من الانتعاش إلى الانهيار.. كيف فقدت المنتجات الإيرانية مكانتها الحيوية في السوق العالمية؟

لم تنجح سياسات صنّاع القرار في إيران من تخفيف وطأة الأزمات المتتالية وانتشال البلاد من كبوتها الاقتصادية المتعاظمة، بل زادت تدريجياً من تقلّص دائرة الصادرات الإيرانية.

ميدل ايست نيوز: لم تنجح سياسات صنّاع القرار في إيران من تخفيف وطأة الأزمات المتتالية وانتشال البلاد من كبوتها الاقتصادية المتعاظمة، بل زادت تدريجياً من تقلّص دائرة الصادرات الإيرانية، لا سيما بعد إتاحة المجال للمصدرين المستجدين في فرض قرارات خاطئة في السوق المستهدفة، وإهمال الدبلوماسية الاقتصادية في السياسة الخارجية الإيرانية، وأخيراً والأهم تراكم العقوبات واحدة تلو الأخرى والتي أغلقت بوابات البلاد الاقتصادية وشلّت حركة تصدير بعض السلع الإيرانية.

لم يعد الزبائن من دول الخارج يلهفون لشراء السجاد اليدوي أو الزعفران والفستق والكافيار الإيراني كالسابق، والحال هو نفسه في النفط والغاز الإيراني، فموارد الطاقة هذه بالذات دخلت في ثبات منذ عقد ولم تستيقظ منه بعد. في المقابل، ينشط المنافسون لإيران في الأسواق العالمية بكل ما أوتوا من عزيمة مستغلين حالة الضعف التي تعيشها البلاد.

المنافس الشرس للسجاد الإيراني

يعد السجاد اليدوي من أكثر المنتجات الإيرانية تميزاً ورواجاً، حيث كان له قاعدة جماهيرية خاصة في العالم بحيث هيمنت إيران لفترة طويلة على سوقه وحصدت مليارات الدولار من صادراته. لكن للأسف لم يدم هذا طويلاً، فقد استحوذت الهند على سوق “السجاد اليدوي” الإيراني، واتجه زبائن إيران “للسجاد الآلي” إلى تركيا والمغرب، وبذلك تضاءلت بصمة إيران في هذا السوق بشكل شبه كامل.

وذكر رئيس المركز الوطني للسجاد الإيراني أنه بعد العقوبات، أخذت الهند مكان إيران في السوق العالمية للسجاد اليدوي. وقال إن “إحصائيات تصدير السجاد اليدوي ليست حقيقية بسبب تراجع سعر التصدير الأساسي لدعم المنتجين والمصدرين، فضلا عن وجود اقتصاد خفي في هذا القطاع”.

تهديد أمريكي لسوق الفستق في إيران

وصل عدد زبائن إيران للذهب الأخضر (الفستق) إلى 57 دولة بحلول نهاية 2022 بعد أن كان 72 دولة في عام 2021، الأمر الذي يشير بوضوح إلى أن منافسي إيران يعملون بجد لكسر شوكة إيران في سوق الفستق الحلبي العالمي.

وبحسب الإحصاءات الرسمية التي نشرت العام الماضي، تم تصدير أكثر من 56 ألف طن من الفستق الحلبي إلى 57 دولة مختلفة، حيث واجهت انخفاضاً في الوزن والقيمة مقارنة بعام 2021. وبحسب الإحصائيات الجمركية الإيرانية لآخر 12 شهراً، تم تصدير أكثر من 56 ألفاً و298 طناً من الفستق ولب الفستق إلى 57 دولة مختلفة، بقيمة بلغت 11 تريليون و547 مليار تومان، أي ما يعادل 405 ملايين و44 ألف دولار.

وقال مهدي طبيب زاده، عضو في غرفة التجارة الإيرانية: إذا لم نتمكن من تخطي عقبات سوق الفستق فسوف يستولي المنافسون على سوقنا. فعلى مدى السنوات الماضية، استثمرت أمريكا بشكل كبير في هذه الساحة وأصبحت نشطة للغاية في السوق الأوروبية وحتى السوق الصينية.

بدوره، أفاد حسين رضائي، الأمين العام لجمعية الفستق الإيرانية، في تصريح لوسائل إعلام: كان إنتاجنا للفستق في عام 2015 أكثر من أمريكا، إلا أنها سرعان ما زادت إنتاجها بمرور الوقت لتتجاوز الـ 400 ألف طن سنوياً. (…) تحاول أمريكا الاستحواذ على سوقنا البالغ عمره 100 عام عبر وضع خطط محكمة لزيادة الإنتاج، أما إيران فلم تخطط بشكل جيد وهي على وشك خسارة سوقها.

أرباح الزعفران الإيراني في جيوب إسبانيا وطالبان

تحتل إيران المركز الأول عالمياً في إنتاج الزعفران، حيث يتم إنتاج 90% في المتوسط من هذا التابل في الأراضي الإيرانية. لكن مع هذا، فإن مبيعات المواد الخام وضعف البنية التحتية اللازمة في إيران وضعت إسبانيا في المركز الأول من الصادرات.

وفيما احتلت إيران المركز الأول في إنتاج الزعفران لأكثر من 30 عاما متتالية، أدت الأخطاء الاستراتيجية في العلامات التجارية والتعبئة والمبيعات بالجملة والتهريب عبر أمتعة المسافرين، إلى استحواذ إسبانيا على هذا السوق.

والآن وبعد توالي العقوبات على إيران تربعت أفغانستان على قائمة الدول المصدرة للزعفران. حيث أكد فرشيد منوشهري (أمين المجلس الوطني للزعفران الإيراني)، على هذا، وقال: يغادر هذا المنتج أفغانستان وتقوم طالبان بتصديره إلى دول أخرى تحت اسمها.

إهداء سوق النفط والغاز للمنافسين

ازدهر سوق النفط في إيران على مر عقود حتى بات يعرف بأنه الدرس الأهم في الاقتصاد الإيراني، ولكن شيئًا فشيئًا، مع فرض العقوبات المتتالية على صناعة النفط الإيرانية وإقرار سياسات غريبة من قبل بعض رجال الدولة، لم تخسر إيران دورها المحوري في سوق النفط العالمي فحسب، بل قدمت مركزها العالمي على طبق من ذهب لمنافسيه في “أوبك وأوبك بلس”. وليس غريباً اختفاء وزير النفط الإيراني في اجتماع أوبك بلس الأخير بسبب ما أسماه “الملل”، لأنه ببساطة لم يبق أي شيء تقريباً ليطرحه بين أعضاء هذه المنظمة النفطية.

ورغم أن إيران، بحسب المعطيات والإحصاءات، واجهت انخفاضا كبيرا في صادراتها مقارنة بالأيام التي تلت انتهاء الإعفاء النفطي، إلا أن جودة نفطها كانت دائما محل شك. فإن بيع نحو 90% من النفط الإيراني إلى الصين، باعتبارها المشتري الرئيسي له، بمتوسط ​​خصم 40%، وفق تقديرات مؤشرات تتبع ناقلات النفط العالمي، يظهر فراغ السياسة الصحيحة في مجال دبلوماسية موارد الطاقة.

وبينما تزدهر صناعة النفط في دول الشرق الأوسط العربية مثل السعودية والإمارات والعراق وقطر، وتقوم بتصدير أكبر قدر ممكن من النفط إلى شتى دول العالم وتسعى للتخلص من الوقود الأحفوري من قائمة المصادر الرئيسية للطاقة في العقد المقبل، تعتمد 90% من الكهرباء الإيرانية على الغاز، الذي يشهد انخفاضاً كبيراً هو الآخر.

استيلاء الصين على سوق الكافيار الإيراني

لطالما نال الكافيار الإيراني شهرة واسعة وكان كثيراً ما يعتبر مرآة تعكس اقتصاد إيران، لكن مع انخفاض إنتاج سمك الحفش بنسبة 90% في بحر قزوين (الذي ينتج الكافيار الأكثر شهرة في العالم) حلت دول أخرى محل الكافيار الإيراني في العالم.

وبحسب بلومبرغ، فإن تراجع الأسماك في بحر قزوين أصبح أكثر حدة، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وذلك لأن البلدان الواقعة على طول بحر قزوين لم تتمكن من الحفاظ على هذا النوع من الأسماك وإنتاجه، فقد أدى تصريف مياه الصرف الصحي، وخاصة من الأنهار الكبيرة في روسيا، إلى تفاقم الانخفاض في أعداد سمك الحفش.

أصبحت اليوم الصين منافسًا شرساً للكافيار الإيراني، إذ يسعى هذا المنافس الجديد كي يحل محل الكافيار الإيراني في مطاعم العالم بعلامات تجارية محسوبة وإنتاج مناسب.

وقالت بلومبرغ في تقرير لها: انخفض عدد بيض سمك الحفش الإيراني والروسي، المصنوع من سمك الحفش في بحر قزوين، بشكل كبير بسبب الصيد الجائر.

ماذا عن الصلب؟

أدت الانقطاعات المستمرة للتيار الكهربائي إلى خلق خلل في مراحل إنتاج الصلب في إيران. ورغم أن صناعة الصلب، مثلها في ذلك كمثل العديد من الصناعات المهمة في إيران، تستفيد من الريع الخفي لموارد الطاقة، فقد تضررت بسبب قطع الكهرباء لعدة سنوات لتخسر الأسواق العالمية واحداً تلو الآخر.

ووفقا لتقارير وسائل الإعلام الإيرانية، فيما كان اتجاه نمو إنتاج الصلب في إيران آخذ في الارتفاع، أضفت الانقطاعات للتيار الكهربائي في الصيف ونقص الغاز في الشتاء طابعاً سلبياً على العديد من المنتجين.

تجدر الإشارة إلى أن إيران تخسر ما يقارب ستة مليارات دولار من طاقتها الإنتاجية للصلب سنوياً بسبب انقطاع الكهرباء والغاز في الصيف والشتاء. وبالإضافة إلى هذه المشاكل، فإن إغراق روسيا الأسواق العالمية بالصلب جعل الموقف أكثر صعوبة.

إقرأ أكثر

الصادرات الإيرانية ودورها البارز أمام دوامة العقوبات

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة × 2 =

زر الذهاب إلى الأعلى