سهند 2025: أول مناورة دولية كبرى في إيران بعد الثورة.. رسائل استراتيجية من تبريز إلى الناتو والقوقاز

إنها المرة الأولى بعد الثورة الإسلامية في إيران التي تُقام فيها مناورة بهذا المستوى الدولي داخل الأراضي الإيرانية.

ميدل ايست نيوز: أُقيمت المناورة المشتركة لمكافحة الإرهاب للدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون تحت عنوان «المناورة المشتركة لمكافحة الإرهاب سهند 2025» بمشاركة عشر دول هي: إيران، روسيا، الصين، الهند، بيلاروسيا، باكستان، كازاخستان، قيرغيزستان، أوزبكستان، وطاجيكستان، واستضافتها قوة برية الحرس الثوري الإيراني لمدة 5 أيام اعتبارًا من 10 ديسمبر (آذر) في منطقة العمليات التابعة للواء الميكانيكي الإمام المهدي بمدينة شبستر في محافظة أذربيجان الشرقية (شمال غرب إيران)، تحت شعار «جهد شامل لمواجهة الإرهاب». وحضرت كل من المملكة العربية السعودية وجمهورية أذربيجان والعراق كضيوف، إضافة إلى 20 مسؤولًا أمنيًا و60 قائد أركان و40 قائد وحدات عملياتية من الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي.

وكتب المحلل السياسي الإيراني أحمد كاظمي في مقال رأي بموقع “دبلوماسي إيراني” نظراً لمشاركة دول مختلفة في المناورة المشتركة لمكافحة الإرهاب «سهند 2025»، يمكن اعتبارها مناورة دولية كبرى، وهذا الأمر يضاعف أهميتها، لأنها المرة الأولى بعد الثورة الإسلامية في إيران التي تُقام فيها مناورة بهذا المستوى الدولي داخل الأراضي الإيرانية. إن إقامة المناورة المشتركة لمكافحة الإرهاب «سهند 2025» بعد الحرب الفرضية التي استمرت 12 يومًا، وبالنظر إلى التطورات الإقليمية والدولية الحالية، يمكن تقييمها من عدة جوانب:

أولاً: تقوم اللجنة المعنية بمكافحة الإرهاب في منظمة شنغهاي للتعاون – وهي منظمة تتمثل وظيفتها العسكرية في مواجهة توسع الناتو نحو المنطقة – بتنظيم مناورة مشتركة سنوية لمكافحة الإرهاب في إحدى الدول الأعضاء. ورغم أن تنظيم هذه المناورة كرابع مناورة لمكافحة الإرهاب ضمن إطار شنغهاي بالقرب من تبريز كان مُخططًا له منذ عام 1403 هـ ش، فإن تنفيذها بعد الحرب العدوانية والإرهابية التي استمرت 12 يومًا، وبخاصة تصميم عمليات المناورة بما يتناسب مع أحدث أشكال التهديدات، بما في ذلك تحديث المنطقة العامة للمناورة وبناء بنى تحتية متطورة فيها، يدل على اهتمام طهران الجاد بصياغة تحالفات إقليمية جديدة بهدف تشكيل نظام عالمي جديد. وهذا الأمر يُظهر نوعًا من التحول في العقيدة العسكرية والأمنية الإيرانية مقارنة بالماضي، حيث كانت تسعى دائمًا إلى تجنب الانضمام المباشر إلى التحالفات العسكرية؛ وهو تحول يكمل التغييرات الأخرى في العقيدة العسكرية والأمنية لطهران بعد الحرب التي استمرت 12 يومًا والاعتداءات الأمريكية والإسرائيلية على المنشآت المدنية والنووية الإيرانية. ورغم أن إيران أجرت مع روسيا والصين أربع مناورات بحرية سابقة في بحر عُمان والخليج الفارسي، فإن طبيعة «المناورة المشتركة لمكافحة الإرهاب سهند-2025» بالتزامن مع التلميحات إلى عقود عسكرية وتسليحية، تُظهر رفع مستوى التعاون العسكري والأمني بين هذه الدول.

