لبنان في مواجهة تحدي منصة الغاز في حقل كاريش

تبلغ مساحة المنطقة المتنازع عليها 860 كلم2، بحسب الخرائط المودعة من جانب لبنان لدى الأمم المتحدة والتي يشار إليها بالخط 23.

ميدل ايست نيوز: أرسلت إسرائيل سفينة تنقيب -تعود لشركة التنقيب البريطانية-اليونانية “إينرجيان”- إلى الحقل “كاريش” الذي يقع في منطقة بحرية متنازع عليها وفقًا للتأكيد اللبناني، بهدف استخراج الغاز وذلك قبل استكمال مفاوضات غير مباشرة لترسيم الحدود البحرية مع لبنان، والتي كانت جولتها الخامسة في 4 مايو/أيار 2021، برعاية أميركية عبر الوسيط، آموس هوكشتاين.

تبلغ مساحة المنطقة المتنازع عليها 860 كلم2، بحسب الخرائط المودعة من جانب لبنان لدى الأمم المتحدة والتي يشار إليها بالخط 23، ويعتبرها لبنان منطقة خالصة له، لكنه يؤكد أيضًا أن المساحة المتنازع عليها أكبر من ذلك باعتبار أن الخط 29 الذي يضم حقل “كاريش” أو بعضه هو محل تفاوض. يزيد الخط 29 من المساحة محل التنازع بما مقداره 1430 كلم2، لتصبح بالمجمل 2290 كلم2.

تأتي الخطوة الإسرائيلية في الوقت الذي يعاني فيه لبنان من تداعيات انهيار مالي كبير لم يعرفه في تاريخه، ويشهد بالتوازي أزمة سياسية داخلية متداخلة مع أزمات الإقليم؛ ما يطرح أسئلة حول قدرة لبنان على التعامل مع هذا التحدي الجديد وانعكاساته على وضعه الداخلي، لاسيما أن أسباب التصعيد العسكري بين حزب الله وإسرائيل لا تزال قائمة منذ حرب 2006، ويبدو أن احتمالات التصعيد تتعزز مع هذا التطور الأخير.

الموقف اللبناني

تؤكد السلطة اللبنانية وقياداتها على تمسكها بالمساحة المتنازع عليها مع إسرائيل، وكذلك تتمسك بالتفاوض سبيلًا لحل النزاع، حتى إن رئيس الجمهورية، ميشال عون، لم يوقِّع المرسوم 6433 المعدل، والذي كان من المفترض أن يؤكد رسميًّا أن حدود لبنان البحرية تنطلق من إحداثيات الخط 29 وليس الخط 23 كما هو الواقع، حرصًا على استمرار المفاوضات وعدم عرقلتها، لاسيما أن الوسيط الأميركي قد ينسحب في حال اتخذ لبنان مثل هذا المسار.

الجدير بالذكر أن تعديل المرسوم 6433 واعتماد الخط 29 رسميًّا، الذي أقرَّته حكومة تصريف الأعمال برئاسة حسان دياب، في أبريل/نيسان 2021، ولم يوقِّعه رئيس الجمهورية حينها يعتبر ساقطًا، وأية عودة جديدة إليه تتطلب موافقة حكومية جديدة.

بهذا الاعتبار، فإن الموقف اللبناني على الصعيد القانوني مرشح للتغير وقد يتجه لبنان نحو تبني المرسوم المعدل 29 بدلًا من الخط 23. ويتوقف الأمر على دور الوسيط الأميركي، هوكشتاين، وعدم التغيير في الوضع القائم إلا في إطار التفاوض، لاسيما أن رئيس المجلس النيابي، نبيه بري، أوضح أنه إذا لم يصل لبنان إلى نتيجة مع هوكشتاين بخصوص إيقاف التنقيب الإسرائيلي، فإن على “الحكومة أن تجتمِع وأن تأخذ قرارًا وطنيًّا بالإجماع بتعديل المرسوم 6433 وإرساله إلى الأمم المتحدة”.

أعلن حزب الله مرارًا عبر مسؤوليه وعلى لسان أمينه العام، حسن نصر الله، ما يفيد بأن ترسيم الحدود البحرية والمنطقة الاقتصادية “متروك للدولة اللبنانية” كي تقرره وسيلتزم به، لكنه يرفض أن تتصرف إسرائيل في هذه المنطقة “قبل حسم النزاع”. بالمقابل، تؤكد إسرائيل أنها ملتزمة بحماية حقل “كاريش” ومنصته للغاز، عبر قواتها البحرية وبنسخة بحرية من “القبة الحديدية”. وبالنظر إلى الموقفين يسهل الاستنتاج أن الطرفين يتجهان نحو التصعيد وربما الحرب، إلا أن السياق المحلي اللبناني وما يشهده من أزمات، فضلًا عن تداخله مع السياق الإقليمي يشكِّل كابحًا أو دافعًا للتروي.

