قمة طهران تقلب الطاولة على نظام العقوبات الاقتصادية الغربي

قمة طهران طورت عددا من الاتفاقات في تجارة القمح والغذاء، وفي استثمارات النفط والغاز، وفي التخلي تدريجيا عن الدولار الأمريكي في تسوية المعاملات التجارية الثنائية.

ميدل ايست نيوز: في القمة السابعة لدول حوار «أستانة» بشأن عملية السلام في سوريا، التي حضرها رؤساء إيران وروسيا وتركيا، كان الكلام عن السلام في سوريا، بينما تركز الفعل في مجالات التعاون الاقتصادي، وقلب الطاولة على نظام العقوبات الأوروبية والأمريكية، وهو النظام الذي أدى لانفجار ثلاث أزمات عالمية في وقت واحد، هي أزمات الغذاء والطاقة والتمويل، ترافقت مع أزمتين كبيرتين هما أزمة تغير المناخ، وأزمة انتشار فيروس كورونا.

نظام العقوبات ضد روسيا وإيران على وجه الخصوص يهدف إلى كسر إرادة الدولتين، وإجبارهما على الركوع. لكن رؤية المرشد الأعلى الإيراني، التي يعتبرها أساس التعاون المشترك بين الدول الثلاث، تنصرف إلى أن القوى الغربية ضعيفة، وأن تأثيرها غير فعال في دول مثل العراق وسوريا ولبنان وفلسطين، وأن حلف الأطلنطي هو مصدر تهديد من الضروري مواجهته. المرشد الأعلى نقل هذه الرؤية، التي تمثل أيضا أساس سياسة حكومة رئيسي، إلى كل من بوتين واردوغان عندما استقبل كل منهما في طهران.

وإلى جانب ما تم الاتفاق عليه بخصوص سوريا، من مطالبة القوات الأمريكية بالرحيل نهائيا، وضرورة تجنب أعمال عسكرية يمكن أن تضر بعملية السلام، وتستفيد منها الجماعات الإرهابية، فإن قمة طهران طورت عددا من الاتفاقات في تجارة القمح والغذاء، وفي استثمارات النفط والغاز، وفي التخلي تدريجيا عن الدولار الأمريكي في تسوية المعاملات التجارية الثنائية والمتعددة الأطراف، وتوسيع نطاق التجارة، يمكن اعتبارها بداية جديدة وقوية لمجموعة أستانة، التي تطلق عليها إسرائيل إسم «محور الشر».

القمح والغذاء والأسمدة

مع اختتام قمة طهران أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اتفاق الرؤساء الثلاثة على ضرورة أن يرفع الغرب حصاره عن الأسمدة والحبوب الروسية إذا كان صادقا في رغبته لحل مشكلة الغذاء العالمية.

وكان بوتين قد أجرى محادثات ثنائية مع الرئيس التركي، رجب طيب اردوغان، تضمنت «قضية الحبوب» تم التوصل بعدها إلى تفاهم حول بعض القضايا العالقة، حيث قال إنه إن روسيا مستعدة لتقديم الدعم في تصدير الحبوب الأوكرانية، إلا أن مشكلة الغذاء حول العالم لا تقتصر على الحبوب الأوكرانية فحسب، وإنما تتعلق كذلك، وبشكل أساسي، برفع القيود المتعلقة بتصدير الأسمدة والحبوب الروسية، وتابع بوتين: «لقد اتفقنا على كافة الإجراءات مع المنظمات الدولية، ولم يعترض أحد بما في ذلك الولايات المتحدة، والحديث يدور عن كميات ضخمة من الحبوب الروسية أيضا، حوالي 30 مليون طن في هذا العام، و50 مليون طن في العام المقبل».

وفي السياق نفسه أكد الرئيس التركي أن بلاده ستواصل التعاون مع الجانب الروسي في ملف تصدير الحبوب من أوكرانيا، ذلك أن تعقيدات أمن الملاحة في البحر الأسود، وتوفير الحماية للسفن التجارية، وضمان عدم استغلال السفن في نقل الأسلحة، وتدقيق بلد المنشأ، هي مسؤوليات تتطلب أقصى درجات الدقة والحذر والتعاون المتبادل بين شركاء الاتفاق الرباعي بشأن تصدير الحبوب (تركيا وروسيا وأوكرانيا والأمم المتحدة).

وبمقتضى الاتفاق تتولى تركيا إنشاء مركز لتنسيق التصدير في إسطنبول يشرف على حركة الشحنات المصدرة عبر البحر الأسود. ويهدف الاتفاق إلى إخراج نحو 20 مليون طن من الحبوب المحجوزة في الصوامع الأوكرانية عبر البحر الأسود، جنبا إلى جنب مع السماح بتصدير الحبوب الروسية.