ثانياً: اختيار منطقة شبستر القريبة من تبريز كمركز لإقامة هذه المناورة يحمل رسائل استراتيجية. خلال الحرب الفرضية التي استمرت 12 يومًا، كانت تبريز إحدى النقاط التي تعرضت لأكبر هجمات الكيان الإسرائيلي على مناطقها المختلفة. التعاون الخبيث لباکو مع الكيان الإسرائيلي في الحرب العدوانية التي استمرت 12 يومًا، وبخاصة توفير القدرة لإقلاع وهبوط الطائرات المسيرة والمقاتلات (وقد تم توضيح أبعاده في تحليلات سابقة)، إضافة إلى دعم قواعد كوره‌جيك وإنجرليك الأمريكية والناتوية في تركيا لهذه الهجمات بمساندة عملية من أنقرة، جعل تبريز البطلة هدفًا لأعنف الهجمات من الكيان الإسرائيلي القاتل للأطفال. فضلاً عن الموقع العسكري الاستراتيجي لتبريز في رصد مختلف الطائرات العسكرية والمواجهة الصاروخية مع الكيان الإسرائيلي، وامتلاكها ميزة المسافة والوقت الأقل في هذه المواجهة مقارنة بالمناطق الأخرى، فإن تبريز مركز مواجهة الفتن الجيوسياسية في القوقاز وتوسع الناتو نحو المنطقة. وبالتالي فإن إقامة المناورة بالقرب من تبريز تعني عزم الدول المتحالفة على تعزيز موقع هذه المدينة لمواجهة الجبهة الأنجلو-ساكسونية.

ثالثاً: كان أحد أهداف الهجمات الواسعة على تبريز ومناطق الشمال الغربي خلال الحرب العدوانية للكيان الإسرائيلي تدمير القدرات العسكرية الإيرانية في الشمال الغربي لمنع أي رد فعل عسكري فعال تجاه متابعة مشروع ممر زانجزور المزيف من قبل باكو وأنقرة. المناورات التي نفذها الحرس الثوري والجيش منذ عام 1400 هـ ش ردًا على محاولات باكو وأنقرة لإحداث تغييرات جيوسياسية على حدود إيران بحجة ممر زانجزور المزيف، وفق توجيهات القائد الأعلى، حملت رسالة واضحة لباكو وأنقرة اللتين كانتا تعلنان صراحة أن إيران هي العائق الوحيد أمام ممر زانجزور المزيف. خلال الحرب العدوانية التي استمرت 12 يومًا، قدمت بعض الدول الذئبية التي كانت تحلم بتقسيم إيران وتلقت وعودًا إقليمية من إسرائيل أقصى تعاون مع العدو لإغراق المدنيين في تبريز بالدماء وتوجيه ضربات للبنى التحتية. بعض الدول التي تتصرف كالحرباء تنكر أصول بدو أجدادها وتختلس مفاخر إيران التاريخية لصناعة هوية لنفسها، تتمنى أن تزول إيران كعائق أمام صناعة تاريخها المزيف، وكانت تنظر إلى الحرب التي استمرت 12 يومًا من هذا المنظور. ليس صدفة أن طرح مسار ترامب للسلام والأمن الدوليين (ممر زانجزور المزيف) جاء بعد فترة قصيرة من الحرب التي استمرت 12 يومًا. إن إقامة «المناورة المشتركة لمكافحة الإرهاب سهند-2025» بالقرب من تبريز بذخائر متطورة وعمليات مسيّرة وحرب إلكترونية أظهرت أن الشمال الغربي بمركزية تبريز لا يزال جاهزًا لمواجهة الفتن الجيوسياسية والإرهابية والعسكرية، ويحظى في هذا المسار بدعم الدول المتحالفة مثل روسيا والصين والهند.

