من الصحافة الإيرانية: تفعيل “آلية الزناد” والعودة إلى المربع الأول

إن تقييم المسار الإيراني لا يكتمل من دون التطرق إلى الدور الذي لعبه الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، الذي تجاهل قواعد الواقع الدولي ودفع بالملف النووي إلى مواجهة مفتوحة مع مجلس الأمن.

ميدل ايست نيوز: في الوقت الذي ينشغل فيه الناس في أنحاء أخرى من العالم بأخبار خطوبة نجمة موسيقى البوب تايلور سويفت أو موعد إصدار هاتف “آيفون 17″، يجد الإيرانيون أنفسهم في واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخهم المعاصر، مترقبين عودة الخلاف النووي مع الغرب وما قد يرافقه من موجة عقوبات متعددة الأطراف. مصطلح “آلية الزناد” بات العنوان الأبرز هذه الأيام، والإيرانيون يتداولونه كرمز للتدهور المعيشي الذي يثقل حياتهم.

وكتب آرش ملكي، باحث في القانون الدولي، في تقرير نشرته صحيفة هم ميهن، أنه ثمة نقطة مغفلة تثير عادةً سوء الفهم وتشعل موجة جديدة من الانتقادات القاسية بحق الرئيس السابق حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف. فمصطلحات مثل “آلية الزناد” أو “سناب باك” لا وجود لها في نصوص الاتفاق النووي أو القرار 2231. ما يُطبق حالياً هو ما نصت عليه المادتان 36 و37 من الاتفاق، المعروفتان بآلية تسوية النزاعات.

بموجب هذه الآلية، إذا امتنعت إيران عن تنفيذ التزاماتها أو نشأ خلاف بين الأطراف بشأن نصوص الاتفاق، يُرفع الموضوع أولاً إلى لجنة مشتركة مكونة من كبار الدبلوماسيين. وإذا لم تتمكن اللجنة من حل الإشكال خلال 15 يوماً، يُحال إلى وزراء خارجية الدول الموقعة. بعد ذلك، تتولى هيئة استشارية مهمة البت في القضية خلال 15 يوماً وتقديم توصية، ثم يبحثها الوزراء خلال خمسة أيام. وإذا لم يُحسم الخلاف، يُرفع الملف إلى مجلس الأمن الدولي، الذي يملك مهلة 30 يوماً لاتخاذ قرار بشأن استمرار رفع العقوبات أو إعادة تفعيل القرارات الستة السابقة (1696، 1737، 1747، 1803، 1835، 1929).

إذا خلص المجلس إلى أن إيران لم تلتزم بتعهداتها، تدخل آلية “السناب باك” حيز التنفيذ، بما يعني عملياً انهيار العمود الفقري للاتفاق النووي. وقد أُشبعت نصوص الاتفاق والقرار 2231 والتصريحات الدبلوماسية المحيطة به نقاشاً وتحليلاً قانونياً وسياسياً، لكن الأهم اليوم هو البحث في أسباب الوضع الراهن وآفاق المستقبل.

كان إبرام الاتفاق النووي في مجمله خياراً عقلانياً من جانب إيران لمواجهة نزاعاتها مع الغرب. فمنذ فجر التاريخ، لم تُحل النزاعات الدولية إلا بإحدى وسيلتين: إما عبر الغلبة العسكرية والحرب، أو عبر السبل السلمية التي تتطلب أدوات قانونية وسياسية. أما النزاع بين إيران والغرب في العقدين الماضيين لم يكن سوى خلاف دولي حول ما إذا كانت الأنشطة النووية الإيرانية سلمية أم لا. وتقييم المسار الإيراني لا يكتمل من دون التطرق إلى الدور الذي لعبه الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، الذي تجاهل قواعد الواقع الدولي ودفع بالملف إلى مواجهة مفتوحة مع مجلس الأمن، حتى صارت إيران تُصنف تهديداً للسلم والأمن العالميين، وتضررت صورتها الدولية بشدة بعد أزمة احتلال السفارة الأميركية. وبعد ست سنوات من المواجهة العقيمة، غادر أحمدي نجاد السلطة تاركاً خلفه ملفاً أوشك أن يجر البلاد إلى حرب.

رغم كل الانتقادات، كان للاتفاق النووي دور حاسم في خفض التوتر بين إيران والغرب واحتواء أزمة الملف النووي. غير أن التطورات الداخلية في إيران والولايات المتحدة أعادت إشعال الأزمة بعد ثلاث سنوات، لتقوض أهم إنجاز دبلوماسي لإدارة روحاني وتعيد إيران إلى دائرة التهديد للأمن الدولي التي نجحت سابقاً في الخروج منها بعد جولات مضنية من التفاوض.

لكن اليوم إذا مضى مجلس الأمن في خطوته الأخيرة وفعّل آلية الزناد، ستعود العقوبات المتعددة الأطراف لتستهدف المصالح الإيرانية، ما يضع البلاد في وضع شديد الخطورة. خطر لا يقتصر على الاقتصاد وحده، بل يمتد ليطرح تحدياً على شرعية الدولة، ويجعل المصالح الوطنية عرضة للمساومات بين القوى الدولية، فضلاً عن احتمال اندلاع احتجاجات داخلية كما حدث في السابق.

إضافة إلى ذلك، فإن جزءاً كبيراً من العقوبات الأحادية المفروضة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، والتي كانت طهران تعتبرها غير شرعية، سيكتسب غطاءً قانونياً دولياً. كما أن الدعوى المقامة من إيران ضد واشنطن أمام محكمة العدل الدولية بشأن خرق “معاهدة الصداقة لعام 1955” ستتأثر مباشرة بعودة العقوبات الأممية.

في المحصلة، فإن تفعيل آلية الزناد، التب تبدو اليوم أقرب من أي وقت مضى، لا تحمل أي مكسب لإيران. ولذلك، فإن القائمين على الملف في المجلس الأعلى للأمن القومي ووزارة الخارجية مطالبون بعدم إضاعة أي لحظة في السعي لمنع وقوعها، لأن أي تقصير في هذا المجال ستكون كلفته باهظة على البلاد.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واحد × 1 =

زر الذهاب إلى الأعلى