تهريب الوقود الإيراني.. أعمال عصابات أم التفاف رسمي على العقوبات؟

تقول طهران إن أكثر من 9 ملايين لتر من الوقود يتم تهريبها إلى خارج البلاد كل يوم.

ميدل ايست نيوز: لا يكاد يمر شهر دون أن تعلن قوات الحرس الثوري الإيراني ضبط سفينة تهريب كميات كبيرة من الوقود قبالة سواحلها في مياه الخليج، ما يثير موجة من التساؤلات حول حقيقة عمليات التهريب هذه.

وحسبت تقرير لموقع “الخليج أونلاين” في 24 أبريل الجاري، أعلنت إيران عن أحدث عمليات ضبط سفن الوقود المهرب قبالة سواحلها في مياه الخليج.

وأعلن غلام حسين حسيني، مسؤول العلاقات العامة بالمنطقة البحرية الثانية في الحرس الثوري الإيراني، الأحد 24 أبريل 2022، ضبط سفينة تحمل “وقوداً مهرباً” في الخليج.

وقال حسيني، حسب وكالة الأنباء الإيرانية “فارس”، إنه “تم ضبط 200 ألف لتر من الوقود المهرب من السفينة.

وأضاف أنه أثناء الاستيلاء على السفينة تم نقل 8 من طاقمها إلى ميناء بوشهر وتسليمهم للسلطات القضائية بعد توقيفهم لاستكمال إجراءات التحقيق والإجراءات القانونية.

وسبق هذا الحادث بنحو 10 أيام فقط، إعلان الحرس الثوري الإيراني الاستيلاء على سفينة أجنبية كانت تحمل وقوداً مهرباً في مياهها الإقليمية.

كميات هائلة

وتقول طهران إن أكثر من 9 ملايين لتر من الوقود يتم تهريبها إلى خارج البلاد كل يوم، مشيرة إلى أن أسعار الوقود المدعومة للغاية في إيران هي السبب الرئيسي للاتجار غير المشروع في الوقود.

وفي شهر ديسمبر الماضي، قال المتحدث باسم فرقة العمل المعنية بمكافحة التهريب في إدارة الجمارك الإيرانية، حميد رضا دهغنية، في تصريحات بثها التلفزيون الإيراني، إنه “لا توجد بيانات دقيقة، لكن الحجم اليومي لإجمالي المنتجات البترولية التي يتم تهريبها من البلاد يبلغ حوالي 9 ملايين لتر”.

وفي الوقت ذاته، قال مجتبى محفوظ، النائب الإيراني عن مدينة آبادان الغنية بالنفط، بتصريحات صحفية، إن “السعر المدعوم لوقود الديزل في إيران أقل من سنت أمريكي واحد لكل لتر، أو 60 مرة أقل من الأسعار المرتفعة في منطقة الخليج، هو وراء عمليات الاتجار غير المشروع فيه”.

وأضاف محفوظ، أن “هذا الحجم الكبير من التهريب لا يمكن أن يقوم به التجار العاديين. لا شك أن هناك عصابات وراء الكواليس لإيصال الوقود إلى المهربين”.

وفي ديسمبر الماضي، أكد مسؤول إيراني كبير في مكافحة التهريب، أن الكمية اليومية من البنزين والديزل المهربة تصل إلى حوالي 11 مليون لتر أو ما يقرب من 3 ملايين جالون.

وكان علي عدياني، عضو لجنة الطاقة في البرلمان الإيراني، قد قال في تصريحات صحفية بشهر ديسمبر 2018، أن كميات البنزين التي يتم تهريبها يومياً من إيران تقدر بـ10 إلى 20 مليون لتر يومياً.

محمد حسن نجاد، عضو آخر في اللجنة ذاتها، قال في تصريحات صحفية نهاية العام الماضي، إن “كميات الوقود الإيراني المهرب تصل إلى 22 مليون لتر في اليوم”.

وأضاف نجاد، أن أرباح المهربين تصل إلى 50% لكل لتر ويحققون دخلاً إجمالياً سنوياً يصل إلى 3.3 مليار دولار.

بالإضافة إلى تهريب البنزين، يتم أيضاً تهريب أنواع أخرى من الوقود مثل الكيروسين والديزل بكميات كبيرة، حسب نجاد.

أرباح طائلة من تهريب الوقود

ووفقاً لمقال للخبير الاقتصادي الإيراني مهرداد سيد أصغري، منشور في فبراير 2021، بموقع راديو “فردا” الفارسي، فإن “سعر لتر البنزين في إيران يبلغ حوالي 12 سنت بينما السعر بوجهة الوقود المهرب في تركيا وتركمانستان وأذربيجان والباكستانيين والعراق وأفغانستان وأرمينيا يبلغ قرابة 1.23 دولار أمريكي على الأقل. وهذا يعني أن كل لتر من الوقود المهرَّب يدر ربحاً يزيد عن دولار واحد”.

وأضاف أصغري: “السعر المنخفض المذهل للبنزين في إيران يعود إلى أن الحكومة تدعم أكثر من 90٪ من التكلفة، على عكس ما تفعله العديد من البلدان الأخرى عندما تفرض ضرائب كبيرة على الوقود لتقليل الاستهلاك”.

