هل تعيد حرب إيران إحياء الممر الأفغاني بين الصين وأوروبا؟
لا يمكن بحث أهمية هذا المشروع بمعزل عن التطورات الأخيرة في التجارة العالمية. فقد دفعت الحرب وارتفاع المخاطر على المسارات البحرية الشركات والحكومات إلى تنويع طرق النقل.

ميدل ايست نيوز: أعاد اندلاع الحرب وتصاعد حالة عدم اليقين في مسارات التجارة التقليدية توجيه أنظار الدول نحو ممرات بديلة. في هذا السياق يمكن لأفغانستان أن تتحول من دولة حبيسة إلى حلقة وصل بين إيران والصين. ويطرح إحياء خط سكة حديد خواف–هرات وخطة تمديد هذا المسار من هرات ومزار الشريف وصولًا إلى واخان، تساؤلًا حول ما إذا كانت حرب إيران قد تتيح فرصة لإعادة تعريف دور أفغانستان في خريطة الترانزيت الإقليمية وتشكيل مسار جديد للسكك الحديدية يربط الصين بإيران وأوروبا.
يقول موقع إكوإيران في تقرير، إن الحرب والاضطرابات التي طالت مسارات التجارة العالمية التقليدية أعادت مرة أخرى أهمية الممرات البرية والطرق البديلة إلى صدارة المعادلات الاقتصادية في المنطقة. وفي ظل ارتفاع حالة عدم اليقين في المسارات البحرية وزيادة تكاليف ومدة النقل بالنسبة إلى العديد من الدول، تشهد جغرافيا الترانزيت بدورها إعادة تعريف. وفي هذا السياق، يمكن لأفغانستان أن تتحول من دولة حبيسة إلى حلقة وصل بين اقتصادين مهمين في المنطقة، هما إيران والصين.
لا تُعد فكرة ربط إيران بالصين عبر السكك الحديدية من خلال أفغانستان جديدة، إلا أن التطورات الأخيرة قد تمنحها أهمية جديدة. ويمتد المسار المقترح من الصين إلى أفغانستان ثم إيران، وصولًا إلى تركيا وأوروبا، وفي حال اكتماله سيشكل فرعًا جديدًا من ممر الشرق – الغرب، يمكن أن ينقل جزءًا من حركة التجارة الإقليمية من المسارات التقليدية إلى شبكة السكك الحديدية.
خواف–هرات؛ نقطة انطلاق لمسار أكبر
تتمثل نقطة انطلاق هذا المشروع في خط سكة حديد خواف–هرات. ودخل هذا الخط الخدمة في نوفمبر 2020، وفي يناير 2021 سُلّم الجزء الثالث منه، البالغ طوله 62 كيلومترًا والممتد بين محطتي شمتيغ وروزنك، إلى هيئة السكك الحديدية الحكومية الأفغانية.
ومع التغيرات السياسية في أفغانستان، تعرضت أجزاء من هذا المحور ومحطة روزنك لأضرار وعمليات سرقة، ما أدى إلى عرقلة استكمال الأعمال التنفيذية. ومع ذلك، توصلت إيران وأفغانستان في نوفمبر 2025 إلى اتفاق لإصلاح الأضرار التي لحقت بالمسار، وبعد إجراء الإصلاحات، عادت إعادة تشغيل الخط إلى جدول الأعمال.
ورغم أن أول قطار شحن تركي عبر خط السكك الحديدية الإيراني إلى أفغانستان انطلق في عام 2023، فإن الاهتمام بتطوير خط الاتصال هذا ظل محدودًا منذ ذلك الحين. ويمكن النظر إلى هذه الخطوة باعتبارها أكثر من مجرد عملية نقل تجاري بسيطة، إذ إن تفعيل هذا المسار يمكن أن يشكل الحلقة التشغيلية الأولى في سلسلة تنتهي بربط إيران بالصين عبر أفغانستان.
من هرات إلى واخان؛ طريق الوصول إلى الصين
وبحسب الخطط المطروحة، سيواصل مسار السكك الحديدية طريقه بعد هرات باتجاه مزار الشريف، ثم سيرتبط في نهاية المطاف بإقليم شينجيانغ الصيني عبر منطقة واخان في ولاية بدخشان الأفغانية.
ووصف مسؤولون في السكك الحديدية الإيرانية هذا المشروع بأنه ممر للسكك الحديدية يبلغ طوله نحو ألفي كيلومتر على محور الشرق–الغرب، ويمكن أن يربط الصين بأوروبا عبر أفغانستان وإيران وتركيا.
ومن أبرز مزايا هذا المشروع استخدام خط ذي عرض قياسي، بما قد يتيح حركة القطارات بصورة مباشرة ويخفض مسافة النقل بنحو 50 في المئة.
