إيران والسعودية: من التنافس إلى الواقعية
تحتاج إيران والمملكة العربية السعودية اليوم إلى دفن ضغائنهما القديمة وألا تضيعا فرصة التقارب الذي تم بوساطة الصين

ميدل ايست نيوز: تحتاج إيران والمملكة العربية السعودية اليوم إلى دفن ضغائنهما القديمة وألا تضيعا فرصة التقارب الذي تم بوساطة الصين، والذي لم يفاجئ العالم فحسب، بل أعاد أيضًا تشكيل الجغرافيا السياسية الإقليمية التي كانت قائمة على الاعتقاد بأن الشيعة والسنة سيستمرون في القتال مثل “القطط والكلاب” في غياب إسرائيل.
لقد خلق هذا التصالح بين البلدين موجة من الأمل في جميع أنحاء المنطقة وبين محبي السلام في العالم أجمع. ومهما كانت دوافع بكين، فقد جمعت بين الخصمين اللدودين بعد عقود من العداء العلني والخفي، وجعلتهما يجلسان وجهًا لوجه لمناقشة خلافاتهما وحلها.
لقد أتاح هذا التقارب للطرفين فرصة نادرة للتوقف، وإعادة بناء الثقة، وتعميق الثقة المتبادلة، كما وفر منصة مشتركة للعمل من أجل السلام والاستقرار، وإنهاء الطائفية، وتسوية الحدود السياسية، والسعي نحو التنويع الاقتصادي لما بعد النفط.
وبما أن كلا البلدين يدّعيان القيادة، فإن على الرياض وطهران أن تعملا معًا. إن التحديات التي تواجههما اليوم مشتركة، وتكلفتها باهظة جدًا بحيث لا يمكن تجاهلها. كلاهما يشتركان في جذور تاريخية وثقافية عميقة يمكن أن تفيدهما إذا تعاونا بدل أن يتنافسا. وحتى لو اتفقا فقط على فكرة “السلام”، فإن ذلك وحده يمكن أن يحقق مكاسب ضخمة على شكل ازدهار واستقرار ورفاه لشعوبهما وللعالم بأسره.
تُعرف إيران بأنها آخر “دولة عظيمة غير متطورة”، بينما تسعى المملكة العربية السعودية إلى تنفيذ بعضٍ من أكثر مشاريع التنويع طموحًا في العالم. يمتلك البلدان موارد هائلة، وبدل إرسالها إلى الخارج، يمكنهما إنشاء منظومة بيئية مشتركة ومفيدة للطرفين للعمل معًا في مشاريع اقتصادية وتجارية واستثمارية وتكنولوجية.
ويمكن بسهولة توسيع هذا النموذج التعاوني ليشمل دولًا أخرى، بما في ذلك مجلس التعاون الخليجي، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي. يجب أن يقوم هذا النموذج على مبدأ التكامل لا التنافس، والتعاون لا الاستغلال، والمنفعة المشتركة لا العزلة.
إن التنافس بين السعودية وإيران لم يضرّ بعضهما البعض فقط، بل ألحق الضرر أيضًا بصورة الإسلام والعالم الإسلامي ككل.
لقد استخدم الطرفان الدين والأيديولوجيا كسلاح لتقسيم المسلمين، وإعادة رسم الحدود، ونشر الشك والكراهية. وبما أن الإسلام دين عالمي، فقد تجاوزت هذه الانقسامات وسوء الفهم الحدود وسمّمت عقول المؤمنين في كل مكان.
لقد حوّل صراعهما الطائفي – الذي يحرّمه الإسلام صراحة – المسلمين ضد بعضهم البعض، وأعطى أعداء الإسلام فرصة لوصفه بأنه دين عنيف ومتطرف.
لقد موّلت الدولتان المدارس الدينية، ودربتا الكوادر، وأنتجتا الأدبيات لتبرير نسختهما السياسية الخاصة من الإسلام.
وبعد عقود من هذا النهج، لم تحققا سوى القليل، باستثناء عالمٍ يسيء فهم الإسلام أكثر من أي وقت مضى.
والمأساة الحقيقية هي أنه في ما يسمى “الحرب على الإرهاب”، قتل المسلمون من بعضهم البعض أكثر مما قتل أي طرفٍ آخر منهم.
بينما يقدم الحكام أنفسهم على أنهم مدافعون عن السلام والإيمان، فإنهم في الواقع عمّقوا الانقسامات. لقد استخدم الملوك والدكتاتوريون ورجال الدين على حد سواء “الإسلام السياسي” للسيطرة على الشعوب، والحفاظ على السلطة، وإسكات المعارضين. وبهذا، دفعوا بالعالم الإسلامي إلى الشك الذاتي والعداء الداخلي — وهو بالضبط ما أراده أعداء الإسلام.
ويبقى السؤال:
لماذا يستمر الحكام والنخب في العالم الإسلامي في إيذاء مجتمعاتهم، بل وحتى دعوة القوى الأجنبية لسحق المطالب المشروعة لشعوبهم؟
الإجابة بسيطة: للبقاء في السلطة والاستمتاع بالثروة والترف.
كيف يمكنهم رأب الخلافات أكثر
لقد تغيّر الزمن. فبعد عقود من الحروب بالوكالة والمواجهات غير المباشرة، يجب على الجانبين أن يدركا أن أياً منهما لا يستطيع تدمير الآخر.
وإذا استمرّا في التنافس وتجاهل الخلافات، فقد لا يحظيان بفرصة أخرى لتصحيح أخطائهما.
كما أن اقتصادهما يتغير. لم تعد خارطة الطاقة العالمية كما كانت من قبل. فالولايات المتحدة، التي كانت تعتمد على الواردات، أصبحت الآن مصدّرًا صافياً للنفط والغاز، وهي تنافس مباشرةً كبار المنتجين مثل السعودية والإمارات وإيران.
وفي عهد الرئيس ترامب، أجبرت واشنطن شركاءها التجاريين على تقليل العجز التجاري من خلال استيراد النفط والغاز الأمريكي، رغم أنه كان أغلى وأقل موثوقية من حيث أمن الطاقة ونقل ناقلات النفط العملاقة (VLCCs).
وقد تعرّضت دول مثل الهند وإندونيسيا واليابان وكوريا الجنوبية وسريلانكا لضغوط لشراء الطاقة الأمريكية، مما قلّص حصة الخليج في السوق.
وفي الوقت نفسه، دفعت العقوبات المفروضة على روسيا موسكو إلى تحويل صادراتها من النفط والغاز نحو آسيا، مما زاد من حدة المنافسة في سوق الطاقة الآسيوية.
ولحماية شحناتها النفطية، قد تزيد الولايات المتحدة من وجودها البحري، مما يرفع خطر التوترات البحرية بين القوى الكبرى.
تقدّم أوروبا درسًا قويًا في هذا السياق. فبعد عقود من الحروب الطائفية الوحشية بين الكاثوليك والبروتستانت والكالفينيين – بما في ذلك حرب الثلاثين عامًا التي شهدت حتى أعمال أكل لحوم البشر – أدرك الأوروبيون أنه لا يمكن لأي طرف أن ينتصر.
وفي النهاية، وقعوا معاهدة وستفاليا عام 1648، التي جلبت السلام والتسامح واحترام سيادة الدولة، منهية قرونًا من إراقة الدماء، وممهّدة الطريق للتعايش السلمي في أوروبا.
اليوم، يحتاج الشرق الأوسط إلى الحكمة نفسها. يجب على السعودية وإيران والدول الإقليمية الأخرى أن تجلس معًا لتشكيل هيئة جامعة تتولى معالجة الخلافات السياسية والطائفية والأيديولوجية، وتقليل التوترات، وإنهاء الانقسامات إلى الأبد.
ما المطلوب منهم فعله الآن
هذه لحظة حاسمة في التاريخ. فالمنطقة تواجه اتجاهين متناقضين يسيران بالتوازي: الأول هو “الظروف الصعبة على جميع الجبهات”، والثاني هو “الجلوس على كومة من الموارد الاقتصادية والمعدنية والمالية الهائلة.” وللاستفادة من هذه الموارد، يجب على الدول تقليل التحديات والتغلب على العوامل السلبية. الناس يعرفون كيف يتعاملون مع هذه التناقضات — من خلال تعزيز الثقة، ودمج الموارد، وخلق نظامٍ متكامل يحقق مكاسب متبادلة للمنطقة وما وراءها. وما هو مطلوب الآن هو التزام سياسي وأخلاقي قوي بالتحرك الفعلي.
ومن بين الخطوات المقترحة:
1. بناء الوحدة والثقة
يجب عليهم تطوير الوحدة والثقة على المستويات الاقتصادية والسياسية والدفاعية والأمنية والاستخباراتية. تحتاج السعودية وإيران إلى العمل على ثلاث جبهات: ثنائية، إقليمية، وخارجية.
أ. المستوى الثنائي
يجب عليهما الجلوس معًا ومعالجة المنافع المتبادلة والخلافات. والأهم من ذلك، يجب أن يرسلا رسالة واضحة للمصالحة، كما فعلا في بكين. سيعزز ذلك مصداقيتهما ويجعل التعاون الإقليمي أكثر سهولة.
ب. المستوى الإقليمي
يجب على الطرفين تطوير سياسة مشتركة للتعامل مع الأصدقاء والخصوم. عليهما الاعتراف بأن الدين والأيديولوجيا استُخدما لأغراض سياسية.
إن تبني نهج إقليمي شامل أمر ضروري لمعالجة مظالم الفئات المهمشة.
وينبغي تشكيل لجنة تمثيلية لوضع خطة زمنية تركز على الإسكان والصحة والبنية التحتية والتوظيف — وكلها دُمّرت بسبب الحروب الطويلة.
ج. المستوى خارج الإقليم
يجب على الطرفين توضيح سياساتهما تجاه القوى الكبرى.
عليهما منع القوى الخارجية من تحويل المنطقة إلى ساحة صراع، وبناء شبكة أمنية واستخباراتية مشتركة بدلًا من ذلك.
يمكن أن يكون التعاون الذي شوهد بين وكالات الاستخبارات خلال حرب إسرائيل–غزة نموذجًا يحتذى به.
2. إدارة الحروب بالوكالة والحروب التكنولوجية
نحن في عصر الطائرات المسيرة والحروب بالوكالة. السيطرة على الوكلاء صعبة لأنهم غالبًا ما يتصرفون بشكل مستقل أو يخدمون أجندات خارجية. ومع ذلك، يمكن تقليل المشكلة من خلال الثقة العامة والتنسيق الوثيق بين أجهزة الدفاع والأمن والاستخبارات.
3. تنظيم بيانات الاتصالات
يجب عليهم تبني سياسة مشتركة بشأن شركات الاتصالات المحلية والأجنبية.
فهذه الشركات كثيرًا ما تسرب بيانات المستخدمين، مما يمكّن من تنفيذ عمليات اغتيال مستهدفة.
وخلال حرب غزة، حدثت عدة اختراقات من هذا النوع رغم ادعاءات التشفير التام بين الأطراف.
4. إبرام اتفاقيات دفاع
يجب توقيع اتفاقيات دفاع وأمن بشكل ثنائي وإقليمي ومع الشركاء الخارجيين مثل الولايات المتحدة، مع ضمان الشفافية لتجنب انعدام الثقة.
يمكن لمجموعات دفاعية أصغر – مثل جامعة الدول العربية، وآسيا الوسطى، أو جنوب شرق آسيا – أن تركز على القضايا الأمنية المحلية، والبحث والتطوير المشترك، والتدريب، والابتكار.
ويجب أن تظل القوة العسكرية الخيار الأخير، وأن تقود الدبلوماسية والحوار الطريق.
5. بناء نظام اقتصادي مشترك
يمكن للرياض وطهران قيادة شبكة اقتصادية تضم 57 دولة لتنسيق الرؤى الوطنية، وفتح الأسواق، وتعزيز اقتصاد تقوده دول الخليج ويصب في مصلحة الدول الإسلامية.
يجب على الدول الغنية أن تستثمر في الصناعات داخل البلدان الغنية بالموارد، لا أن تكتفي باستخراج المعادن منها.
سيساعد ذلك على خلق وظائف محلية، وتقليل التكاليف، وبناء حسن النية.
6. إنشاء شبكة اجتماعية ودينية
إلى جانب الدفاع والاقتصاد، هناك حاجة إلى شبكة اجتماعية–دينية أوسع — مثل مجلس شورى — مستقل وشامل.
لقد فشلت منظمة التعاون الإسلامي في أداء هذا الدور.
ويمكن لشبكة جديدة من المجموعات الصغيرة المتخصصة في القضايا المحلية أن تعمل بفعالية أكبر وتعالج المشكلات دون هيمنة الدول الكبرى.
الطريق إلى الأمام
- إضفاء الطابع المؤسسي على التعاون السعودي–الإيراني على المستويات الثنائية والإقليمية والدولية.
- تشكيل لجنة إقليمية شاملة لإعادة الإعمار والتعافي الإنساني.
- تطوير إطارٍ مشترك لتبادل المعلومات الاستخباراتية على غرار تحالف “العيون الخمس”.
- ضمان الشفافية في جميع الاتفاقيات الدفاعية والأمنية.
- إبرام اتفاق مع شركات الاتصالات بشأن أمن البيانات والمساءلة عن إساءة استخدامها.
- إنشاء شبكة اقتصادية تضم 57 دولة لتوحيد النمو والتجارة، مدعومة بمجموعات اقتصادية محلية تتعاون مع الهيكل الأكبر.
- تأسيس هيئة شورى اجتماعية ودينية استشارية ذات تمثيل واسع من المنظمات غير الحكومية والقادة المحليين.
- تعزيز الالتزام السياسي والأخلاقي من جميع الفاعلين الإقليميين لاستبدال الصراع بالتعاون وتقليل هيمنة الدول الكبرى من خلال التوافق المشترك والتمثيل المتساوي لجميع الطوائف الرئيسية.
إنّ العالم بأسره — وليس المنطقة وحدها ولا الملياري مسلم فقط — يحتاج إلى استراحة من هذه الصراعات التي لا تنتهي، والمُرهقة بلا طائل.
Zakir Hussain