كما أدى انخفاض قيمة العملة الإيرانية بسبب العقوبات الاقتصادية الأمريكية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، إلى جعل البنزين أرخص بثلاث مرات على الأقل بالدولار، وقد جعل هذا التهريب مشروعاً مربحاً أكثر، حسب أصغري.

ويعتقد أن عمليات التهريب لا تتم من خلال مهربين أفراد، وإنما عبر المؤسسات والوحدات المستفيدة من الحصص الهائلة للبنزين المدعوم وأنواع الوقود الأخرى بتوجيهها إلى سوق التهريب ما يحقق لها أرباحاً مضاعفة.

ولا يستبعد تقرير بثته إذاعة “فردا” التي تبث من التشيك، أن يكون مشروع تهريب الوقود وسيلة إيرانية شبه رسمية، لتحويل بعض الثروة النفطية إلى عملات صعبة في محاولة للالتفاف على العقوبات الأمريكية على صادراتها النفطية.

وقد يفسر هذا سبب استمرار المشكلة رغم الإعلان عن محاربتها من قبل قوات الحرس الثوري الإيراني.

التهرب من العقوبات

وحول هذه النقطة يقول بريت سوديتيك، مستشار للشؤون الخارجية في شركة “جلف ستيت أناليتيكس” الاستشارية للمخاطر الجيوسياسية، في الولايات المتحدة الأمريكية، إنه “كان للعقوبات تأثير مدمر على إنتاج النفط الإيراني وصادراته، حيث منعت الاستثمار الذي تشتد الحاجة إليه في الحقول القديمة في البلاد ومنعتها من تصدير النفط الخام بشكل قانوني إلى العملاء العالميين”.

وأضاف سوديتيك، في مقال نشره على موقع معهد الشرق الأوسط للدراسات، أنه “باستخدام مجموعة من تكتيكات التهرب نجحت إيران في الالتفاف على العقوبات والحفاظ على مستوى ثابت من صادرات النفط الخام”.

وسهلت سوق النفط الإقليمية المعقدة في الخليج هذه التكتيكات، مما وفر البيئة المثالية لتجارة النفط التي تعتبرها العقوبات الأمريكية غير مشروعة.

ولقد استغلت إيران بذكاء ممرات الشحن المزدحمة في الخليج ومتاهات مرافق الإنتاج والمراكز التجارية للتعتيم وإخفاء مصدر نفطها، مما سمح لها ببيع خامها للمشترين في الصين وسوريا وفنزويلا وأماكن أخرى، حسب سوديتيك.

وأوضح المستشار سوديتيك، أن تكتيكات إيران للتهرب من العقوبات على تصدير الوقود تتم عبر 4 مراحل أولها تخزين الوقود في ناقلات كبيرة في البحر مع تحديد المشترين المحتملين المستعدين لشرائه؛ وتغيير أسماء السفن ورموز التعريف لإخفاء هوية ناقلات الوقود الخاصة بها عن رادارات الملاحة الدولية، ومن ثم نقل الوقود سراً من خلال عمليات النقل من سفينة لأخرى إلى سفن مشروعة أخرى.

عمليات رسمية سرية

وفي يناير الماضي، أعدت صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية تقريراً عن عمليات تهريب الوقود الإيراني، تناولت فيه الدور الذي يلعبه الحرس الثوري في تلك العمليات السرية.

وأشارت إلى أن سفن التهريب في سواحل الخليج، ومن ثم وبشكل فردي تنقل قوارب صغيرة محملة بالديزل الإيراني المهرب حمولتها لسفن تنتظرها، بحسب بحارة شهدوا عمليات التهريب، وفق الصحيفة.

ونقلت الصحيفة الأمريكية شهادة أحد البحارة، رفض كشف هويته خوفا من الانتقام، حيث يقول: “إنها سلسلة كبيرة، تبحر قوارب الصيد لنقل الديزل إلى الناقلة المنتظرة. يستغرق الأمر من أربعة إلى خمسة أيام لأن القوارب تأتي واحدة تلو الأخرى”.

وذكرت أن توصيف البحار لتلك العمليات غير المشروعة، التي تسارعت عندما أعادت الولايات المتحدة فرض عقوبات على صادرات إيران النفطية بعد انسحاب الرئيس السابق دونالد ترامب من الاتفاق النووي عام 2018، هو واحد من بين خمس روايات لشهود عيان هنود قالوا إنهم عملوا على متن سفن متورطة في التجارة السرية.

ودائما ما ترسو الناقلات في المياه الدولية في الخليج، بحسب ما قاله بحار (28 عاماً)، والذي أوضح أنه عمل بشركتين متورطتين في تهريب الديزل الإيراني بين عامي 2016 و2020.

وقال بحار ثالث وخبراء في شؤون الأمن والطاقة إنه بالإضافة إلى عمليات النقل التي تتم خلال الليل في البحر، يتم تصدير الديزل الإيراني المتجه للأسواق الدولية على ناقلات تبحر من إيران بينما يتم تمويه أصول الشحنة لجعلها تبدو وكأنها جاءت من دول أخرى.

وبسبب هامش الربح، كانت هذه التجارة تدر أرباحاً طائلة حتى قبل انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي؛ إذ تمتلك إيران بعضاً من أرخص أسعار الوقود في العالم، بفضل تكاليف الإنتاج المنخفضة للغاية، والدعم الحكومي الكبير، وضعف العملة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة − 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى