نظرة شاملة على قدرات الدفاع الجوي للجيش العراقي

كانت منظومة الدفاع الجوي للجيش العراقي في عهد نظام صدام حسين تُعد واحدة من أثقل وأكبر منظومات الدفاع الجوي في العالم، إذ اعتمدت بشكل أساسي على أنظمة من صنع الاتحاد السوفيتي السابق وفرنسا.

ميدل ايست نيوز: كانت منظومة الدفاع الجوي للجيش العراقي في عهد نظام صدام حسين تُعد واحدة من أثقل وأكبر منظومات الدفاع الجوي في العالم، إذ اعتمدت بشكل أساسي على أنظمة من صنع الاتحاد السوفيتي السابق وفرنسا. غير أن هذه البنية الدفاعية تعرضت لأضرار جسيمة خلال عملية «عاصفة الصحراء» عام 1991، كما دُمّرت بشكل شبه كامل مع سقوط نظام صدام حسين عام 2003.

ولسنوات طويلة، تولّت الولايات المتحدة وحلفاؤها مهمة حماية الأجواء العراقية، إلا أنه ومع مرور الوقت وتشكيل الجيش العراقي الجديد، بدأت وحدات الدفاع الجوي في التبلور، وشرعت بغداد في عملية إعادة بناء وتجهيز هذه القوات.

الرادارات وأنظمة المراقبة

في المرحلة الأولى، ركّز العراق على الحصول على أنظمة الرادار والكشف لمراقبة أجوائه. وكانت الخطوة الأولى في هذا المسار شراء رادارات من طراز AN/TPS-77 الأميركية. هذه الرادارات من نوع ثلاثي الأبعاد يعمل بتقنية المصفوفة الطورية النشطة، ويعمل في نطاق التردد L، مع قدرة على البحث والكشف عن الأهداف على مسافة تتجاوز 400 كيلومتر. كما تتمتع بقدرة على نقل المعلومات إلى وحدات الدفاع الجوي لرفع الجاهزية والاشتباك مع الأهداف.

رادار AN/TPS‑77
رادار AN/TPS-77 في العراق – يظهر الرادار في هذه الصورة تحت الغطاء

وخلال السنوات الأخيرة، وبسبب المشكلات المختلفة التي واجهها العراق في الحصول على المعدات العسكرية من الولايات المتحدة وروسيا لأسباب سياسية، إضافة إلى انشغال روسيا بالحرب في أوكرانيا، اتجهت بغداد إلى البحث عن مصادر بديلة لتأمين احتياجاتها التسليحية، وكان من بينها فرنسا.

ومنذ صيف عام 2022، بدأت فرنسا تسليم منظومات رادارية من طراز GM403 إلى العراق. وتعد هذه المنظومة من إنتاج شركة «تاليس» الفرنسية، وقد صدّرت باريس أحد أكثر منتجاتها تطورًا إلى بغداد.

رادار GM403

ويُعد GM403 نظام رادار ثلاثي الأبعاد يعمل بتقنية المصفوفة الطورية النشطة في نطاق التردد S، ويتمتع بمقاومة عالية جدًا للحرب الإلكترونية، وقادر على مراقبة محيطه بزاوية 360 درجة حتى مسافة تتجاوز 400 كيلومتر وعلى ارتفاع يقارب 18 كيلومترًا.

ويمكن نشر هذا الرادار إما بشكل ثابت على الأرض أو تركيبه على شاحنات مختلفة واستخدامه بصورة متحركة.

وفي الوقت نفسه، أجرى العراق خلال السنوات الماضية مفاوضات واسعة لشراء منتج راداري آخر من شركة «تاليس» الفرنسية، وتشير التقارير إلى أنه من المقرر تسليم عدد غير محدد من هذه الأنظمة إلى العراق في المستقبل.

رادار GM 200 صنع في فرنسا

ويُعد رادار GM200 من بين المنتجات المتقدمة الأخرى لشركة «تاليس»، ويتمتع بمواصفات قريبة من رادار GM403. فهذا الرادار ثلاثي الأبعاد ويعمل بتقنية المصفوفة الطورية النشطة، ويوفر تغطية بزاوية 360 درجة وقدرة رصد حتى ارتفاع 18 كيلومترًا، غير أن مداه يقتصر على نحو 250 كيلومترًا.

وبشكل عام، فإن تسليم هذه الرادارات يمنح العراق قدرة مقبولة على مراقبة أجوائه ورصد أهداف مثل الطائرات، والمسيرات، وبعض أنواع الصواريخ المجنحة.

المنظومات التسليحية للدفاع الجوي العراقي

أما في ما يتعلق بالتصدي للتهديدات الجوية، فلا يزال وضع العراق محدودًا نسبيًا، وتسعى بغداد إلى إحداث تغيير جذري في هذا المجال. بصورة عامة، تشمل القدرات الحالية للدفاع الجوي العراقي ما يلي:

– منظومة الدفاع الجوي القصير المدى «أفنجر» الأميركية
– صواريخ الدفاع الجوي المحمولة على الكتف من طراز «إيغلا-إس» الروسية
– منظومة الدفاع الجوي «بانتسير-إس1» الروسية

وتُعرف منظومة «أفنجر» بالرمز AN/TWQ-1، وهي في الأساس مركبة مدرعة خفيفة من طراز «هامفي» مجهزة بقواذف لصواريخ «ستينغر» القصيرة المدى والمحمولة على الكتف. تشير التقديرات إلى أن العراق يمتلك نحو 100 منظومة من هذا النوع.

منظومة الدفاع الجوي “أفينجر” تدخل الخدمة لدى الجيش العراقي

وتحمل المركبة ثمانية صواريخ «ستينغر» موزعة على حاويتين رباعيتين، إضافة إلى رشاش ثقيل عيار 12.7 ملم. ويتمتع صاروخ «ستينغر» بقدرة اشتباك مع الأهداف على مدى يقارب 5 كيلومترات، وارتفاع يتراوح بين 3500 و4000 متر. ويعتمد الصاروخ على التوجيه الحراري، حيث يقفل على البصمة الحرارية الصادرة عن الهدف، وتزيد سرعته على ضعفي سرعة الصوت.

ويبلغ وزن الرأس الحربي لصاروخ «ستينغر» نحو 3 كيلوغرامات، ويعمل إما بالاصطدام المباشر أو بالانفجار قرب الهدف.

وتضم منظومة «أفنجر» نظامًا للتحكم في النيران، ومقياس مسافة ليزري، وكاميرا حرارية للبحث والتصويب. وقد أظهرت تجربة استخدام هذه المنظومة في الحرب الروسية الأوكرانية أنها خيار مناسب للتعامل مع المروحيات، والطائرات المسيّرة، والصواريخ المجنحة.

أما السلاح الآخر في ترسانة الدفاع الجوي العراقي فهو صواريخ «إيغلا-إس» المحمولة على الكتف من صنع روسي، وهي تعتمد، مثل «ستينغر»، على التوجيه الحراري. وتُعد هذه الصواريخ من بين أكثر الأنظمة المحمولة تطورًا في روسيا، وقادرة على الاشتباك مع أهداف مثل المروحيات، والطائرات، والطائرات المسيّرة، والصواريخ المجنحة.

صاروخ إيغلا إس المضاد للطائرات الذي يُطلق من الكتف والموجود في حوزة الجيش العراقي

وأظهرت صواريخ «إيغلا»، حتى في نسخها الأقدم، أداءً فعالًا خلال الحرب الروسية الأوكرانية ضد التهديدات المنخفضة الارتفاع، مثل الطائرات المسيّرة والصواريخ المجنحة.

وتتمتع هذه الصواريخ بمدى يزيد على 5 كيلومترات، وارتفاع اشتباك يبلغ 3.5 كيلومتر، وتصل سرعتها إلى نحو ضعفي سرعة الصوت، فيما يزن رأسها الحربي نحو 2.5 كيلوغرام.

أما المنظومة الأخرى المتوافرة لدى العراق فهي منظومة الدفاع الجوي المتحركة «بانتسير-إس1» الروسية، حيث تشير روايات إلى امتلاك العراق ما بين 30 و40 منظومة من هذا النوع، دون إعلان رسمي عن العدد الدقيق.

وتُعد «بانتسير-إس1» حاليًا أكثر أنظمة الدفاع الجوي تطورًا في الخدمة لدى العراق. وهي منظومة ذاتية الحركة مثبتة على شاحنة، تضم أنظمة الكشف (الرادار والبصريات) وأنظمة التسليح (المدافع والصواريخ) على منصة واحدة.

نظام بانتسير للدفاع الجوي المتنقل في حوزة الجيش العراقي

وتحتوي المنظومة على مدفعين عيار 30 ملم بمعدل إطلاق يصل إلى 5 آلاف طلقة في الدقيقة، إضافة إلى 12 صاروخًا موجّهًا راداريًا. ويبلغ مدى هذه الصواريخ نحو 20 إلى 30 كيلومترًا، وتصل سرعتها إلى نحو ثلاثة أضعاف سرعة الصوت، فيما يزن رأسها الحربي 20 كيلوغرامًا، ويصل ارتفاع الاشتباك إلى نحو 15 كيلومترًا.

وتستخدم المنظومة رادارين، أحدهما للكشف والتعقب، والآخر للتحكم في النيران، وكلاهما من نوع المصفوفة الطورية غير النشطة، ويُقدّر مدى الكشف بنحو 40 كيلومترًا.

وسجّلت منظومة «بانتسير» إحدى حالات الاعتراض والتدمير القليلة والناجحة للدفاع الجوي العراقي الحديث. ففي 29 أغسطس 2024، وفي محيط مدينة كركوك شمال العراق، تمكّنت منظومة «بانتسير» عراقية من رصد وإسقاط طائرة مسيّرة ثقيلة للاستطلاع والهجوم من طراز «أكسونغور» (Aksungur) تركية الصنع، تابعة للقوات المسلحة التركية. ويُعد هذا الحدث من أبرز، وربما الوحيد، للنجاحات القتالية للدفاع الجوي العراقي الحديث منذ سقوط نظام صدام حسين.

صور لحطام طائرة تركية مسيرة أسقطها نظام بانتسير عراقي

التوجه نحو المستقبل بدعم من كوريا الجنوبية

تعتمد قدرات الدفاع الجوي العراقي الحالية في معظمها على أنظمة قصيرة المدى ذات فاعلية تتركز على الدفاع الجوي الموضعي. غير أن توقيع عقد دفاعي كبير مع كوريا الجنوبية يشير إلى دخول الدفاع الجوي العراقي مرحلة جديدة من التحديث.

وبموجب العقد الموقّع بين العراق وكوريا الجنوبية في سبتمبر 2024، والبالغ قيمته 2.8 مليار دولار، من المقرر تسليم ثماني بطاريات من منظومة الدفاع الجوي الكورية «تشيونغونغ-2» (Cheongung-II) إلى العراق، على أن تبدأ عمليات التسليم عام 2026.

صورة توضيحية لمنظومة الدفاع تشيونغونغ-2

تُعد هذه المنظومة أول خطوة حقيقية للعراق نحو امتلاك قدرات دفاع جوي تتجاوز نطاق الدفاع الموضعي، إذ إنها لا تقتصر على مواجهة الطائرات المسيّرة والمقاتلات والمروحيات والصواريخ المجنحة، بل تمتلك أيضًا قدرة على التصدي للصواريخ الباليستية التكتيكية قصيرة المدى.

وتتكون كل بطارية عادة من مركز قيادة، ووحدة رادارية مزودة برادار مصفوفة طورية نشطة يعمل في نطاق التردد X، إضافة إلى أربعة إلى ستة قواذف، يحتوي كل قاذف منها عادة على ثمانية صواريخ.

قاذفة تشيونغونغ-2 خلال إطلاقها صاروخاً

وتعتمد الصواريخ خلال المرحلة الأولى من مسارها على التوجيه من الرادار الرئيسي، قبل أن تستخدم رادارًا خاصًا بها في المرحلة النهائية للتوجه نحو الهدف. ويبلغ مداها نحو 40 إلى 50 كيلومترًا، مع قدرة اشتباك على ارتفاع يتراوح بين 20 و25 كيلومترًا. ومن أبرز ميزات هذه المنظومة قدرتها العالية على مقاومة الحرب الإلكترونية المعادية.

وتعتمد قواذف هذه المنظومة على الإطلاق العمودي باستخدام أسلوب «الإطلاق البارد»، حيث يُقذف الصاروخ خارج الحاوية أولًا قبل تشغيل محركه.

ولا يزال أمام العراق طريق طويل لبناء شبكة دفاع جوي متكاملة وواسعة تغطي كامل أراضيه، غير أن صفقات الشراء الأخيرة تشير بوضوح إلى أن بغداد تمضي قدمًا بخطوات ثابتة نحو إنشاء مظلة دفاع جوي مستقلة خاصة بها.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثمانية عشر − 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى