بالعراق”.

وتحدث عبد الكريم عن “دور بريطاني أكبر من الدور الأميركي حالياً في المشهد السياسي العراقي”، مشيراً إلى أن “انشغال الولايات المتحدة بالحرب الروسية الأوكرانية والصين ومناطق أخرى من العالم، ساهم أيضاً في هذا الغياب غير المسبوق”.

في السياق ذاته، قال عضو البرلمان العراقي عن الاتحاد الكردستاني، محمود خوشناو، إن “الحديث عن عدم وجود تدخل أميركي أو أجنبي أمر جيّد، إذ إن كل التدخلات السابقة كانت سلبية، لكن الواقع حالياً هو أن هناك تدخلا من أطراف دولية كثيرة بهذه الأزمة”.

وأضاف أن “تراجع الدور الأميركي في العراق، وخصوصاً في الأزمة الحالية، لا يتعلق بالعراق، بل بتغييرات إقليمية وعالمية”.

وختم بالقول “الدوران الإيراني والبريطاني يبدوان أكبر من الأميركي في هذه الأزمة، لكن الحضور الأميركي في العراق على مختلف الأصعدة ما زال قائماً، على الرغم من أنه ليس كما كان سابقاً”.

وفي الثاني من إبريل/نيسان الحالي، اتهم زعيم تحالف “الفتح” (المنضوي ضمن الإطار التنسيقي) هادي العامري، بريطانيا بأنها تتدخل في الأزمة السياسية الحالية. وقال في بيان عقب لقاء جمعه مع سفير بريطانيا في بغداد، مارك باريسون ريتشاردسون، إن “العملية السياسية منذ 2003 إلى اليوم، بُنيت على ثلاثة مرتكزات رئيسية هي الاتفاق والشراكة والتوازن، ولدينا معلومات من جهات مخابراتية أجنبية تؤكد تدخلكم المستمر في الوضع السياسي العراقي”.

في المقابل، قال العضو البارز في تحالف “الإطار التنسيقي” علي الفتلاوي، إن “التدخل الأميركي في هذه الأزمة ضعيف جداً، لكن هذا لا يعني أنه ليس هناك دور وتدخل أميركي في الشأن العراقي الداخلي”.

وأضاف أن “أي تدخل خارجي في الشأن العراقي مرفوض، وإيران لا تتدخل إلا إذا طُلب منها ذلك من قبل بعض الأطراف لحل قضية أو التوسط في أزمة كما يحصل الآن”.

لكن عضو التيار المدني في بغداد، الناشط السياسي أحمد حقي، اعتبر الانكفاء الأميركي المفاجئ في هذه الأزمة بأنه “تدخل بحد ذاته”. وقال إن “موقف الولايات المتحدة في خفض التصعيد مع طهران في الساحة العراقية مرتبط بالمفاوضات الحالية المتعلقة بالاتفاق النووي الإيراني، وسعي إدارة بايدن لحسم الملف”.

وأضاف أن ذلك “يظهر في جوانب عدة وليس في الشأن السياسي فقط، مثل القصف الصاروخي الإيراني على أربيل (في مارس/آذار الماضي)، إذ سقط أحد الصواريخ على بُعد 2.5 كيلومتر من القنصلية الأميركية، في حين لم يكن هناك موقف أميركي حاسم تجاه ذلك. إلى جانب الهجوم بطائرات مسيّرة على قاعدة عين الأسد (الأميركية في الأنبار) ومحاولة قصف مطار بغداد (حيث توجد قاعدة أميركية)، وهذا كله مرتبط بالمفاوضات النووية، فمن المؤكد أن الملف العراقي كان حاضراً فيها”.

وتابع حقي “من المؤكد أن الموقف الأميركي كان سيكون مختلفاً لو لم تكن هناك مفاوضات، أو أنها انهارت وتوقفت، والحقيقة التي يجب الإقرار بها أن الطرفين الإيراني والأميركي، عنصرا خراب فاعلان، سواء غاب أحدهما لمرحلة أو ظهر، فالنتيجة واحدة”.

وفي قراءة لهذا الوضع، اعتبر رئيس “مركز التفكير السياسي” في بغداد، إحسان الشمري، أن “الأولويات لدى واشنطن تغيّرت كثيراً مع إدارة بايدن ولا سيما تجاه العراق وعموم منطقة الشرق الأوسط، فالعراق حالياً ليس ضمن أولويات أميركا”، مضيفاً أن “روسيا والصين، وإعادة ترتيب الداخل الأميركي، أبرز ما تهتم به الإدارة الأميركية الحالية”.

وأضاف الشمري أن “واشنطن لا تريد الانغماس المباشر في الشأن السياسي العراقي، وتحديداً في ملف تشكيل الحكومة الجديدة، لكن هناك دوراً أميركياً في العراق، على الرغم من أنه ضعيف ولا يشابه من ناحية الحجم والقوة الدور الإيراني”.

واعتبر المتحدث نفسه أن “طهران متواجدة بكل ثقلها في الملف العراقي منذ ما قبل الانتخابات البرلمانية، وتحديداً منذ بداية تشكيل التحالفات الانتخابية إلى الأزمة الحالية”. وتوقع أن يكون هناك تغيير على مستوى الموقف الأميركي مع وصول السفيرة الأميركية الجديدة إلى العراق إلينا رومانوفسكي، أخيراً.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسعة عشر − ستة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى