“سهل الصمت”: الأسود والأبيض خيار جمالي فالواقع قاتم

ميدل ايست نيوز: هذا لم يعد يحدث إلا نادراً. فيلمٌ يعود إلى السينما الإيرانية الفنيّة، التي بهرت العالم، ليس لما يثيره من أحاسيس عميقة بإنسانيته، بل لشعريّةٍ تطبع أسلوبه، باتت تُفتَقد في معظم ما يُصنع من أفلام إيرانية اليوم. شعريّة تتجاور مع حسّ إنساني رفيع، تلمس الوجع والجمال والبؤس واليأس والواقع والمتخيّل.

في “سهل الصمت” (2020) لأحمد بهرامي ـ المعروض في الدورة الـ9 (22 ـ 28 يونيو/حزيران 2022) لـ”مهرجان سينما/ سينمات إيران” بباريس ـ أناسٌ بسطاء في حياة معقّدة. عمالٌ كادحون، وسيّد خبيث. استخدام الأسود والأبيض في الصورة لم يكن خياراً جماليّاً فقط. إنّه تعبيرٌ عن واقعٍ أسود. كلُّ شيء قاتمٌ في الفيلم: المصائر والنفوس والأمكنة.

لكنّ سرد تلك الواقعيّة المفجعة، التي تُذكّر بأفلام الواقعية الإيطالية وأفلام الإيراني سُهراب شهيد سالس (بهرامي قال إنّه عاشقٌ لسينماه)، جاء أبعد ما يُمكن من تكرار وتقليد. مع أنّ التكرار صفة لصيقة بالفيلم، لكنّه تكرار مُميّز، أضفى عليه سحراً من نوع خاص. تكرار مَشاهد وخُطب، وتكرار أحداث.

في هذا الروائي الأول لبهرامي، هناك عزابٌ وأرامل، وزوجات وأزواج، وأطفال ويافعون. في أعلى الهرم، يتربّع سيّدٌ ملعون. ما يجمع بين هؤلاء مكانٌ قبيحٌ ومُغبرّ، ومليء بحجارة وتراب وأنابيب، وفرن غاز لطهي الطوب. للجميع، صغاراً وكباراً، دورٌ في معمل الطوب البدائي. السيّد يعتمد على رئيس عمّال لحلّ خلافات لا تنتهي، بين قوميات وطوائف وأجيال، وبين نساء ورجال، وكبار وصغار، في علاقات يسودها غرام وانتقام، وشكوك وخيبات، تفرضها قسوة عيش، وكدح لا يتوقف. هنا تستقرّ عائلات عدّة تعيش في بيئة عمل لا تغادرها. أفرادها مُرهقون وصامتون، في ظروف عمل صعبة، وعلاقات إنسانية مُعقّدة.

يتعامل النصّ السينمائي مع شخصياته بعمق، ويُدار “سهل الصمت” بصرياً بجماليات صورة مربّعة، تتحرّك فيها أطيافٌ بالأسود والأبيض، ويتكئ السرد على تركيب دوراني للحدث نفسه.

للقصّة مستويات عدّة، الأوضح والأهم بينها حياة العمّال أنفسهم، تليها العلاقات بينهم، وتلك التي يفرضها عليهم مالك المصنع، معه ومع بعضهم البعض. السرد يعتمد تركيباً متشابكاً لا يسير باستقامة. لطف الله (علي باقري في أداء لافت للانتباه) يعمل في المصنع منذ وقتٍ بعيد. ملامحه، مع السحنة الغامقة المشوبة بالغبار الأسود، واللحية والشعر الكثيف، توحي كأنّه هكذا في عمره كلّه.

منذ وعيه الأول، لا يعرف غير هذه البقعة الكئيبة. إنّها مكانٌ للآباء والأولاد الذين سيصبحون آباء فيها. مهمّته الرئيسية في معامل الطوب هذه، المعروفة في منطقة خراسان، التحكّم بفرن الغاز، وهذا مهمّ جداً. لكنّ مهمّته الأهم كامنةٌ في أنّه وسيطٌ مع العمّال، اعتمده المالك آغا خان (فرخ نعمتي في أداء دقيق ولافت للانتباه، هو أيضاً). حين يرغب الآغا في إخبارهم عن إغلاق وشيك للمصنع، كلّ ما يهمّ لطف الله حماية سارفار، العاملة الجميلة التي يُحبّ، والتي يتبيّن لاحقاً أنّها عشيقة المالك.

يُقرّر آغا خان، بعد مماطلة مدروسة، مقابلة العاملين وعائلاتهم، ليشرح لهم أسباب بيع المصنع. الحكومة لم تعد تساعد، وأسعار الطوب ترتفع، وأنماط الحياة تتغيّر، وهم سيُسرّحون من عملهم لديه. يخطب فيهم، ويعدهم بعملٍ جديد، وبتسديد رواتبهم المتأخّرة شهوراً. شعاره: “كلّ شيء سيأتي بالتأكيد في وقته”، وعليهم متابعة العمل الشاق. هم يُصدّقون، أو يرغبون في التصديق، فهو ملجأهم الوحيد، وملاذهم في الحالات كلّها. لكنّه، وكما هو مُنتظر، سيُخيّبُ أملهم بالكامل.