السياق المحلي

رغم أن الموقف اللبناني يبدو موحدًا حول ضرورة التزام التفاوض على الخط 29 وليس 23، وبالتالي اعتبار حقل “كاريش” في المنطقة المتنازع عليها أو على مشارفها وبالتالي هو محل تفاوض، فإن مواقف الأطراف المحلية بدت في بعض وجوهها وكأنها جزء من نزاع داخلي. فالقوى التغييرية التي طالبت الحكومة ورئيس الجمهورية بتعديل المرسوم 6433 وإرساله للأمم المتحدة، تخوض مواجهة مع ما تسميه “الطبقة السياسية الحاكمة” التي يقف على رأسها تحالف الثنائي الشيعي (حزب الله وحركة أمل) مع التيار الوطني الحر.

وهي ترى، إلى جانب قوى أخرى من المعارضة، أن التفريط الذي حصل ويحصل سببه فساد هذه “الطبقة” من جهة وهيمنة حزب الله على الحياة السياسية من جهة أخرى. خاصة أن أطرافًا معارضة للرئيس عون تعزو عدم توقيعه المرسوم المعدل من قبل حكومة حسان دياب حينها، إلى أنه يريد تجنُّب أي تصعيد أميركي ضد حزبه، التيار الوطني الحر، ويسعى لمقايضة المرسوم المعدل والمساحة المتصلة به، برفع العقوبات الأميركية عن وريثه في قيادة التيار، النائب جبران باسيل. والجدير بالذكر أن باسيل يخضع لعقوبات أميركية -من قبل وزارتي الخزانة والخارجية- منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2020.

أما موقف حزب الله المستجد من “كاريش”، كان على لسان نائب أمين عام حزب الله، نعيم قاسم، الذي ربط أي تصرف لحزب الله بأن تعلن “الدولة اللبنانية أن الإسرائيلي يعتدي على مياهنا ويعتدي على نفطنا”، وهو أقرب إلى السياق الداخلي وردٌّ على الذين اتهموا الحزب بالتقاعس عن لعب دور في ردع إسرائيل على الرغم من “خوضه لحروب ليست لمصلحة لبنان ودون استئذان من السلطة”، وهي سردية تتسق مع الخلافات الداخلية بين الحزب وخصومه. أما بالمنظور الإقليمي فقد يعتبر كلام قاسم رسالة تهدئة، لاسيما أن وزير الدفاع الإسرائيلي، بيني غانتس، أوضح أن هذا الخلاف “مسألة مدنية ستُحل دبلوماسيًّا بوساطة أميركية”.

وهذا لا ينفي احتمال تصعيد عسكري لا يخرج عن السياق اللبناني، فبالنظر إلى ما سبق من تجارب بخصوص “الخروقات” بين لبنان وإسرائيل على صعيد الحدود البرية، فإن الرد الإسرائيلي كان موضعيًّا ولم يتجاوز تبادلًا محدودًا للنيران منضبطًا جدًّا حتى لا يؤدي إلى سقوط قتلى. ويمكن أن تشهد الحدود البحرية ما يشبه ذلك. ولكن مخاطر توسع المواجهات على هذا الصعيد عالية جدًّا، لأن محل المواجهة هو إيقاف التنقيب أو استمراره. وإذا كان تبادل محدود للنار يكفي لإيقافه فإن استمراره يتطلب أكثر من ذلك، وقد تكون حربًا واسعة إذا ما وجدت في السياق الإقليمي ما يعزز من وقوعها.

السياق الإقليمي

تحول حزب الله إلى فاعل إقليمي بتدخله العسكري في سوريا في إطار المحور المؤيد لإيران، فضلًا عن اتهامه بدور أمني وسياسي في اليمن والعراق. وقد أصبح “محور المقاومة” عنوانًا لمحور إيراني عابر للحدود، يمتد بريًّا من طهران مرورًا بالعراق وسوريا إلى بيروت. وعلى رغم تشديده على دوره المحلي بوصفه “مقاومة لبنانية” إلا أن الحزب لا ينفي أن أية مواجهة لإيران مع إسرائيل سيكون جزءًا منها، وأن أية مواجهة إسرائيلية مع حزب الله قد تعني أيضًا توسعها لتكون مواجهة أوسع تشمل المحور كله، خاصة في سوريا حيث يتعزز وجود “الميليشيات” المؤيدة لطهران.

وليس خافيًا أن هناك ترابطًا بين المحلي والإقليمي فيما يتعلق بالأزمة اللبنانية نفسها، وكذلك فيما يتعلق بدور حزب الله وما يمكن أن يُقْدِم عليه من خيارات محلية أو إقليمية؛ حيث بات قرار التفاوض والسلم أو التصعيد والحرب لا ينفك عن السياق الإقليمي، أو ما يمكن لهذا الأخير أن يتأثر به.

وتشكِّل مفاوضات فيينا النووية غير المباشرة بين واشنطن وطهران محطة انتظار لمعرفة وجهة المنطقة. وتبدي الدولتان رغبة في استمرارها والرهان عليها، رغم أن حظوظ استعادة الاتفاق النووي تبدو هذا العام (2022) في تراجع، وهو ما يصب في مصلحة إسرائيل التي تتحفظ على الاتفاق وتدعو المجتمع الدولي للتشدد في مواجهة طهران.