وكان البنك الدولي قد حذر من خطورة استمرار تداعيات الأزمة الأوكرانية، وقال أنها أدت فعلا إلى سقوط 95 مليون شخص جدد في هوة الفقر، وإلى إضافة 50 مليون إلى المعاناة من الجوع الشديد هذا العام. ودعا الأمين العام للأمم المتحدة إلى سرعة إيجاد حل يسهل وصول الحبوب والسلع الغذائية إلى المستهلكين الأشد احتياجا في كل أنحاء العالم.

وبسبب ضغوط الكثير من الدول النامية والتجمعات الاقتصادية في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، فإن الاتحاد الأوروبي بدأ في إعداد حزمة جديدة من العقوبات ضد روسيا، تتضمن فرض حظر على تصدير السبائك الذهبية، في مقابل التراجع عن الحظر المفروض على تصدير الحبوب والسلع الغذائية والأسمدة من روسيا إلى دول العالم.

وقد ساعدت ضغوط من داخل دول الاتحاد الأوروبي، من دول مثل المجر والتشيك، على إعادة النظر في نظام العقوبات. فقد قال بيتر فيالا رئيس وزراء التشيك أن القاعدة الأساسية في نظام العقوبات هو أن يقع تأثيرها الأكبر على روسيا وليس على الدول التي فرضت العقوبات. ولذلك فإن قواعد حزمة العقوبات الجديدة للاتحاد الأوروبي تتضمن إتاحة الحبوب الروسية والأسمدة، وإلغاء العقوبات المرتبطة بتمويل تجارة الحبوب، وتأجير السفن، والتأمين عليها، ونقلها من روسيا إلى طرف ثالث.

وقال جوزيب بوريل الممثل الأعلى للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي أن تصدير الحبوب أصبح «مسألة حياة أو موت».

تخفيف القيود على النفط والغاز

على الرغم من العقوبات المفروضة على النفط والغاز من روسيا وإيران إلى بقية أنحاء العالم، فإن صادرات إيران زادت بنسبة 30 في المئة خلال الأشهر الأخيرة، كما استمر الإنتاج الروسي في التدفق بمعدلات مرتفعة، مع تحول جوهري في التجارة من الغرب إلى الشرق، خصوصا إلى كل من الصين والهند.

ومع أن العالم كله يدفع ثمن أزمة الطاقة الناتجة عن العقوبات، فإن أوروبا، وخصوصا ألمانيا وإيطاليا، أصبحت هي الضحية الأساسية لنظام العقوبات الذي بدأته الولايات المتحدة وطالبت دول العالم بالالتزام به. قوة الولايات المتحدة هنا تنبع من أن الدولار ما يزال حتى الآن هو العملة الرئيسية لتسوية تجارة النفط بين البائعين والمشترين.

وقد شهدت قمة طهران ثلاثة تطورات مهمة على صعيد قلب المائدة على نظام العقوبات. التطور الأول هو التوسع في التجارة البينية للطاقة بين كل من روسيا وإيران من ناحية وتركيا من الناحية الأخرى. فقد تم الاتفاق على بدء جولة جديدة من المفاوضات الثانية بين أنقرة وكل من طهران وموسكو، للتوصل إلى اتفاقات طويلة المدى، تغطي 25 عاما من الإمدادات من النفط والغاز، حتى لا تتعرض تركيا لأزمة طاقة لفترة ممتدة، وأن تضمن استمرار الإمدادات الآمنة إلى الصناعة وقطاع الكهرباء والوقود اللازم لتشغيل السيارات ووسائل النقل، وتلبية احتياجات الاستهلاك العائلي.

التطور الثاني يتمثل في الاتفاق الضخم الذي وقعته شركة غاز بروم الروسية بقيمة 40 مليار دولار للاستثمار حقول الغاز الإيرانية، بما فيها حقل كيش وحقل فارس الجنوبي. وتستحوذ غاز بروم بذلك الاتفاق على ما يقرب من 25 في المئة من مجموع الاستثمارات في قطاع الغاز الإيراني، وهو ما يضمن استمرار توسيع طاقات الإنتاج، وتجنب الضغوط التي يمكن أن تمارسها الشركات الأجنبية.

أما التطور الثالث والمهم الذي ترافق مع قمة طهران، فقد كان الإعلان عن اتجاه كل من الولايات المتحدة وأوروبا لتعديل نظام العقوبات النفطية المفروضة على روسيا، بما يسمح بالتدفق الحر لإمدادات النفط الروسي، في مقابل تحديد سقف لأسعاره في السوق، بهدف حرمان الخزانة الروسية من مزايا ارتفاع الأسعار، إلى جانب أن رخص أسعار النفط الروسي بهذا الأسلوب سيؤدي إلى انخفاض تكاليف الطاقة في الدول الصناعية الغربية، ومن ثم تخفيض معدل التضخم، طبقا لما قاله واللي أدييمو نائب وزير الخزانة الأمريكي أمام مؤتمر «معهد أسبن» للأمن قبل أيام.

وقد علق الاتحاد الأوروبي على اقتراح وضع حد أقصى لسعر النفط الروسي في الأسواق، بأن ذلك غير ممكن حاليا نظرا لوجود عقود تأمين على شحنات النفط الروسي، حتى شهر كانون الأول/ديسمبر المقبل على الأقل. ومن ثم فإن تماسك الموقف الروسي والايراني، وفتح أسواق جديدة لتصدير النفط بعيدا عن أوروبا والولايات المتحدة، خلق حقائق جديدة في السوق أضعفت نظام العقوبات، مما أدى إلى اقتراح تعديله، بواسطة الدول التي فرضته. وفي حال إصرار الولايات المتحدة على وضع سقف لسعر البترول الروسي، فإن شركات التأمين وصناديق التحوط الأوروبية والأمريكية، هي التي ستدفع لروسيا فرق السعر!

التخلي عن الدولار وتعزيز التجارة

من الظواهر الملفتة للنظر أن مسألة التقليل من هيمنة الدولار على المعاملات التجارية بين الدول تنتشر انتشار النار في الهشيم، في اللقاءات الاقتصادية الثنائية أو المتعددة الأطراف بين دول العالم المختلفة، خصوصا الدول النامية، مثل مجموعة بريكس، أو الدول الأفريقية أو دول أمريكا اللاتينية. السبب في ذلك أن الولايات المتحدة تستخدم الدولار كسلاح سياسي ضد من يختلف معها، وتلجأ إلى فرض عقوبات منفردة.

وكان موضوع التخلي عن الدولار أحد أهم الموضوعات التي أثارها المرشد الأعلى الإيراني، والرئيس إبراهيم رئيسي مع كل من بوتين واردوغان. وقال خامنئي أن «إلقاء الدولار في المزبلة» يجب أن يتم تدريجيا وعلى مراحل. وفي هذا السياق تم التوصل إلى اتفاقات بين البنوك المركزية للدول الثلاث على تعزيز التجارة المشتركة مع استخدام العملات المحلية، وتقليل التسويات بالدولار الأمريكي.

وأعلن محافظ البنك الإيراني علي صالح آبادي، مع افتتاح القمة إطلاق نظام للتبادل بين الريال الإيراني والروبل في بورصة طهران للأوراق المالية.

وقبل انعقاد القمة بيومين وقع بنك «ملي ايران» وبنك «سبربانك» الروسي اتفاقا يقضي بتعزيز التجارة، واستخدام العملات المحلية في المعاملات بين البلدين. كما تدرس السلطات المصرفية في البلدين تصميم نظام للتحويلات المصرفية على غرار نظام «سويفت» ولكن باستخدام العملات وبطاقات الائتمان المحلية.

وقال رئيس غرفة التجارة الايرانية الروسية هادي تيزهوش تابان إن التنفيذ الصحيح لمذكرة التفاهم المالي والمصرفي بين البلدين وتسهيل التجارة البينية سيؤدي إلى ارتفاع حجم التجارة. وقد سجلت الأرقام التي أعلنها مكتب الممثل التجاري الروسي في طهران أن حجم التجارة بين البلدين ارتفع بنسبة 31 في الأشهر الأخيرة، بعد أن تجاوز 4 مليارات دولار في العام الماضي.

ويركز البلدان في الوقت الحاضر على الانتهاء من مشروع الممر التجاري بين الشمال والجنوب. وفي هذا السياق فإن إيران تسعى إلى إنشاء مشروع خط السكك الحديد الواصل بين ايران وروسيا «رشت- استرا» لفائدة التجارة الإقليمية وتسهيل وصول بضائع روسيا ودول آسيا الوسطى إلى المحيطين الهندي والأطلنطي. كذلك تتطلع إيران إلى تعزيز التجارة المشتركة مع تركيا. ويقدر الرئيس التركي أن قيمة المبادلات التجارية يمكن أن تتضاعف إلى 3 أمثال ما هي عليه حاليا لتبلغ 30 مليار دولار سنويا.

 

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنا عشر − 1 =

زر الذهاب إلى الأعلى