الصحافة الإيرانية: إيران وباكستان.. من العصر الذهبي إلى سحابة انعدام الثقة المظلمة
حسن الجوار والإرث الثقافي المشترك أدخلا العلاقات الثنائية بين إيران وباكستان منذ قيام الأخيرة مرحلة ذهبية؛ إذ كانت إيران أول دولة تعترف بباكستان الفتية، وقدّمت لها الدعم اللازم بلا تردد.
ميدل ايست نيوز: حسن الجوار والإرث الثقافي المشترك أدخلا العلاقات الثنائية بين إيران وباكستان منذ قيام الأخيرة مرحلة ذهبية؛ إذ كانت إيران أول دولة تعترف بباكستان الفتية، وقدّمت لها الدعم اللازم بلا تردد. وإيران هي الدولة الوحيدة التي تمتلك في باكستان، إلى جانب سفارتها في العاصمة، قنصليات عامة في الولايات الأربع كافة، إضافة إلى سبعة دور ثقافية في سبع مدن كبرى. وفي تلك الحقبة الذهبية، كانت السيدة ناهيد إسكندر ميرزا ونصرت بوتو في فترتين مختلفتين سيدتي باكستان الأوليين، كما بلغت العلاقات العسكرية والأمنية بين البلدين مستوى متميزاً. إلى جانب العلاقات الثنائية المتينة، ساد بين الجانبين تنسيق وتعاون واسع على المستوى الإقليمي والدولي، تجلّى في المشاركة المشتركة بمنظمة التنمية الاقتصادية الإقليمية (RCD) ومنظمة الحلف المركزي (CENTO)، اللتين كانتا تمثلان حلقة في السلسلة الغربية لمحاصرة الاتحاد السوفياتي. ولا يزال قدامى المحاربين وكبار السن في باكستان يستذكرون تلك المرحلة الذهبية، ويتحدثون بامتنان عن كون إيران أول دولة منحت الاعتراف الدبلوماسي، وكذلك عن سماحها للطائرات العسكرية الباكستانية بالتزود بالوقود واللجوء إليها خلال حرب الهند–باكستان عام 1971، وقد حرصوا لاحقاً على ردّ هذا الجميل خلال الحرب العراقية–الإيرانية.
وقال محمد حسين بني أسدي، دبلوماسي إيراني سابق في باكستان، في مقال على موقع دبلوماسي إيراني، غير أنّ حدثين كبيرين في المنطقة، هما الغزو السوفياتي لأفغانستان وانتصار الثورة الإسلامية في إيران، خلّفا أثراً بالغاً على علاقات إيران الإقليمية والدولية، ولم تكن العلاقات مع باكستان بمنأى عن تداعياتهما. فقد أثّرت مواقف وشعارات بعض التيارات داخل إيران، وظهور جماعات متشددة في باكستان، وتدخلات دول إقليمية، وتحولات في التوجهات العالمية، في مسار العلاقات، ما أدى إلى بروز تحديات أفضت في النهاية إلى دخول البلدين في حقبة من انعدام الثقة.
وساهم وقوع عمليات اغتيال عدة، بينها اغتيال مسؤول دور الثقافة الإيرانية في لاهور وملتان، إضافة إلى قتل عدد من الطلاب العسكريين والمهندسين الإيرانيين في باكستان، وكذلك تسلل جماعات إرهابية عبر الحدود الشرقية لإيران واغتيال أفراد من قواتها الحدودية، في تعميق هذه الهوة. وفي مرحلة لاحقة، أوصل تبادل الضربات الصاروخية بين البلدين العام الماضي منحنى انعدام الثقة إلى ذروته. كما أسهم التزام باكستان الصارم بالعقوبات الأميركية على إيران، ووقف شراء النفط الإيراني، وتعثر مشروع خط أنابيب الغاز، وتراجع المبادلات التجارية، في زيادة التوتر. منذ استقلالها، كانت باكستان تنظر إلى حدودها مع إيران بوصفها حدود سلام، ما أتاح لها تركيز قواتها على الحدود مع الهند، ولذلك شكّل تدهور الأمن على الحدود الإيرانية–الباكستانية مفاجأة غير متوقعة لها.
ورغم بروز حالة من عدم الثقة، فإنّ الروابط التاريخية والثقافية وحسن الجوار دفعت الحكومة والجيش في باكستان إلى بذل جهود حثيثة للسيطرة على الوضع القائم ومنع تفاقم التوتر، وهو ما انعكس في الزيارات المتبادلة رفيعة المستوى بين مسؤولي البلدين. لكن لا ينبغي الاكتفاء بهذه الزيارات، بل يجب توظيفها في تشخيص مكامن الخلل والعمل على تقليص فجوة انعدام الثقة. إذ إن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى تضييق نافذة التعاون تدريجياً. وباستثناء الجماعات المتشددة المتأثرة بالتيارات الوهابية والمعادية لإيران، يبدي الشارع الباكستاني تعاطفاً ووداً استثنائيين تجاه إيران، وهو ما يشكل رصيداً مهماً في العلاقات الثنائية، وتعترف به السلطات المدنية والعسكرية الباكستانية ولا يمكن تجاهله في حساباتها.
ولا شك في أنّ لباكستان بأوضاعها الداخلية أهمية استراتيجية لإيران، وأن أي تطور فيها يترك أثراً مباشراً على وحدة إيران الوطنية وأمنها القومي. ومن هذا المنظور، تبدو اللقاءات المتبادلة بين كبار المسؤولين مبرّرة وجديرة بالاهتمام، لكنّها إن جاءت بلا تخطيط واضح، ولم تكن جزءاً من برنامج ممنهج أو خارطة طريق، فلن تسهم في معالجة التحديات. وقد شهد العام الحالي زيارات عدة لمسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى إلى باكستان، بينهم رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان ووزير الخارجية وأمين مجلس الأمن القومي، مقابل زيارات مشابهة من مسؤولين باكستانيين إلى إيران. إذا كانت هذه الزيارات جزءاً من خطة واضحة، فمن المفترض أن تظهر نتائجها في مسار العلاقات، وإلا فإنها لن تتعدى كونها خطوات للاستهلاك الداخلي.
وتقتضي المصالح الوطنية لإيران استثمار الروابط التاريخية والثقافية وحسن الجوار في تعزيز ركائز التعاون الاقتصادي، ووضع خارطة طريق واضحة تخضع للمتابعة داخل مؤسسات وزارة الخارجية والهيئات الاقتصادية، ولا سيما القطاع الخاص، على أن تكون خاضعة أيضاً لإشراف المؤسسات العليا. وعلى الرغم من أن العودة إلى العصر الذهبي للعلاقات قد لا تكون ممكنة، فإن صون العلاقات القائمة وتقليص منسوب انعدام الثقة يظلان خطوة إيجابية في خدمة المصالح الوطنية.