ومع ذلك، لا يزال هذا المسار يواجه تحديات كبيرة، من بينها مرور خط السكك الحديدية عبر المناطق الجبلية والوعرة في أفغانستان، وارتفاع تكاليف الإنشاء، والقضايا الأمنية، والحاجة إلى استثمارات ضخمة. لكن إعلان بعض الشركات الأفغانية استعدادها للمشاركة في إنشاء المسار، إلى جانب الجهود المبذولة لجذب الاستثمارات الصينية، يشير إلى أن فكرة هذا الممر بدأت تنتقل من مرحلة الطرح إلى الدراسات والمفاوضات التنفيذية.
الحرب تجعل الممرات الجديدة أكثر أهمية
لا يمكن بحث أهمية هذا المشروع بمعزل عن التطورات الأخيرة في التجارة العالمية. فقد دفعت الحرب وارتفاع المخاطر على المسارات البحرية الشركات والحكومات إلى تنويع طرق النقل. بالنسبة إلى إيران، التي يمر جزء كبير من تجارتها الخارجية عبر الموانئ الجنوبية، فإن تطوير المسارات البرية يمكن أن يوفر خيارًا مكملًا في مواجهة الاضطرابات المحتملة.
وفي المقابل، لا يزال جزء كبير من التجارة بين إيران والصين يجري عبر الطرق البحرية. وفي هذه الظروف، يمكن طرح تطوير الربط بالسكك الحديدية بين البلدين عبر أفغانستان باعتباره مسارًا مكملًا، لا يهدف إلى استبدال التجارة البحرية، وإنما إلى تقليل الاعتماد على مسار واحد وزيادة مرونة شبكة التجارة في مواجهة الصدمات الجيوسياسية.
ويمكن اعتبار هذا التحول جزءًا من اتجاه أوسع في التجارة الإقليمية، تسارع بفعل تنامي حالات عدم اليقين الجيوسياسي. فالحرب لا تعطل مسارات التجارة القائمة فحسب، بل تدفع الدول أيضًا إلى إعادة تصميم خريطة التجارة وإنشاء ممرات جديدة وبديلة.
أفغانستان؛ من دولة حبيسة إلى ممر للترانزيت
لا يمثل هذا المشروع بالنسبة إلى أفغانستان مجرد خطة لإنشاء خط للسكك الحديدية. فقد اعتمدت هذه الدولة لسنوات بدرجة كبيرة على دول الجوار في تجارتها الخارجية بسبب عدم امتلاكها منفذًا مباشرًا إلى المياه المفتوحة. ويمكن لربط أفغانستان بشبكة السكك الحديدية الإيرانية أن يربطها بالموانئ الجنوبية الإيرانية، ومنها بالأسواق الدولية.
ومن جهة أخرى، يمكن لوقوع أفغانستان على مسار يربط الصين وإيران أن يوفر لها إيرادات من الترانزيت واستثمارات في البنية التحتية وفرص عمل، وأن يعيدها إلى دور قريب من ذلك الذي أدته في الماضي ضمن طرق التجارة التاريخية في المنطقة، ولا سيما طريق الحرير.
وتشير إحصاءات التجارة أيضًا إلى مؤشرات على تزايد أهمية هذا المسار. فبحسب أحدث الإحصاءات الصادرة عن الجمارك التابعة للجمهورية الإسلامية الإيرانية في عام 2024، قُدرت صادرات إيران إلى أفغانستان بنحو 2.4 مليار دولار، في حين بلغت واردات إيران من أفغانستان نحو 66 مليون دولار فقط. وتشير التقديرات إلى أن حجم التجارة بين البلدين قد يرتفع في السنوات المقبلة إلى 10 مليارات دولار.
في نهاية المطاف، لا يتوقف نجاح ممر الصين–أفغانستان–إيران على عامل واحد. فسلامة المسار، والاستثمارات، واستكمال البنية التحتية للسكك الحديدية في أفغانستان، والتنسيق بين الدول الواقعة على المسار، والأهم من ذلك توفير الثقة لأصحاب البضائع، هي عوامل ستحدد ما إذا كان هذا المسار سيتحول إلى ممر حقيقي أم سيبقى مجرد مشروع على الخريطة.
ومع ذلك، فقد أبرزت الحرب والاضطرابات التي طالت المسارات التقليدية حقيقة جديدة، مفادها أن الدول في التجارة اليوم لا تبحث فقط عن أقصر طريق، وإنما عن مسار قادر على مواصلة حركة التجارة حتى في ظروف الأزمات. ويمكن لأفغانستان، في هذا السياق، أن تكون الحلقة التي تربط إيران بشرق الصين، ومن هناك بشبكة التجارة العالمية.