في الوقت ذاته، تستعر “حروب الظل” بين إيران وإسرائيل، وقد شملت اغتيال علماء نوويين (من أبرزهم محسن فخري زاده، عام 2020) أو أمنيين إيرانيين (أهمها مؤخرًا اغتيال العقيد بالحرس الثوري، حسن صياد خدايي) واستهداف مواقع نووية بحروب سيبرانية، فضلًا عن حوادث أخرى وُصفت بالغامضة. ويُعتقد أن إسرائيل قد تقدمت في هذه الحرب وباتت أكثر جرأة من ذي قبل.

على صعيد آخر، لا تزال إسرائيل ماضية في استراتيجيتها المسماة “المعركة بين الحروب” والتي تهدف لإضعاف إيران وحلفائها في سوريا لمنعهم من الاستقرار ومراكمة القوة. وقد استحدثت آلية للتنسيق مع روسيا لتجنُّب المواجهة في سوريا. في هذا السياق، تستمر الغارات الإسرائيلية واستهدافها بالصواريخ لمواقع القوى الحليفة لطهران في سوريا، وقد وصلت ابتداء من هذا العام (2022) إلى 14 غارة (آخرها على دمشق في 6 يونيو/حزيران 2022).

وجاءت الحرب الروسية في أوكرانيا لتأخذ الاهتمام الأميركي والأوروبي بعيدًا عن المنطقة؛ وهو ما يعني عدم رغبة هذه الدول في أي حرب أخرى في الوقت الراهن. ومن أهم تداعيات هذه الحرب على المنطقة تصاعد المخاوف الإسرائيلية من أن تخفف روسيا من وجودها وتحد من دورها في سوريا ليكون ذلك في صالح إيران وحلفائها فتعزز دورها هناك، خاصة في حال نجاح مفاوضات فيينا.

إن السياق الإقليمي وكذلك الدولي يعطيان الأولوية لعدم إطلاق أية مواجهة واسعة في المنطقة لأن ظروف الأطراف الأساسية ومصالحها لا تسمح بذلك، لكنها أيضًا معنية بمواجهات محدودة ومنضبطة جغرافيًّا وزمنيًّا للحفاظ على مكاسبها أو حماية مصالحها الضرورية، فضلًا عن الاستمرار في الإعداد والتهيئة ومنع الطرف الآخر من مراكمة القوة تحسبًا لأية مواجهة واسعة قد تندلع في المستقبل.

وبقدر ما يصح القول: إن لبنان ليس استثناء على هذا الصعيد وهو الأصل، فإن احتمال وقوع مواجهة محدودة بين لبنان وإسرائيل يبقى واردًا. وإذا كان لبنان لم يقبل المبادرة الفرنسية لتحييده عن أزمات المنطقة، فإن الأطراف الدولية لن تمانع من مواجهة أو حرب -إذا ما تأكدت ظروف ضبطها وحصرها كي لا تتسع أكثر- تنتهي بعزل لبنان ولو إلى حين عن أزمات المنطقة والعالم.

تداعيات

من الوضح أن قرار التنقيب الإسرائيلي يهدف لتسريع المفاوضات مع لبنان على الحدود البحرية، أو لتحقيق مصالحه بفرض الأمر الواقع ولو على مدى أطول، مستفيدًا من الانقسام السياسي المستفحل حول خيارات كبرى تتعلق بدور لبنان في المنطقة ومحيطه العربي، والأهم من الانهيار المالي والاقتصادي الذي جعل لبنان عاجزًا عن تأمين بعض الحاجات الأساسية لشعبه. وكذلك من عزلة لبنان النسبية عربيًّا ودوليًّا لاسيما من الدول التي اعتبرته امتدادًا أو أسيرًا لمحور إيران وحلفائها.

وستشكِّل الخطوة الإسرائيلية ضغطًا أيضًا على وضع لبنان الداخلي؛ حيث “السلطة” فيه عاجزة عن اتخاذ قرارات حاسمة لاسيما إذا ما اشتملت على تنازلات. ومن المفارقة أن أي قرار على هذا الصعيد مرتبط إلى حدٍّ بعيد بحزب الله وحلفائه، سواء من حيث تعديل المرسوم 6433 أو تصعيد المواجهة مع إسرائيل، وهو ما لا يبدو أن الحزب يسعى إليه، لأن أي نزاع مسلح لم تعد حساباته لبنانية بقدر ما هي إقليمية.

وبالتالي، فإن “كاريش” أصبح عنوانًا لقضية أخرى تضاف إلى قضايا النزاع الداخلي، ألا وهي تبادل الاتهامات حول التفريط في ثروات لبنان، كما كان قبلها تبادل الاتهامات بالمسؤولية عن الانهيار المالي بسبب الفساد وحكم طبقة الأحزاب الحاكمة، وبالمسؤولية عن تصدع الدولة بسبب تقديم الولاء لأطراف إقليمية خارجية على حساب لبنان ومصالحه.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان + خمسة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى