إيران… مشروع نقل مياه الجنوب إلى وسط البلاد يعود إلى الواجهة رغم انتقادات واسعة
بينما بلغت أزمة المياه في طهران ذروتها، أعاد طرح مشروع نقل المياه من الخليج إلى الهضبة الوسطى في إيران، وخاصة إلى العاصمة، إثارة موجة جديدة من ردود الفعل بين الناشطين البيئيين والخبراء الاقتصاديين.

ميدل ايست نيوز: بينما بلغت أزمة المياه في طهران ذروتها، أعاد طرح مشروع نقل المياه من الخليج إلى الهضبة الوسطى في إيران، وخاصة إلى العاصمة، إثارة موجة جديدة من ردود الفعل بين الناشطين البيئيين والخبراء الاقتصاديين. وقد طُرح هذا المشروع مجدداً كأحد خيارات تأمين مصادر مائية مستدامة لطهران، رغم أن المتخصصين انتقدوه مراراً بسبب تكلفته الباهظة، وتبعاته المناخية، وتعقيداته الفنية.
وأقر عباس علي آبادي، وزير الطاقة الإيراني، يوم السبت 15 نوفمبر أن تنفيذ مثل هذا المشروع «غير مجدٍ اقتصادياً على الإطلاق»، لكنه شدد رغم ذلك على أن الظروف «الحرجة» لأزمة المياه في طهران تتطلب «دراسة جميع الأساليب الممكنة»، بشرط أن تكون ذات جدوى اقتصادية.
وأشار وزير الطاقة إلى برامج واسعة لدى الوزارة لتطوير محطات تحلية كبرى في مدن تشابهار وبندرعباس ومحافظة خوزستان، موضحاً أنه إذا تم تأمين مصادر المياه في الجنوب عبر التحلية، يمكن تخصيص المياه المتاحة في المناطق العليا لتعويض النقص الحاد في مياه العاصمة.
هذه التصريحات أعادت مشروع نقل مياه الخليج إلى واجهة النقاشات الفنية والبيئية؛ وهو مشروع طُرح أول مرة تحت اسم «إيران رود»، وكان يفترض أن ينقل المياه من الخليج عبر ممر مائي صناعي إلى بحر قزوين. مشروع رآه كثير من المختصين منذ البداية مستحيلاً من الناحية العملية، مكلفاً للغاية، ويفتقر إلى الأساس العلمي.
الأزمات البيئية؛ من عملية التحلية إلى تهديد النظم البيئية
يعتبر منتقدو المشروع أن نقل مياه الخليج إلى طهران غير اقتصادي ويهدد البيئة. وتشير التقارير الفنية إلى أن هذا المشروع يتطلب إنشاء مجموعة واسعة من منشآت التحلية، وخطوط أنابيب طويلة، ومحطات ضخ ضخمة، وبُنى تحتية للنقل؛ وهي شبكة ستُكبد البلاد عشرات المليارات من الدولارات إلى جانب استهلاك هائل للطاقة.
وكان الناشط البيئي محمد درويش قد حذر عام 2022 من أن مثل هذه المشاريع، نظراً لاعتمادها الكبير على محطات الطاقة الحرارية، تزيد من انبعاثات الغازات الدفيئة. وقال إن عمليات تحلية المياه كثيفة الطاقة تسرّع من ظاهرة «الاحترار العالمي» في إيران، ما يجعل المشروع متعارضاً مع أهداف التكيف المناخي.
كما يشير خبراء البيئة إلى أن المسار المقترح لنقل المياه، الذي يمر عبر مراعي ومناطق غابات وموائل طبيعية وبيئات حساسة، يمثل تحدياً آخر. فمرور خط النقل عبر هذه المناطق يرفع خطر التدمير البيئي وتفكك النظم الحيوية وفقدان الموائل وتراجع التنوع البيولوجي.
وإلى جانب الاعتبارات البيئية، تُعد كلفة المياه المنتَجة محوراً لانتقادات جدية. إذ قال رئيس مجلس إدارة صناعة المياه في إيران: «كل 400 كيلومتر من نقل المياه تكلف دولاراً واحداً عن كل متر مكعب، والمسافة بين طهران وبحر عُمان تقارب 1400 كيلومتر. وعندما يصل سعر المتر المكعب إلى 5 أو 6 دولارات، فكيف يمكن بيعه للمواطن بسعر 5 دولارات؟».
وتُظهر الدراسات أن تحلية ونقل ملياري متر مكعب من المياه إلى وسط وشرق الهضبة الإيرانية يكلف مليارات الدولارات، في حين يبلغ حجم السحب السنوي للمياه في إيران نحو 100 مليار متر مكعب. وهذا يعني أن الدولة، رغم التكلفة الباهظة، ستضيف ملياري متر مكعب فقط إلى 100 مليار متر مكعب تُهدر نسبة كبيرة منها فعلياً.
وبحسب الدراسات ذاتها، يمكن بهذه التكلفة إنشاء نحو 100 ألف هكتار من البيوت الزراعية الحديثة جداً، وهي مساحة قادرة على إنتاج 20 إلى 30 مليون طن من المنتجات الزراعية باستهلاك يتراوح بين 150 و300 مليون متر مكعب من المياه؛ أي ما يعادل ربع الإنتاج الزراعي الحالي في إيران.
وتُظهر مراجعة سجل مشاريع نقل المياه بين الأحواض في إيران أن كثيراً منها لم يحلّ أزمة المياه، بل تحول إلى مصدر لأزمات جديدة. ومن بين الأمثلة المعروفة: نقل مياه بحر قزوين إلى سمنان، ومشاريع نقل مياه زاینده رود إلى يزد وأصفهان، ومشروع نقل مياه دز إلى قم (مشروع قم رود)، كلها واجهت انتقادات بيئية واجتماعية واقتصادية واسعة.
وفي عام 2023، أعلن مسؤولون في حكومة إبراهيم رئيسي أن خمس «مشاريع عملاقة» لنقل المياه البحرية قيد التنفيذ لتأمين احتياجات مناطق مختلفة، وأنه يفترض نقل نحو مليار متر مكعب من المياه قبل نهاية ولاية الحكومة الثالثة عشرة. ومع رحيل الحكومة دون استكمال هذه المشاريع، لا يُعرف حتى الآن مدى تقدمها في حكومة بزشكيان، كما لا تزال كلفة المنشآت غير المكتملة غائبة عن الإعلام.



