إيران بدأت تفقد ميزة الطاقة الرخيصة كركيزة لتطورها الصناعي
في السنوات الأخيرة، ظهر توجه مختلف يعكس تغيراً تدريجياً في سياسة الطاقة في إيران. فقد شهدت أسعار الكهرباء والغاز للصناعات، خاصة منذ بداية العقد الحالي، ارتفاعاً كبيراً.

ميدل ايست نيوز: كان الاعتماد الواسع على ميزة الطاقة الرخيصة أحد أبرز سمات التطور الصناعي في إيران خلال العقود الماضية. فوجود موارد وفيرة من النفط والغاز وتوافر الكهرباء بتكاليف منخفضة أتاح للصناعات الكبرى، خاصة في مجالات مثل الصلب والبتروكيماويات والأسمنت والألمنيوم، أن تنتج بتكاليف طاقة أقل من منافسيها الخارجيين، ما جعلها قادرة على المنافسة في الأسواق المحلية والدولية. وكانت هذه الميزة، في وقت كانت فيه العديد من الدول الصناعية تعتمد على واردات الطاقة، عاملاً حاسماً لتشكيل صناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة في إيران.
وقال موقع اقتصاد 24، إنه مع ذلك، فإن هذه السياسة القائمة على الطاقة الرخيصة واجهت منذ البداية تحديات جوهرية. أولاً، عدم الاستثمار الكافي في تحسين كفاءة الاستهلاك وتطوير التكنولوجيا، لتظل الصناعات تعتمد على آلات كثيفة الاستهلاك ومنخفضة الكفاءة. ثانياً، أدى الاعتماد المفرط على دعم الطاقة إلى إهمال القطاع الصناعي للابتكار في خفض التكاليف وزيادة الإنتاجية. وبهذه الطريقة، فإن ما كان مفيداً للصناعات على المدى القصير أصبح عقبة أمام التحول الهيكلي والقدرة التنافسية المستدامة على المدى الطويل.
في السنوات الأخيرة، ظهر توجه مختلف يعكس تغيراً تدريجياً في سياسة الطاقة في إيران. فقد شهدت أسعار الكهرباء والغاز للصناعات، خاصة منذ بداية العقد الحالي، ارتفاعاً كبيراً.
وفي هذا السياق، قال سعيد شجاعي، نائب وزير الصناعة والمناجم والتجارة، خلال اجتماع بعنوان «تحليل التكاليف المفروضة على الصناعة نتيجة الكهرباء والغاز» في غرفة تجارة طهران: «ارتفعت تعرفة الكهرباء للصناعات خلال فترة قصيرة بأكثر من 320%، كما ارتفعت أسعار الغاز خلال الأربع سنوات الماضية بنحو 263%. ولم تكن هذه الزيادة مبنية فقط على القرارات الرسمية، بل دفعت الصناعات فعلياً مبالغ أكبر مما هو منصوص عليه في التعاميم، وفي بعض الحالات تجاوزت التكاليف الفعلية 1.4 ضعف التعرفة المعلنة».
وأضاف أن تكلفة الكهرباء للصناعة مقارنة بالقطاع السكني في إيران أعلى منها في العديد من دول المنطقة والعالم، مما يضع عبئاً مالياً إضافياً على القطاع الصناعي، إذ تدفع الصناعات نحو 80% مما تدفعه الولايات المتحدة مقابل الكهرباء.
قيود توفير الطاقة وإهمال تطوير الصناعة
إلى جانب زيادة التعريفات، تواجه الصناعات قيوداً فعلية في توفير الطاقة. فقد أثرت قيود الكهرباء على الصناعات الإيرانية خلال فصلي الصيف والشتاء، كما تسبب تقليل حصة الغاز أو انقطاعه في الشتاء بمشكلات كبيرة للقطاع الصناعي. وأدى ذلك إلى انخفاض الإنتاج وزيادة تكلفة الفرصة وتقليص نمو القطاع الصناعي، إذ كان من المتوقع أن ينمو قطاع الصناعة والتعدين بنسبة 4.5% العام الماضي، بينما تحقق فعلياً 1.6% فقط.
وبالتالي، أصبح الاعتماد التاريخي على الطاقة الرخيصة في تطوير الصناعة الإيرانية غير قابل للعرض كمزية مستدامة. تواجه الصناعات التي استمرت لعقود بدعم من الطاقة الميسورة والموارد الرخيصة، وأخفق معها تطوير الابتكار والتكنولوجيا، تواجه اليوم واقعاً جديداً يتمثل في أن الإنتاج لم يعد أرخص من منافسيه، بل قد يكون أغلى بسبب التضخم وارتفاع أسعار المواد الأولية. وفي هذا السياق، فإن التوقف التدريجي عن سياسة الطاقة الرخيصة سيزيد من تكاليف الإنتاج.
ويحدث هذا التحول بينما يعتمد جزء كبير من الصناعات الإيرانية على تقنيات قديمة وإنتاجية منخفضة، دون تحديث أو تحسين الكفاءة.
فالاعتماد المفرط على ميزة الطاقة الرخيصة منع الدولة من الاستثمار في البنية التحتية الحديثة والبحث والتطوير الصناعي، ولم يتم الأخذ بعين الاعتبار المتطلبات الأساسية للتنمية الصناعية. والآن، مع ارتفاع تكاليف الطاقة وتشديد قيود التوريد، يظهر نقص هذه الإجراءات الأساسية بوضوح أكبر.
يبقى التساؤل حول ما إذا كانت إيران ستواصل الاعتماد على الطاقة الرخيصة كمحور للتنمية الصناعية، أم أنه يجب الانتقال بجدية إلى نهج تنموي جديد. يبدو أن ميزة الطاقة الرخيصة لم تعد فعالة كما في السابق، وأن استمرار هذا المسار لم يعد ممكناً.