رابعاً: بحسب تصريحات المسؤولين الإيرانيين، وكذلك اعتراف «سيرغي كيساني» ممثل اللجنة التنفيذية لمكافحة الإرهاب في منظمة شنغهاي للتعاون، و«بياو يانغفان» نائب المدير العام للمنظمة، فقد رحبت جميع الدول الأعضاء في شنغهاي (روسيا، الصين، الهند، بيلاروسيا، باكستان، كازاخستان، قيرغيزستان، أوزبكستان، طاجيكستان) بنشاط وبكل رغبة باقتراح إيران لإقامة «المناورة المشتركة لمكافحة الإرهاب سهند-2025» وشاركت فيها، وهذا يعطيها أهمية خاصة مقارنة بالمناورات السابقة المشتركة لمكافحة الإرهاب ضمن إطار شنغهاي.

إن وجود كل دولة من هذه الدول في «المناورة المشتركة لمكافحة الإرهاب سهند-2025» يحمل رسائل استراتيجية محددة يمكن تفسيرها على حدة:

1. مشاركة روسيا والصين كعضوين في مجلس الأمن في هذه المناورة، خاصة بعد تفعيل آلية «السناب باك» بشكل غير قانوني، والاحتجاجات القانونية والسياسية المتكررة لهاتين الدولتين في الأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومحاولات الولايات المتحدة وحلفائها تصنيف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية، تدل على استمرار نهجهما في دعم إيران والتعاون العسكري معها في إطار تعزيز النظام متعدد الأقطاب. الدول الثلاث تواجه تهديدات مشتركة ناتجة عن فتن جيوسياسية و«بان تورانية» من الجبهة الأنجلو-ساكسونية والناتو لإحداث تغييرات جذرية في معادلات أوراسيا وجانبي بحر قزوين في سياق الانتقال إلى نظام عالمي وإقليمي جديد. التغييرات الجذرية في معادلات الطاقة والترانزيت عبر ممر زانجزور المزيف أو مسار ترامب، وتوسع الناتو شرقًا، تخلق تهديدات مشتركة ضد إيران وروسيا والصين. فتنة «البان تورانية» البريطانية تمثل نفس الخطر على إيران في تبريز وأردبيل كما في داغستان والشيشان بالنسبة لروسيا، وفي سنجان وأورومتشي بالنسبة للصين؛ لذا فالمصالح المشتركة تدفع نحو تعزيز التعاون الاستراتيجي، و«المناورة سهند-2025» نموذج لذلك.

2. مشاركة الهند في «المناورة سهند-2025» تُظهر بوضوح العلاقة بين إقامة المناورة في شمال غرب إيران والأمن المستدام للممرات الترانزيتية والطاقوية الإقليمية والدولية. الهند من مؤسسي الممر الشمال-الجنوب الذي يربطها من الخليج الفارسي بإيران والقوقاز وبحر قزوين وآسيا الوسطى وروسيا والبحر الأسود. ممر زانجزور المزيف لا يهدد فقط مبادرة الحزام والطريق الصينية، بل يشكل مخاطر جيوسياسية خطيرة على الممر الشمال-الجنوب وربط إيران بجورجيا وروسيا والبحر الأسود عبر أرمينيا. مشاركة الهند في هذه المناورة، في سياق تعاونها العسكري مع أرمينيا خلال السنوات الخمس الماضية، تُظهر أن الهند – على الرغم من علاقاتها الخاصة مع أمريكا في بعض المجالات – تدعم، شأنها شأن روسيا والصين واليونان وجورجيا وبعض الدول الأوروبية، أي مبادرة إيرانية لمواجهة التغييرات الجيوسياسية في القوقاز وشمال غرب إيران.

