من الصحافة الإيرانية: مسرحية روسية متعددة الأوجه في أفغانستان

تسعى روسيا إلى جر قوى إقليمية مثل الصين والهند وتركيا والدول العربية إلى ساحة التنافس على النفوذ في أفغانستان، بما يؤدي إلى تمويل غير مباشر لبقاء طالبان وتقليل اعتمادها على الموارد الغربية.

ميدل ايست نيوز: اتخذت روسيا خطوة جديدة لإعادة رسم النظام الجيوسياسي في المنطقة من خلال اعترافها الرسمي بحركة طالبان. وعلى الرغم من أن هذا الإجراء يبدو ظاهرياً كخطوة نحو تطبيع العلاقات، إلا أنه يخفي في طياته أهدافاً أمنية واستخباراتية واستراتيجية، يمكن فهمها ضمن إطار تنافس متعدد الأطراف مع قوى إقليمية ودولية.

روسيا وطالبان وتحوّل في المقاربة الأمنية

من خلال الاعتراف بطالبان، تسعى موسكو إلى إعادة صياغة نظرتها التقليدية القائمة على مواجهة الإسلام الراديكالي، والتخفيف من صورتها القديمة كقوة غازية. هذا التحول يعكس حاجات الكرملين الاستراتيجية الجديدة في مواجهة الولايات المتحدة، والصين، والهند، وغيرهم من الفاعلين الإقليميين. وفي هذا السياق، تتعامل روسيا مع طالبان من منظور جيوسياسي وليس أيديولوجياً.

سيناريو الانهيار الداخلي لطالبان كأداة استراتيجية روسية

تسعى موسكو من خلال التواصل الرسمي مع طالبان إلى تعميق التناقضات الداخلية داخل الحركة. إذ تنقسم طالبان إلى ثلاث فئات رئيسية: الأوليغارشية المالية، والقيادات الميدانية، والكوادر المقاتلة، وهذه المكونات تختلف أيديولوجياً ومصلحياً. من خلال تغذية هذه الانقسامات، تعمل روسيا على تقويض مركزية الحركة، واستدراج قوى أخرى إلى الساحة الأفغانية. كما أن ارتباط القواعد الشعبية لطالبان بشبكات إرهابية مثل تنظيم داعش يُعتبر عاملاً لزعزعة أمن المنطقة، ما ينسجم مع نهج روسيا القائم على “اللااستقرار المُدار”.

أفغانستان: مستنقع تنافسي للصين والهند وتركيا والدول العربية

تسعى روسيا إلى جر قوى إقليمية مثل الصين والهند وتركيا والدول العربية إلى ساحة التنافس على النفوذ في أفغانستان، بما يؤدي إلى تمويل غير مباشر لبقاء طالبان وتقليل اعتمادها على الموارد الغربية. وفي الوقت نفسه، تحاول موسكو عبر هندسة هذا التنافس خلق فوضى منضبطة تظل هي المتحكم فيها.

تُعد الصين شريكاً ضرورياً لموسكو في هذه المعادلة، لكنها ليست حليفاً استراتيجياً. تنظر روسيا إلى بكين على أنها لاعب يسعى لتحقيق مصالحه، وتحاول مبادلتها معلومات أمنية محدودة مقابل امتيازات اقتصادية واسعة، في تكرار للنموذج الذي اتبعته موسكو خلال الأزمة الأوكرانية حين وفّرت الصين التمويل مقابل الطاقة الروسية.

تعاون ثلاثي بين روسيا والهند والصين

تحاول موسكو إدخال الهند إلى الساحة الأفغانية لا كشريك استراتيجي، بل كعامل توازن أمام النفوذ الصيني. وفي هذا الإطار، قد تجد نيودلهي نفسها مضطرة للتعاون مع الكرملين لمواجهة تهديدات طالبان العابرة للحدود، مقابل الحصول على قنوات رسمية للتواصل مع الحركة. ومن المرجح أن تساهم الهند في تطوير التكنولوجيا العسكرية الروسية مقابل هذه الامتيازات.

تركيا والدول العربية وإعادة إنتاج “الجهاد الأفغاني”

لتحقيق توازن مع تنامي نفوذ الصين والهند، قد تضطر تركيا والدول العربية إلى ضخ استثمارات أمنية ومالية كبيرة في أفغانستان، في مشهد يذكّر بمرحلة “الجهاد الأفغاني” في ثمانينيات القرن الماضي. الفرق هذه المرة أن روسيا هي المستفيد من هذا الصراع، إذ تُدخل أطرافاً كانت يوماً سبباً في هزيمتها إلى ملعبها الخاص.

تفاهم غير معلن بين روسيا وأمريكا ضد الصين؟

رغم المواجهة المفتوحة بين موسكو والغرب، فإن روسيا باتت في موقع “الشريك الاضطراري” للولايات المتحدة في مسألة احتواء الصين. هذا التفاهم غير المعلن، يتشكل في سياق تقاطع المصالح الاستراتيجية للطرفين في مواجهة تمدد بكين داخل أفغانستان. إذ يبدو أن واشنطن وموسكو، رغم اختلاف الدوافع، تتشاركان هدفاً واحداً في هذا الملف.

الخطوط الحمراء الروسية تجاه الصين في أفغانستان

بينما لا تمانع موسكو في وجود استخباراتي واقتصادي محدود للصين داخل أفغانستان، فإنها تعتبر التدخل العسكري المباشر من قبل بكين خطاً أحمر. فشمال أفغانستان، بحكم قربه من آسيا الوسطى وإقليم شينجيانغ الصيني وتمركز الجماعات المتطرفة فيه، يُعد منطقة حساسة للغاية بالنسبة للكرملين. وفي حال أقدمت الصين على خطوات عسكرية أو استخباراتية في هذه المنطقة، قد تلجأ موسكو إلى دعم جماعات مسلحة محلية للحد من نفوذها.

الهدف النهائي لروسيا: تحويل أفغانستان إلى ساحة تنافس متعددة الأقطاب يمكن السيطرة عليها

لا تسعى روسيا إلى تحويل قاعدة باغرام إلى مركز استخباراتي مشترك مع الصين، بل تريد السيطرة عليها لرصد أنشطة الغرب والتحكم بمسارات لعبة النفوذ الإقليمي. الهدف الأساسي يتمثل في الحد من التوسع الصيني المفرط، وتخليص طالبان من الاعتماد على الغرب من خلال إشراك فاعلين إقليميين، وخلق بيئة جيوسياسية آمنة تخدم مصالح روسيا الاقتصادية والطاقة.

خلاصة

لم يكن اعتراف روسيا بحركة طالبان مجرد خطوة دبلوماسية، بل جاء ضمن خطة معقدة لإعادة تشكيل ميزان القوى في أفغانستان، واستغلال الانقسامات والتنافس بين القوى الإقليمية والدولية. تهدف هذه الاستراتيجية إلى احتواء الصين، واستنزاف خصوم موسكو في ساحة مكلفة، وتوسيع النفوذ الروسي على المستويين الاستخباراتي والجيوسياسي.

عبد الناصر نورزاد
أستاذ سابق بجامعة كابول

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوزدبلوماسي إيراني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واحد × ثلاثة =

زر الذهاب إلى الأعلى