العملات المشفّرة في إيران.. تحديات وتأثيرات على الاقتصاد الوطني
يرى العديد من الخبراء والفاعلين الاقتصاديين أن استخدام العملات الرقمية في التجارة الخارجية، ولا سيما مع الدول التي تقيم علاقات محدودة مع إيران، يشكل فرصة ذهبية.

ميدل ايست نيوز: في عالم الاقتصاد المتقلب اليوم، لم تعد العملات الرقمية مجرد ظاهرة مالية، بل أصبحت رمزاً للتحول الرقمي وللتداول اللامركزي. هذه التكنولوجيا الناشئة التي وُلدت من رحم الأزمة المالية العالمية عام 2008، رفعت شعار الشفافية وإلغاء الوساطة، متحدّية الكثير من المعادلات الاقتصادية التقليدية.
في إيران، ورغم القيود والظروف الاقتصادية المعقدة والحظر الأجنبي، تزايد الاهتمام بهذا السوق يوماً بعد يوم. غير أنّ السؤال الجوهري الذي يطرحه الناشطون في هذا المجال هو كيف يمكن الاستفادة من الإمكانات الهائلة للعملات الرقمية دون أن تُعرَّض الاستقرار المالي والسيادة الوطنية للخطر؟ نتناول هنا في ميدل ايست نيوز القوانين واللوائح المرتبطة بالعملات الرقمية في إيران والتحديات القائمة وتأثيراتها على الاقتصاد الوطني للبلاد.
فراغ قانوني وحالة ارتباك في سوق العملات الرقمية
يواجه سوق العملات الرقمية في إيران فراغاً قانونياً حاداً. فإلى اليوم، لم يتمكن صنّاع القرار والجهات المسؤولة من وضع إطار قانوني شامل وواضح لتنظيم النشاط في هذا الميدان. فالقرار الذي أقرّه مجلس الوزراء عام 2019 بشأن «تعدين» العملات الرقمية تناول جزءاً صغيراً فقط من هذه المنظومة، بينما لا تزال الأنشطة المتعلقة بالشراء والبيع والتخزين واستخدام العملات الرقمية كوسيلة للدفع غارقة في الغموض.
هذا الارتباك القانوني لم يفتح الباب أمام عمليات الاحتيال واستغلال المستثمرين فحسب، بل أدى أيضاً إلى خروج رؤوس أموال ضخمة إيران. فالمستثمرون والعاملون في هذا القطاع يواجهون مخاطر كبيرة بسبب غياب القوانين الداعمة والرقابية، ولا يملكون جهة قانونية محددة للجوء إليها في حال وقوع حالات احتيال أو خسائر. ومن جانب آخر، يتخذ البنك المركزي الإيراني موقفاً حذراً، بل ومقيّداً أحياناً، تجاه العملات الرقمية، بسبب مخاوف تتعلق بغسيل الأموال وتمويل الإرهاب. هذا النهج المتحفظ يأتي في وقت تتجه فيه العديد من الدول نحو تشريعات ذكية تسمح بالاستفادة من مزايا هذه التكنولوجيا الحديثة.
العملات الرقمية والالتفاف على العقوبات
أكثر ما يثير الجدل في إيران هو إمكان استخدام العملات الرقمية المشفرة للالتفاف على العقوبات المالية الدولية. فبفضل طبيعتها اللامركزية واستقلالها عن النظام المصرفي العالمي، يمكن أن تكون وسيلة فعالة لتسهيل المعاملات التجارية وتحويل الأموال. ويرى العديد من الخبراء والفاعلين الاقتصاديين أن استخدام العملات الرقمية في التجارة الخارجية، ولا سيما مع الدول التي تقيم علاقات محدودة مع إيران، يشكل فرصة ذهبية. إذ يمكن أن تسهم هذه الآلية في تقليل الاعتماد على الدولار واليورو وتسهيل الوصول إلى الأسواق العالمية.
إلى جانب ذلك، تشير دراسة حديثة إلى ميزة اقتصادية غير متوقعة لصالح إيران، إذ تُظهر الأرقام تفاوتاً هائلاً في تكلفة تعدين عملة «البيتكوين» حول العالم، يعكس اختلاف أسعار الطاقة والبنى التحتية بين الدول. فوفقاً للتقرير، لا تتجاوز تكلفة تعدين بيتكوين واحد في إيران نحو 1300 دولار، بينما تصل في الولايات المتحدة إلى أكثر من 102 ألف دولار. هذا الفارق الكبير يمنح إيران فرصة استثنائية لتطوير صناعة التعدين الرقمية محلياً والاستفادة من وفرة الطاقة بأسعار منخفضة نسبياً، ما قد يجعلها لاعباً واعداً في هذا المجال إذا ما وُضعت له أطر تنظيمية مدروسة.
لكن هذه الفرصة لا تخلو من المخاطر. فغياب البنية التحتية القانونية والرقابية القوية يجعل استخدام العملات الرقمية في هذا السياق محفوفاً بمخاطر جديدة، أبرزها غسيل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة. كما أن التقلبات الحادة في أسعار العملات الرقمية تشكل خطراً مالياً كبيراً على التجار والمستثمرين. وهنا تبرز أهمية وجود جهاز رقابي ذكي يوازن بين استثمار الفرص وإدارة المخاطر.
التشريع الذكي وتأثيراته المحتملة
يقول الخبراء الإيرانيون إن تحديد الطبيعة القانونية للعملات الرقمية، سواء اعتُبرت أصولاً مالية أو نقوداً أو سلعاً، يمثل المفتاح الأساسي لوضع سياسات مالية وضريبية فعالة في هذا المجال. كما أن إنشاء آليات رقابة شفافة لتسجيل ومتابعة نشاط منصات تداول العملات الرقمية أمر ضروري لمكافحة الاحتيال وغسل الأموال والحفاظ على سلامة السوق.
وإلى جانب ذلك، تُعد صياغة قوانين ضريبية واضحة ومنسقة تُنظّم الأرباح الناتجة عن النشاط في هذا المجال خطوة أساسية لا غنى عنها. أما على المستوى المجتمعي، فالتثقيف العام والتوعية بمخاطر وفرص هذا السوق الحديث أمر بالغ الأهمية لرفع الوعي العام وتمكين رواد الأعمال والمجتمع من التعامل مع الابتكارات المالية الجديدة.
إذا استطاعت إيران أن تضع قانوناً شاملاً واستشرافياً ينظم هذا القطاع، يمكن أن تكون النتائج الاقتصادية إيجابية وملموسة. إذ قد يسهم ذلك في تسهيل التبادل التجاري، وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية في تقنيات البلوك تشين، وخلق فرص عمل جديدة، وتطوير شركات ناشئة في مجال التكنولوجيا المالية. غير أن أي تحرك متسرّع أو متطرف، سواء نحو التشديد المفرط أو نحو الفوضى التنظيمية، قد يؤدي إلى نتائج عكسية ومدمرة.
فرصة أم تهديد للاقتصاد الإيراني؟
العملات الرقمية ظاهرة لا يمكن تجاهلها أو القضاء عليها بسهولة. فهذه التكنولوجيا، رغم ما تنطوي عليه من تحديات ومخاطر، تتيح فرصاً فريدة للدول النامية حتى لا تتخلف عن الركب الرقمي العالمي. وبالنسبة لإيران، التي تواجه عقوبات وضغوطاً اقتصادية، تكتسب هذه الفرصة أهمية خاصة لا يجب الإغفال عنها.
إن صياغة إطار قانوني شفاف ومتوازن وذكي لن يسهم فقط في منع الاستغلال وهروب رؤوس الأموال، بل يمكن أن يتحول إلى أداة قوية لتعزيز النمو الاقتصادي ومواجهة التحديات الراهنة. فالمستقبل أصبح رقمياً، والخيار أمام إيران في ظل العولمة واضح تماماً: إما أن تقف في وجه هذا المد الرقمي، أو أن تعتليه بحكمة وتوجهه نحو صالحها.