رُسِمت شخصية الآغا بعمق وواقعية، في خبثها وكذبها واستغلالها، وتحكّمُها بالرعية البائسة، وتسلّطها على حياتهم. إنّها نموذج للحاكم المستبد، رغم مظهر خارجي يعكس لطفاً واكتراثاً وأبوّة. حين يخطب الآغا، تدور الكاميرا على الوجوه، من بعيد دائماً، ثم تقف عند أحدها في مرحلة معينة من الخطبة، وتتابعه في بيته، تلك الأمسية.

مشهد الخطاب يتكرّر، لسرد القصّة مجدّداً، لكنْ مع شخصية أخرى في بيتها. تتكرّر الطقوس. جميعهم يتناولون العشاء، ثم يشربون الشاي، ويثيرون ما سمعوا في الخطاب، ويتساءلون عن المصير والأجور المتأخّرة. ثم يستعاد مشهد الخطبة. رئيس المصنع يتحدّث، ولا ردّ فعل لدى العمّال. تصديق وعود، واستسلام تام، ثم عائلة مختلفة في بيتها. مع هذا، يبدو المشهد من زاوية رؤية أخرى، وعبر نظرة أخرى.

لم يعتمد “سهل الصمت” التسلسل الزمني والسرد التقليدي، أيّ خطبة الآغا، وردود الفعل المباشرة عليها لدى كلّ عائلة، بل تعمّد إعادة الخطبة نفسها كلّ مرة، مع إضافة عنصرٍ جديد فيها، ووعدٍ إضافي، وتبرير. كأنّه لعبٌ بالوقت بين الماضي والحاضر.

سُئل أحمد بهرامي، في لقاء مع جمهور المهرجان الإيراني في باريس، عن اعتماده هذا الأسلوب، وهدفه من تكرار خطاب الآغا، فأجاب أنّه، في 50 عاماً من حياته، لم يسمع إلا وعوداً زائفة من الحكّام، الذين يُعطون دائماً أسباباً لتبرير خياراتهم في فترة حكمهم، وهذا في إيران والشرق عموماً. إنّه أمر تقليدي: “أيام الدراسة أيضاً، وفي 12 عاماً، كان مدير المدرسة يُكرّر كلّ صباح خطاب اليوم السابق عليه. لكنْ، لم يكن يحدث شيء، وفي الوقت نفسه، يحدث كلّ شيء”.

في النهاية، باع الآغا المصنع، وتفرّق العمّال من دون نيل رواتبهم المستحَقّة. لم يحصل إلاّ فعل ثوريّ واحد، يجلب الدمار النهائي واليأس مع الانتقام الرهيب. لطف الله يجسّد، بشخصيته، العمّال جميعهم. كان يُمكن لأيّ منهم أنْ يكونه. وهو، حين انتقم، بدا كأنّه ينتقم للشخصيات الأخرى معه.

يسير “سهل الصمت” بإيقاع بطيء، يُزيد من الإحساس بهول الأوضاع، ويشدّ المُشاهد بحرفيّته وجمال كادراته وشخصياته المُثيرة للفضول، التي لا يقترب منها كثيراً لا بالكاميرا ولا في السرد، كأنّها لا تعنيه حقاً. حتّى الصبي، ابن سارفار، لا نعرف له أباً ولا هوية. كأنّ كلّ ما يعني السرد رسم الأجواء، ووضع الشخصيات كجزءٍ أو عنصر في محيط عام، هو المركز.

أحمد بهرامي ـ الفائز فيلمه هذا بجائزتي أفضل فيلم و”الاتحاد الدولي للنقاد”، في “آفاق”، في الدورة الـ77 (2 ـ 12 سبتمبر/أيلول 2020) لـ”مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي” ـ شهد إغلاق مصنع كهذا في طفولته، وترك فيه أثراً أيقظته مظاهرات عمّال وإضراباتهم في إيران. في “سهل الصمت”، إشارات إلى انتماءات طائفية وقومية لشخصياته، وإلى خلافات مذهبية: “عمر مُقدّس عندهم، كما علي عندنا”، كما في نصيحة أمّ لولدها الشاب، كي لا يتعارك مع زميل، أو “ابتعد عن الكرد يا ولدي”. هذا غير سائد في السينما الإيرانية. أسأل بهرامي عن هذه الإشارات، فيقول إنّه أراد انتقاد هذه النظرة الضيقة، وعدم تغيّر الناس: “الدين والقوميات إحدى مشكلات المنطقة، وإلى الآن لم يتعلّم الناس احترام أنفسهم واختلافاتهم”.

 

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

12 + 7 =

زر الذهاب إلى الأعلى