3. بالنظر إلى الدور الريادي لتبريز في مواجهة فتن «البان تورانية»، فإن مشاركة قيرغيزستان وأوزبكستان وكازاخستان إلى جانب طاجيكستان (وبحضور قوي) في هذه المناورة تُظهر أن فكرة ما يسمى «العالم التركي» – على عكس ادعاءات بعض القادة المتغطرسين في المنطقة – لا تملك أي مكانة جادة في دول آسيا الوسطى. هذه الدول مع تركمانستان أكدت في أواخر أبريل 2025 (فروردين 1404 هـ ش) في بيان مشترك بعد قمة الاتحاد الأوروبي وآسيا الوسطى في سمرقند، تأييدها الصريح لقراري مجلس الأمن 541 (1983) و550 (1984) اللذين يدينان إعلان تركيا الأحادي عام 1983 إنشاء ما يسمى «جمهورية شمال قبرس التركية»، ويطالبان أعضاء الأمم المتحدة بعدم الاعتراف بأي كيان آخر في الجزيرة سوى جمهورية قبرس. وهذا النهج يؤكد مجددًا أن داعمي «العالم التركي» البريطاني يقتصران على دولتين فقط، إحداهما – وللأسف – تنكر جذورها الإيرانية وهويتها الأذربيجانية الشريفة الأصيلة الفخورة، وتسعى لتحويل هذه الهوية إلى هوية مزيفة وغير أصيلة في إطار أهداف «البان تورانية» البريطانية.

4. مشاركة باكستان في «المناورة سهند-2025» بالتزامن مع الهند تُظهر نجاح دبلوماسية إيران في إقامة علاقات متوازنة مع البلدين، خاصة بعد تصاعد التوتر بين دلهي وإسلام آباد حول كشمير في أبريل 2025. وفي الوقت نفسه، سعت باكستان من خلال ذلك إلى الابتعاد عن مبادرة باكو وأنقرة بشأن «تحالف الأخوة الأربعة». بعد حرب قره باغ الثانية (2020/1399 هـ ش)، أعلنت باكو عن إنشاء تحالف الأخوة الأربعة يضم «الكيان الإسرائيلي، جمهورية أذربيجان، تركيا، وباكستان»، ورفعت أعلامها معًا في مناطق مختلفة من باكو؛ وهو أمر اعتبره الشعب الباكستاني المناهض للصهيونية وصمة عار. في الواقع، يبدو أن إسلام آباد تتفق مع رأي الباحث مايكل روبين في معهد أمريكان إنتربرايز بأن «طموحات إلهام علييف لا تُقارن إلا بصدام حسين»، وهناك تلميحات إلى إعادة إسلام آباد النظر في صادراتها العسكرية إلى جمهورية أذربيجان.

خامساً: النقطة الأخيرة أن دعوة جمهورية أذربيجان للحضور كضيف في «المناورة سهند-2025»، وعدم دعوة تركيا، تحمل رسائل. فمنظمة شنغهاي ليس لديها أي رغبة في التعاون مع دولة عضو في الناتو، ولهذا السبب رفضت دائمًا في السنوات الأخيرة طلبات تركيا للعضوية. فالوظيفة الأساسية لشنغهاي هي مواجهة الناتو. ومع ذلك، فإن ترحيب شنغهاي العام بتعاون جمهورية أذربيجان رغم معارضة بعض الأعضاء، يدل على أمل بعض الدول البارزة في المنظمة مثل روسيا والصين في تغيير نهج باكو في العمل كوكيل للجبهة الأنجلو-ساكسونية، رغم ضعف احتمال ذلك. كما أن إقامة «المناورة سهند-2025» في تبريز هي أفضل رد على بعض المواقف التركية السطحية المهددة بشأن قضايا القوقاز، التي لم تتعلم بعد من تعاونها الأسود غير القابل للغفران مع الكيان الإسرائيلي في إسقاط النظام السوري وضرب محور المقاومة وقضية فلسطين، والفضيحة الناتجة عن الخلاف في تقسيم ثروات وأراضي الشعب السوري مع هذا الكيان.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

10 − 6 =

زر الذهاب إلى الأعلى